34- فرح المؤمنين بنصر الله للروم على الفرس

إسم الكاتب : أبو الحسن علي الرملي


  • من صحيح السيرة النبوية:

    34- فرح المؤمنين بنصر الله للروم على الفرس
    تقدم في الصحيحين قول عبد الله بن مسعود: الروم قد مضى.
    في هذه الحادثة حديثان صحيحان
    الأول حديث ابن عباس ، أخرج أحمد (2495) والترمذي (3193) بإسناده عن ابن عباس، في قول الله تعالى: {الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ} [الروم: 2] قال: غُلِبَتْ وَغَلَبَتْ(1)، كان المشركون يحبون أن يَظهَر أهل فارس على الروم؛ لأنهم وإياهم أهل أوثان، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس؛ لأنهم أهل كتاب(2)، فذكروه لأبي بكر، فذكره أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «أَمَا إِنَّهُمْ سَيَغْلِبُونَ»، فذكره أبو بكر لهم، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلاً، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل أجلاً: خمس سنين، فلم يظهروا.
    فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، قال: «أَلَا جَعَلْتَهُ إِلَى دُونَ»- قال: أراه: العشر، قال سعيد: والْبِضْعُ ما دون العشر - قال: ثم ظهرت الروم بعدُ.

    قال: فذلك قوله تعالى: {الم غُلِبَتِ الرُّومُ} [الروم: 1]- إلى قوله - {يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ} [الروم: 4] قال سفيان: «سمعت أنهم ظهروا عليهم يوم بدر».
    والثاني حديث نِيَارِ بْنِ مُكْرَمٍ ، وأخرج الترمذي (3194) عن نِيَارِ بْنِ مُكْرَمٍ الأَسْلَمِيِّ، قال: « لما نزلت {الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ} [الروم: 2] فكانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للروم، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم؛ لأنهم وإياهم أهل كتاب، وفي ذلك قول الله تعالى: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الروم: 4] فكانت قريش تحب ظهور فارس؛ لأنهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب ولا إيمان ببعث.

    فلما أنزل الله تعالى هذه الآية، خرج أبو بكر الصديق يصيح في نواحي مكة {الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ}[الروم: 1]

    قال ناس من قريش لأبي بكر: فذلك بيننا وبينكم، زعم صاحبك أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين، أفلا نراهنك على ذلك، قال: بلى، وذلك قبل تحريم الرهان، فارتهن أبو بكر والمشركون، وتواضعوا الرهان، وقالوا لأبي بكر: كم تجعل البضع ثلاث سنين إلى تسع سنين، فسم بيننا وبينك وسطاً تنتهي إليه، قال: فسموا بينهم ست سنين.

    قال: فمضت الست سنين قبل أن يظهروا، فأخذ المشركون رهن أبي بكر، فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس، فعاب المسلمون على أبي بكر تسمية ست سنين؛ لأن الله تعالى قال: {في بضع سنين}، قال: وأسلم عند ذلك ناس كثير ».
    وفي رواية عند ابن خزيمة في التوحيد(1/404)، والبيهقي في الأسماء والصفات (510) وغيرهما: عن نيار بن مكرم قال: إن أبا بكر رضي الله عنه قاول قوماً من أهل مكة على أن الروم تغلب فارس، فغلبت الروم فارس، فقرأها عليهم، فقالوا: كلامك هذا أم كلام صاحبك؟ قال: ليس بكلامي ولا كلام صاحبي؛ ولكنه كلام الله عز وجل.
    قال البيهقي: تابعه محمد بن يحيى الذهلي عن سريج بن النعمان إلا أنه قال: فقال رؤساء مشركي مكة: يا ابن أبي قحافة هذا مما أتى به صاحبك؟ قال: لا ولكنه كلام الله وقوله. قال البيهقي: وهذا إسناد صحيح. انتهى
    واحتج به البخاري في خلق أفعال العباد (ص40) على أن القرآن كلام الله حقيقة غير مخلوق. والله أعلم
    ـــــــــــــــــــــــ

    (1) أي بضم الغين وكسر اللام في الأولى، وفتحهما في الثانية، غُلِبت أولاً، ثم غَلَبت بعد ذلك.
    (2) وإن كانوا جميعاً كفاراً؛ المشركين وأهل الكتاب، إلا أن الكفار يتفاوتون في الكفر، وأهل الكتاب أخف كفراً من المشركين لذلك خصوا ببعض الأحكام الشرعية، وكان نصرهم أحب إلى المسلمين من نصر المشركين؛ لكون حربهم مع من هم أشد كفراً منهم.

    كتبه أبو الحسن علي الرملي

    25 / 5 /1440 هجري

جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2019 موقع معهد الدين القيم