زواج النبي صلى الله عليه وسلم من سودة وعائشة بعد خديجة

إسم الكاتب : أبو الحسن علي الرملي


  • من صحيح السيرة النبوية:

    43- قال ابن كثيرة في السيرة النبوية: فصل في تزويجه عليه السلام بعد خديجة رضي الله عنها بعائشة بنت الصديق، وسودة بنت زمعة رضي الله عنهما.

    الصحيح أن عائشة تزوجها أولاً كما سيأتي.

    أخرج البخاري في باب تزويج عائشة، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: " أريتك في المنام مرتين، أرى أنك في سَرَقةٍ (1) من حرير، ويقول: هذه امرأتك، فاكشف عنها، فإذا هي أنت، فأقول: إن كان هذا من عند الله يمضه ".

    قال البخاري: باب نكاح الأبكار. وقال ابن أبي مليكة: قال ابن عباس لعائشة: لم ينكح النبي صلى الله عليه وسلم بكراً غيرك.

    وروى عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، أرأيت لو نزلت وادياً وفيه شجرة قد أكل منها، ووجدت شجرة لم يؤكل منها، في أيها كنت ترتع بعيرك؟ قال: " في التي لم يرتع منها " تعني أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بكراً غيرها.

    انفرد به البخاري.

    ثم روى عن عائشة قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أريتك في المنام فيجئ بك الملك في سرقة من حرير، فقال لي: هذه امرأتك، فكشفت عن وجهك الثوب فإذا أنت هي، فقلت: إن يكن هذا من عند الله يمضه ".

    وفي رواية: " أريتك في المنام ثلاث ليال ".

    وعند الترمذي: أن جبريل جاءه بصورتها في خرقة من حرير خضراء، فقال: هذه زوجتك في الدنيا والآخرة.

    وقال البخاري: باب تزويج الصغار من الكبار، وروى عن عروة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب عائشة إلى أبي بكر، فقال له أبو بكر: إنما أنا أخوك.

    فقال: " أنت أخي في دين الله وكتابه، وهي لي حلال ".

    هذا الحديث ظاهر سياقه كأنه مرسل، وهو عند البخاري والمحققين متصل؛ لأنه من حديث عروة عن عائشة رضي الله عنها، وهذا من أفراد البخاري رحمه الله.

    وروى عن عروة قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة بعد خديجة بثلاث سنين، وعائشة يومئذ ابنة ست سنين، وبنى بها وهي ابنة تسع، ومات رسول الله صلى عليه وسلم وعائشة ابنة ثماني عشرة سنة.

    وهذا غريب.

    وقد روى البخاري عن عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: توفيت خديجة قبل مخرج النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين، فلبث سنتين أو قريباً من ذلك، ونكح عائشة وهي بنت ست سنين، ثم بنى بها وهي بنت تسع سنين. وهذا الذي قاله عروة مرسل في ظاهر السياق كما قدمنا، ولكنه في حكم المتصل في نفس الأمر.

    وقوله: " تزوجها وهي ابنة ست سنين، وبنى بها وهي ابنة تسع " ما لا خلاف فيه بين الناس، وقد ثبت في الصحاح وغيرها.

    وكان بناؤه بها عليه السلام في السنة الثانية من الهجرة إلى المدينة.

    وأما كون تزويجها كان بعد موت خديجة بنحو من ثلاث سنين ففيه نظر.

    فإن يعقوب بن سفيان الحافظ قال: حدثنا الحجاج، حدثنا حماد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم متوفى خديجة قبل مخرجه من مكة وأنا ابنة سبع أو ست سنين، فلما قدمنا المدينة جاءني نسوة وأنا العب في أرجوحة وأنا مجممة(2)، فهيأنني وصنعنني ثم أتين بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبنى بي(3). وأنا ابنة تسع سنين.

    فقوله في هذا الحديث: " متوفى خديجة ".

    يقتضي أنه على أثر ذلك قريباً، اللهم إلا أن يكون قد سقط من النسخة بعد متوفى خديجة، فلا ينفي ما ذكره يونس بن بكير وأبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه.

    والله أعلم.

    وقال البخاري: حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.

    قالت: تزوجني النبي صلى الله عليه وسلم وأنا بنت ست سنين، فقدمنا المدينة فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج، فوعكت(4) فتمزق شعري، وقد وفت لي جميمة(5)، فأتتني أمي أم رومان وإني لفي أرجوحة ومعي صواحب لي، فصرخت بي فأتيتها ما أدرى ما تريد منى، فأخذت بيدي حتى أوقفتني على باب الدار، وإني لأنهج(6) حتى سكن بعض نفسي، ثم أخذت شيئا من ماء فمست به وجهي ورأسي، ثم أدخلتني الدار.

    قال: فإذا نسوة من الأنصار في البيت، فقلن: على الخير والبركة وعلى خير طائر.

    فأسلمتني إليهن فأصلحن من شأني، فلم يرعني إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحا(7)، فأسلمنني إليه وأنا يومئذ بنت تسع سنين.

    وقال الإمام أحمد في مسند عائشة أم المؤمنين: حدثنا محمد بن بشر، حدثنا بشر، حدثنا محمد بن عمرو حدثنا أبو سلمة ويحيى، قالا: لما هلكت خديجة جاءت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون فقالت: يا رسول الله ألا تزوج؟ قال: من؟ قالت: إن شئت بكراً، وإن شئت ثيباً.

    قال: فمن البكر؟ قالت أحب خلق الله إليك عائشة ابنة أبي بكر.

    قال: ومن الثيب؟ قالت سودة بنت زمعة، قد آمنت بك واتبعتك.

    قال: فاذهبي فاذكريهما علي.

    فدخلت بيت أبي بكر فقالت: يا أم رومان ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة!

    قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطب عليه عائشة، قالت: انظري أبا بكر حتى يأتي.

    فجاء أبو بكر فقلت: يا أبا بكر ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة! قال: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطب عليه عائشة.

    قال: وهل تصلح له؟ إنما هي ابنة أخيه.

    فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له قال: " ارجعي إليه فقولي له: أنا أخوك وأنت أخي في الإسلام وابنتك تصلح لي ".

    فرجعت فذكرت ذلك له قال: انتظري، وخرج.

    قالت أم رومان: إن مطعم بن عدى قد ذكرها على ابنه، ووالله ما وعد أبو بكر وعدا قط فأخلفه. فدخل أبو بكر على مطعم بن عدي وعنده امرأته أم الصبي.

    فقالت: يا ابن أبي قحافة لعلك مصبئ(8) صاحبنا تدخله في دينك الذي أنت عليه إن تزوج إليك؟! فقال أبو بكر للمطعم بن عدي أقول هذه تقول؟ قال: إنها تقول ذلك.

    فخرج من عنده وقد أذهب الله ما كان في نفسه من عدته التي وعده.

    فرجع فقال لخولة: ادعي لي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فدعته فزوجها إياه، وعائشة يومئذ بنت ست سنين.

    ثم خرجت فدخلت على سودة بنت زمعة فقالت: ما أدخل الله عليك من الخير والبركة؟! قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطبك إليه.

    قالت: وددت، ادخلي إلى أبى بكر فاذكري ذلك له، وكان شيخا كبيرا قد أدركه السن قد تخلف عن الحج، فدخلت عليه فحييته بتحية الجاهلية، فقال: من هذه؟ قالت: خولة بنت حكيم.

    قال: فما شأنك؟ قالت: أرسلني محمد بن عبد الله أخطب عليه سودة.

    فقال: كفء كريم، ما تقول صاحبتك؟ قالت: تحب ذلك.

    قال ادعيها إلى.

    فدعتها

    قال: أي بنية، إن هذه تزعم أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب قد أرسل يخطبك، وهو كفء كريم، أتحبين أن أزوجك به؟ قالت: نعم.

    قال: ادعيه لي.

    فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجها إياه.

    فجاء أخوها عبد بن زمعة من الحج، فجاء يحثي على رأسه التراب.

    فقال بعد أن أسلم: لعمرك إني لسفيه يوم أحثي في رأسي التراب أن تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم سودة بنت زمعة! قالت عائشة: فقدمنا المدينة فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج في السنح(9).

    قالت: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل بيتنا واجتمع إليه رجال من الأنصار ونساء، فجاءتني أمي وإني لفي أرجوحة بين عذقين(10) يرجح بي، فأنزلتني من الأرجوحة ولي جميمة ففرقتها ومسحت وجهي بشيء من ماء، ثم أقبلت تقودني حتى وقفت بي عند الباب، وإني لأنهج حتى سكن من نفسي، ثم دخلت بي فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس على سرير في بيتنا وعنده رجال ونساء من الأنصار، فأجلستني في حجرة ثم قالت: هؤلاء أهلك، فبارك الله لك فيهم، وبارك لهم فيك.

    فوثب الرجال والنساء فخرجوا، وبنى بي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتنا ما نحرت علي جزور، ولا ذبحت علي شاة، حتى أرسل إلينا سعد بن عبادة بجفنة كان يرسل بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دار إلى نسائه.

    وأنا يومئذ ابنة تسع سنين(11).

    وهذا السياق كأنه مرسل، وهو متصل.

    لما رواه البيهقي من طريق أحمد بن عبد الجبار، حدثنا عبد الله بن إدريس الازدي، عن محمد بن عمرو، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، قال: قالت عائشة: لما ماتت خديجة جاءت خولة بنت حكيم فقالت: يا رسول الله ألا تزوج؟ قال: ومن؟ قالت:

    إن شئت بكرا وإن شئت ثيبا.

    قال: من البكر ومن الثيب؟ قالت: أما البكر فابنة أحب خلق الله إليك، وأما الثيب فسودة بنت زمعة، قد آمنت بك واتبعتك.

    قال فاذكريهما علي وذكر تمام الحديث نحو ما تقدم.

    وهذا يقتضي أن عقده على عائشة كان متقدماً على تزويجه بسودة بنت زمعة.

    ولكن دخوله على سودة كان بمكة، وأما دخوله على عائشة فتأخر إلى المدينة في السنة الثانية كما تقدم وكما سيأتي.

    وقال الإمام أحمد: حدثنا أسود، حدثنا شريك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: لما كبرت سودة وهبت يومها لي، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لي بيومها مع نسائه.

    قالت: وكانت أول امرأة تزوجها بعدي.

    وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الحميد، حدثني شهر، حدثني عبد الله بن عباس، أن رسول الله صلى عليه وسلم خطب امرأة من قومه يقال لها سودة وكانت مُصبِية (12)، كان لها خمس صبية أو ست من بعلها مات: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما يمنعك مني؟ " قالت: والله يا نبي الله ما يمنعني منك أن لا تكون أحب البرية إلي، ولكني أكرمك أن يمنعوا هؤلاء الصبية عند رأسك بكرة وعشية.

    قال: فهل منعك مني غير ذلك؟ قالت: لا والله.

    قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: يرحمك الله! إن خير نساء ركبن أعجاز الإبل، صالح؟ نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على بعل بذات يده.

    قلت: وكان زوجها قبله عليه السلام السكران بن عمرو أخو سهيل بن عمرو، وكان ممن أسلم وهاجر إلى الحبشة كما تقدم، ثم رجع إلى مكة فمات بها قبل الهجرة رضى الله عنه.

    هذه السياقات كلها دالة على أن العقد على عائشة كان متقدما على العقد بسودة، وهو قول عبد الله بن محمد بن عقيل.

    ورواه يونس عن الزهري.

    واختار ابن عبد الير أن العقد على سودة قبل عائشة، وحكاه عن قتادة وأبى عبيد.

    قال: ورواه عقيل عن الزهري. انتهى

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    (1) أي في قطعة من جيد الحرير، وجمعها سَرَق.

    (2) أي لها شعر طويل، فالجمة ما طال من الشعر.

    (3) أي دخل بها.

    (4) أي مرضت بالحمى.

    (5) أي كثرت. والجميمة. تصغير الجُمة. وهي الشعر الطويل. أي طال شعرها وكثر بعدما ضعف من المرض.

    (6) يقال: أنهج الرجل؛ إذا أصابه البهر والربو من الجري والتعب، وهو من علو النفس. أي ستنفس نفسا سريعا ومتتابعا من التعب؛ كتنفس الذي يأتي مسرعاً.

    (7) (فلم يرعني) أي لم أشعر، كأنه فاجأها بغتة من غير موعد ولا معرفة فراعها ذلك وأفزعها. (ضحا) ظهر.

    (8) يعني لعلك تخرجه من دينه إلى دينك، وكانوا يقولون لمن أسلم صبأ، أي خرج من دينه إلى دين آخر.

    (9) منازل بني الحارث بن الخزرج بعوالي المدينة، وفيه نزل أبو بكر الصديق، وبينه وبين منزل النبي صلى الله عليه وسلم ميل.

    (10) العَذق: النخلة.

    (11) في سنده عبد الله بم محمد بن عقيل مختلف في الاحتجاج به، والراجح ضعفه.

    (12) أي كان لها أولاد صبية، جمع صبي وهو الغلام.

    والله أعلم.


    كتبه أبو الحسن علي الرملي
    14/ 11/ 1440

     

جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2019 موقع معهد الدين القيم