• نوع الفتوى: عقيدة
  • عنوان الفتوى: أدلة عذاب القبر متواترة تواتراً معنوياً
  • رقم الفتوى: 1510
  • السؤال
    ما هي عقيدة أهل السنة والجماعة في عذاب القبر، هل يوجد عذاب قبر أم لا؟ وهل بينهم خلاف؟ وما معنى قول أهل العلم: أحاديث عذاب القبر متواترة تواتراً معنوياً لا تواتراً لفظياً؟
  • الاجابة

    التواتر اللفظي، هو: أن يأتي حديث بلفظ معين؛ يروى بطرق كثيرة بنفس اللفظ؛ كقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار"؛ فقد جاء هذا الحديث بهذا اللفظ من طرق كثيرة، ورد بنفس اللفظ ، فهو متواتر تواتراً لفظياً، وربما يوجد بينها اختلاف يسير في اللفظ دون المعنى.

    أما التواتر المعنوي، فلا يرد بنفس اللفظ، ولكن تأتي عدة أحاديث فيها ما يدلُّ على معنى واحد، قدر مشترك، جزء من المعنى تشترك كلها فيه؛ كعذاب القبر؛ فقد وردت مجموعة من الأحاديث، كل منها يفيد وقوع عذاب القبر، وإن كانت أخباراً مختلفة في حكايات مختلفة عن بعضها، فيكون عذاب القبر متواتراً تواتراً معنوياً لا لفظياً؛ فأحاديث عذاب القبر متواترة، قال القسطلاني في شرحه على البخاري (2/ 460): قال في مصابيح الجامع: وقد كثرت الأحاديث في عذاب القبر، حتى قال غير واحد: إنها متواترة لا يصح عليها التواطؤ، وإن لم يصح مثلها لم يصح شيء من أمر الدين. انتهى

    ومن الأدلة على أن عذاب القبر حق:

    قول الله تبارك وتعالى: ﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾ [غافر: 46]

    وقوله: { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27]

    وفي الصحيحين عن البراء بن عازب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت} [إبراهيم: 27] " قال: " نزلت في عذاب القبر، فيقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم، فذلك قوله عز وجل: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا، وفي الآخرة} [إبراهيم: 27] ".

    وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ بقبرين، فقال: "إنهما لَيُعذَّبان، وما يعذبان في كبير؛ أما أحدهما، فكان لا يستبرئُ من البول، وأما الآخر، فكان يمشي بالنميمة"، ثم دعا بجريدة، فشقَّها نصفين، فقال: "لعله يُخفَّف عنهما ما لم ييبسا". متفق عليه

    وعن أبي هريرة: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "إذا فرَغ أحدُكم من التشهد الأخير، فليتعوَّذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنةِ المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدَّجَّال". متفق عليه

    وفي الصحيحينِ عن أبي أيوب قال: خرَج النبيُّ صلى الله عليه وسلم وقد وجَبَتِ الشمس، فسمع صوتًا، فقال: "يهودُ تُعذَّبُ في قبورها".

    وأدلة غيرها كثيرة، انظرها وآثار السلف في السنة لعبد الله بن الإمام أحمد (2/ 592)، والشريعة للآجري (3/ 1272)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (6/ 1199)، وإثبات عذاب القبر للبيهقي.

     فبما أن عذاب القبر قد ثبت في الكتاب والسنة وثبت عن الصحابة ومن اتبعهم بإحسان ولم ينكره أحد منهم، فوجب علينا الإيمان به والتسليم لما قاله ربنا تبارك وتعالى، ولما أخبرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم؛ هكذا يكون الإيمان.

    وإنما أنكره بعض المتكلمين، بناء على أصلهم الفاسد، انظر الفتوى رقم (1496)، وبناء على أنه لم يأت في خبر متواتر، وقد علمت أنه متواتر كما تقدم؛ وهذا مبني على عقيدتهم الفاسدة أن أخبار الآحاد لا يؤخذ بها في العقيدة، وقد رد هذه العقيدة الفاسدة غير واحد من أهل السنة، ومنهم الشيخ الألباني في كتابه: "الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام"، و"وجوب الأخذ بأحاديث الآحاد في العقيدة والرد على شبه المخالفين".

    قال أبو بكر الإسماعيلي في اعتقاد أهل الحديث(ص69)، وهو يذكر عقيدة أهل الحديث أهل السنة والجماعة، قال: ويقولون إن عذاب القبر حق، يعذب الله من استحقه إن شاء، وإن شاء عفى عنه؛ لقوله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 46] فأثبت لهم ما بقيت الدنيا عذاباً بالغدو والعشي دون ما بينهما، حتى إذا قامت القيامة عذبوا أشد العذاب، بلا تخفيف عنهم كما كان في الدنيا، وقال: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} [طه: 124] يعني قبل فناء الدنيا، لقوله بعد ذلك: {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124] بين أن المعيشة الضنك قبل يوم القيامة، وفي معاينتنا اليهود والنصارى والمشركين في العيش الرغد والرفاهية في المعيشة ما يعلم به أنه لم يرد به ضيق الرزق في الحياة الدنيا لوجود مشركين في سعة من أرزاقهم، وإنما أراد به بعد الموت، قبل الحشر.انتهى

    وقال ابن أبي زمنين في أصول السنة (ص 154):  وأهل السنة يؤمنون بعذاب القبر، أعاذنا الله وإياك من ذلك، قال عز وجل: {فإن له معيشة ضنكاً} وقال: {سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم}. انتهى 

    وكلام السلف كثير في هذا، مجمعون عليه لا خلاف بينهم فيه بحمد الله، وقد نص علي بن المديني وأحمد بن حنبل كما في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي(1/ 175 و 185 )، على أنه من الخصال التي من لم يؤمن بها لا يكون من أهل السنة والجماعة. والله أعلم 

     

جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2019 موقع معهد الدين القيم