33- دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على قريش بسنين كسني يوسف

إسم الكاتب : أبو الحسن علي الرملي


  • من صحيح السيرة النبوية:

    33- دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على قريش بسنين كسني يوسف

    أخرج البخاري (4809و4820)، ومسلم (2798) واللفظ له عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: جَاءَ إِلَى عَبْدِ اللهِ – يعني ابن مسعود- رَجُلٌ فَقَالَ: تَرَكْتُ فِي الْمَسْجِدِ رَجُلًا يُفَسِّرُ الْقُرْآنَ بِرَأْيِهِ يُفَسِّرُ هَذِهِ الْآيَةَ: {يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} [الدخان: 10] قَالَ: يَأْتِي النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ دُخَانٌ، فَيَأْخُذُ بِأَنْفَاسِهِمْ حَتَّى يَأْخُذَهُمْ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ.

    فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: مَنْ عَلِمَ عِلْمًا فَلْيَقُلْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ: اللهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ: اللهُ أَعْلَمُ.

    إِنَّمَا كَانَ هَذَا، أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا اسْتَعْصَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، «دَعَا عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ» (1)، فَأَصَابَهُمْ قَحْطٌ وَجَهْدٌ، حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنَ الْجَهْدِ، وَحَتَّى أَكَلُوا الْعِظَامَ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ اسْتَغْفِرِ اللهَ لِمُضَرَ(2) ، فَإِنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا، فَقَالَ: «لِمُضَرَ؟! إِنَّكَ لَجَرِيءٌ(3)» قَالَ: فَدَعَا اللهَ لَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ} [الدخان: 15] قَالَ: فَمُطِرُوا، فَلَمَّا أَصَابَتْهُمُ الرَّفَاهِيَةُ، قَالَ: عَادُوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ، يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الدخان: 11] {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ} [الدخان: 16] قَالَ: يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ.

    قال ابن مسعود: «خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ الدُّخَانُ (4)، وَاللِّزَامُ (5)، وَالرُّومُ (6)، وَالْبَطْشَةُ (7)، وَالْقَمَرُ (8)».
    وفي رواية عند البخاري: فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَانَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ تَأْمُرُ بِطَاعَةِ الله، وَبِصِلَةِ الرَّحِمِ، وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا، فَادْعُ اللَّهَ لَهُمْ.

    وفي رواية: فَجَاءَهُ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ جِئْتَ تَأْمُرُنَا بِصِلَةِ الرَّحِمِ، وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا فَادْعُ اللَّهَ، فَقَرَأَ: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} [الدخان: 10] إِلَى قَوْلِهِ: {عَائِدُونَ} [الدخان: 15] أَفَيُكْشَفُ عَنْهُمْ عَذَابُ الآخِرَةِ إِذَا جَاءَ ثُمَّ عَادُوا إِلَى كُفْرِهِمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى} [الدخان: 16]: يَوْمَ بَدْرٍ وَلِزَامًا: يَوْمَ بَدْرٍ {الم غُلِبَتِ الرُّومُ} [الروم: 2] إِلَى {سَيَغْلِبُونَ} [الروم: 3]: وَالرُّومُ قَدْ مَضَى.
    وأخرج مسلم بعده عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ} [السجدة: 21] قَالَ: «مَصَائِبُ الدُّنْيَا، وَالرُّومُ، وَالْبَطْشَةُ، أَوِ الدُّخَانُ» شُعْبَةُ الشَّاكُّ فِي الْبَطْشَةِ أَوِ الدُّخَانِ».
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    (1) أي اجعلها سنين شداداً ذوات قحط وغلاء؛ كالتي كانت في زمن يوسف، فالمراد بسني يوسف ما وقع في زمانه عليه السلام من القحط في السنين السبع، كما ذكر في سورة يوسف، وأضيفت إليه لكونه الذي أنذر بها أو لكونه الذي قام بأمور الناس فيها.

    (2) مضر قبيلة، ومنها قريش، قال في الفتح: إنما قال لمضر؛ لأن غالبهم كان بالقرب من مياه الحجاز، وكان الدعاء بالقحط على قريش وهم سكان مكة، فسرى القحط إلى مَن حولهم.
    (3) أي أتأمرني أن أستسقي لمضر مع ما هم عليه من المعصية والإشراك به، إنك لجريء؛ أي ذو جراءة حيث تشرك بالله وتطلب رحمته.
    (4) قَالَ الله تَعَالَى: {يَوْم تَأتي السَّمَاء بِدُخَان مُبين} (الدُّخان: 01) .
    قال ابن كثير: وقد وافق ابن مسعود على تفسير الآية بهذا، وأن الدخان مضى، جماعة من السلف؛ كمجاهد، وأبي العالية، وإبراهيم النخعي، والضحاك، وعطية العوفي، وهو اختيار ابن جرير.
    قال: وقال آخرون: لم يمض الدخان بعد، بل هو من أمارات الساعة، كما تقدم من حديث أبي سريحة حذيفة بن أسيد الغفاري رضي الله عنه، قال: أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من غرفة ونحن نتذاكر الساعة، فقال: «لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة... » وذكر الحديث وحديث ابن الصياد ثم قال: وهذا فيه إشعار بأنه من المنتظر المرتقب، وابن صياد كاشف على طريقة الكهان بلسان الجان، وهم يقرطمون العبارة؛ ولهذا قال: (هو الدُّخ) يعني: الدُّخان. فعندها عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم مادته وأنها شيطانية، فقال له: «اخسأ فلن تعدو قدرك».
    ثم ذكر بعض الأحاديث والآثار، حتى ذكر عن ابن جرير بإسناده عن عبد الله بن أبي مليكة قال: غدوت على ابن عباس، رضي الله عنهما، ذات يوم فقال: ما نمت الليلة حتى أصبحت. قلت: لم؟ قال: قالوا طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يكون الدخان قد طرق، فما نمت حتى أصبحت.

    ثم ذكر له إسنادا آخر، فقال: وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن.

    وهكذا قول من وافقه من الصحابة والتابعين أجمعين، مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرهما، التي أوردناها مما فيه مقنع ودلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المنتظرة، مع أنه ظاهر القرآن، قال الله تعالى: {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين} أي: بين واضح يراه كل أحد.

    وعلى ما فسر به ابن مسعود، رضي الله عنه: إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد. وهكذا قوله: {يغشى الناس} أي: يتغشاهم ويعمهم ، ولو كان أمراً خيالياً يخص أهل مكة المشركين لما قيل فيه: {يغشى الناس}. انتهى وهذا هو الصواب للأدلة التي ذكرها. والله أعلم
    (5) قَالَ الله تَعَالَى: {فَسَوف يكون لزاماً} قيل: هُوَ الْقَحْط، وَقيل: هُوَ التصاق الْقَتْلَى بَعضهم بِبَعْض فِي بدر، وَقيل: هُوَ الْأسر فِيهِ، وَقد أُسر سَبْعُونَ قرشياً فِيهِ.
    قال ابنُ كثير: ويَدخلُ في ذلك يوم بدر كما فسَّرهُ ابنُ مسعودٍ وأُبي بنُ كعب ومحمدُ بن كعب القُرظِي ومجاهدُ والضَّحاكُ وقتادةُ والسُّدّي وغيرهم، وقال الحسنُ: {فسوف يكون لزامًا} يعني يوم القيامة. قال ابنُ كثيرٍ: ولا منافاة بينهما. اهـ.
    (6) قَالَ الله تَعَالَى: {ألم غلبت الرّوم} (الرّوم: 1) أي غلبت فارسُ الروم {إلى سيغلبون}أي الروم سيغلبون فارس، وهذا علم من أعلام نبوّة نبينا -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لما فيه من الإخبارِ بالغيبِ فقد حصلَ هذا كما أخبرَ صلى الله عليه وسلم، وغلبت الروم فارس.
    (7) قَالَ الله تَعَالَى: {يَوْم نبطش البطشة الْكُبْرَى} (الدُّخان: 61) وَهُوَ الْقَتْل الَّذِي وَقع يَوْم بدر.
    (8) قَالَ الله تَعَالَى: {اقْتَرَبت السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر} (الْقَمَر: 1) ، سيأتي ذكره في صحيح السيرة إن شاء الله.


    كتبه أبو الحسن علي الرملي

    18 / 5 /1440 هجري

جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2019 موقع معهد الدين القيم