• نوع الفتوى: عقيدة
  • عنوان الفتوى: الحج والجهاد ماضيان مع كل إمام برٍّ أو فاجرٍ إلى يوم القيامة
  • رقم الفتوى: 1661
  • السؤال
    شيخنا حفظكم الله، ينصُّ العلماء على مسألة: ( الحج والجهاد ماضيان مع كل إمام براًّ أو فاجراً)؛ لماذا نصُّوا على الحج بالخصوص مع الجهاد؟ وكيف يكون الإمام الفاجر كالإمام البرِّ في طاعته مع أنه فاجرٌ؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً
  • الاجابة

    أما ذكر الحج والجهاد خاصة؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده كانوا يولون أمراء على المسلمين في الجهاد وفي الحج؛ لأن الحج والجهاد يحتاج الناس فيهما إلى من يسوسهم وينظم سيرهم ويدفع عنهم عدوهم من قطاع الطرق والمحاربين وغيرهم، ومن غير أمير تحصل الفوضى والاختلاف فيفشلوا وتذهب ريحهم. 

    ولمّا احتاج الجهاد والحج إلى أمراء تلزم طاعتهم في طاعة الله خالف في ذلك الرافضة والخوارج بناء على أصولهم؛ لذلك نص العلماء على هذه المسألة في كتب العقيدة.

    ويكون الصالح كالفاجر في وجوب طاعته في طاعة الله؛ لأن المصلحة المرجوة تحصل بذلك، وبخلافه تقع المفسدة الكبيرة، فوجود الإمام مع فجوره خير للمسلمين من عدمه. والله أعلم

    قال ابن أبي زمنين في أصول السنة (ص288): "ومن قول أهل السنة : إن الحج والجهاد مع كل بر أو فاجر من السنة والحق، وقد فرض الله الحج فقال: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً} وأعلمنا بفضل الجهاد في غير موضع من كتابه، وقد علم أحوال الولاة الذين لا يقوم الحج والجهاد إلا بهم فلم يشترط ولم يبين وما كان ربك نسياً". انتهى 

    وقال ابن أبي العز الحنفي في شرحه على الطحاوية(ص388):

    "قوله: "والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين، برهم وفاجرهم، إلى قيام الساعة، لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما".
    ش: يشير الشيخ رحمه الله إلى الرد على الرافضة، حيث قالوا: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج الرضى من آل محمد، وينادي مناد من السماء: اتبعوه!! وبطلان هذا القول أظهر من أن يستدل عليه بدليل، وهم شرطوا في الإمام أن يكون معصوماً، اشتراطاً، من غير دليل! بل في صحيح مسلم عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم"، قال: قلت: يا رسول الله، أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: "لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئاً من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يداً من طاعته".

    وقد تقدم بعض نظائر هذا الحديث في الإمامة، ولم يقل: إن الإمام يجب أن يكون معصوماً، والرافضة أخسر الناس صفقة في هذه المسألة؛ لأنهم جعلوا الإمام المعصوم هو الإمام المعدوم، الذي لم ينفعهم في دين ولا دنيا!! فإنهم يدعون أنه الإمام المنتظر، محمد بن الحسن العسكري، الذي دخل السرداب في زعمهم، سنة ستين ومائتين، أو قريباً من ذلك بسامرا! وقد يقيمون هناك دابة، إما بغلة وإما فرساً، ليركبها إذا خرج! ويقيمون هناك في أوقات عينوا فيها من ينادي عليه بالخروج. يا مولانا، اخرج! يا مولانا، اخرج! ويشهرون السلاح، ولا أحد هناك يقاتلهم! إلى غير ذلك من الأمور التي يضحك عليهم منها العقلاء!!
    وقوله: مع أولي الأمر برهم وفاجرهم؛ لأن الحج والجهاد فرضان يتعلقان بالسفر، فلا بد من سائس يسوس الناس فيهما، ويقاوم العدو، وهذا المعنى كما يحصل بالإمام البر يحصل بالإمام الفاجر". انتهى 

    وقال ابن عثيمين في شرح الواسطية (2/ 336): الأبرار: جمع بَر، وهو كثير الطاعة، والفجار: جمع فاجر وهو العاصي كثير المعصية.
    فأهل السنة رحمهم الله يخالفون أهل البدع تمامًا؛ فيرون إقامة الحج مع الأمير، وإن كان من أفسق عباد الله.
    وكان الناس فيما سبق يجعلون على الحج أميرًا؛ كما جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر أميرًا على الحج في العام التاسع من الهجرة، وما زال الناس على ذلك، يجعلون للحج أميرًا قائدًا يدفعون بدفعه ويقفون بوقوفه، وهذا هو المشروع؛ لأن المسلمين يحتاجون إلى إمام يقتدون به، أما كون كل إنسان على رأسه؛ فإنه يحصل به فوضى واختلاف.
    فهم يرون إقامة الحج مع الأمراء، وإن كانوا فساقًا، حتَّى وإن كانوا يشربون الخمر في الحج، لا يقولون: هذا إمام فاجر، لا نقبل إمامته؛ لأنهم يرون أن طاعة ولي الأمر واجبة، وإن كان فاسقًا، بشرط أن لا يخرجه فسقه إلى الكفر البواح الَّذي عندنا فيه من الله برهان؛ فهذا لا طاعة له، ويجب أن يزال عن تولي أمور المسلمين، لكن الفجور الَّذي دون الفسق مهما بلغ؛ فإن الولاية لا تزول به، بل هي ثابتة، والطاعة لولي الأمر واجبة في غير المعصية:
    خلافًا للخوارج، الذين يرون أنَّه لا طاعة للإمام، والأمير إذا كان عاصيًا، لأن من قاعدتهم: أن الكبيرة تخرج من الملة.
    وخلافًا للرافضة الذين يقولون: إنه لا إمام إلا المعصوم، وإن الأمة الإسلامية منذ غاب من يزعمون أنَّه الإمام المنتظر، ليست على إمام، ولا تبعًا لإمام، بل هي تموت ميتة جاهلية من ذلك الوقت إلى اليوم، ويقولون: إنه لا إمام إلا الإمام المعصوم، ولا حج ولا جهاد مع أي أمير كان؛ لأن الإمام لم يأت بعد.
    لكن أهل السنة والجماعة يقولون: نحن نرى إقامة الحج مع الأمراء سواء كانوا أبرارًا أو فجارًا، وكذلك إقامة الجهاد مع الأمير، ولو كان فاسقًا، ويقيمون الجهاد مع أمير لا يصلي معهم الجماعة، بل يصلي في رحله.
    فأهل السنة والجماعة لديهم بعد نظر؛ لأن المخالفات في هذه الأمور معصية لله ورسوله، وتجر إلى فتن عظيمة.
    فما الَّذي فتح باب الفتن والقتال بين المسلمين والاختلاف في الآراء إلا الخروج على الأئمة؟!
    فيرى أهل السنة والجماعة وجوب إقامة الحج والجهاد مع الأمراء، وإن كانوا فجارًا.
    ولكن هذا لا يعني أن أهل السنة والجماعة لا يرون أن فعل الأمير منكر، بل يرون أنَّه منكر، وأن فعل الأمير للمنكر قد يكون أشد من فعل عامة الناس؛ لأن فعل الأمير للمنكر يلزم منه زيادة على إثمه محذوران عظيمان:
    الأول: اقتداء الناس به وتهاونهم بهذا المنكر.
    والثاني: أن الأمير إذا فعل المنكر سيقل في نفسه تغييره على الرعية أو تغيير مثله أو مقاربه.
    لكن أهل السنة والجماعة يقولون: حتَّى مع هذا الأمر المستلزم لهذين المحذورين أو لغيرهما؛ فإنه يجب علينا طاعة ولاة الأمور، وإن كانوا عصاة؛ فنقيم معهم الحج والجهاد، وكذلك الجمع؛ نقيمها مع الأمراء، ولو كانوا فجارًا.
    فالأمير إذا كان يشرب الخمر مثلًا، ويظلم الناس بأموالهم؛ نصلي خلفه الجمعة، وتصح الصلاة، حتَّى إن أهل السنة والجماعة يرون صحة الجمعة خلف الأمير المبتدع إذا لم تصل بدعته إلى الكفر؛ لأنهم يرون أن الاختلاف عليه في مثل هذه الأمور شر، ولكن لا يليق بالأمير الَّذي له إمامة الجمعة أن يفعل هذه المنكرات.
    وكذلك أيضًا إقامة الأعياد مع الأمراء الذين يصلون بهم، أبرارًا كانوا أو فجارًا.
    وبهذه الطريق الهادئة يتبين أن الدين الإسلامي وسط بين الغالي فيه والجافي عنه.
    فقد يقول قائل: كيف نصلي خلف هؤلاء ونتابعهم في الحج والجهاد والجمع والأعياد؟!
    فنقول: لأنهم أئمتنا، ندين لهم بالسمع والطاعة:
    امتثالًا لأمر الله بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59].
    ولأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "إنكم سترون بعدي أثرة وأمورًا تنكرونها". قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟! قال: "أدوا إليهم حقهم، وسلوا الله حقكم". رواه مسلم. وحقهم: طاعتهم في غير معصية الله.

    فعن وائل بن حجر؛ قال: سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: يا نبي الله! أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا؛ فما تأمرنا؟ قال: "اسمعوا وأطيعوا؛ فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم". رواه مسلم .
    وفي حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه؛ قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله. قال: "إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان".
    ولأننا لو تخلفنا عن متابعتهم؛ لشققنا عصا الطاعة الَّذي يترتب على شقه أمور عظيمة، ومصائب جسيمة.

    والأمور التي فيها تأويل واختلاف بين العلماء إذا ارتكبها ولاة الأمور؛ لا يحل لنا منابذتهم ومخالفتهم، لكن يجب علينا مناصحتهم بقدر المستطاع فيما خالفوا فيه؛ مما لا يسوغ فيه الاجتهاد، وأما ما يسوغ فيه الاجتهاد؛ فنبحث معهم فيه بحث تقدير واحترام؛ لنبين لهم الحق، لا على سبيل الانتقاد لهم والانتصار للنفس، وأما منابذتهم وعدم طاعتهم؛ فليس من طريق أهل السنة والجماعة". انتهى  والله أعلم 

جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2019 موقع معهد الدين القيم