• نوع الفتوى: فقه
  • عنوان الفتوى: إخراج مال المزكي خارج بلده
  • رقم الفتوى: 4465
  • السؤال
    هل يجوز لصاحب الزكاة إخراج زكاته خارج بلده ؟
  • الاجابة

    اتفق العلماء على جواز نقل الزكاة إلى مَن يستحقها من بلد إلى آخر إذا استغنى أهل بلد المزكّي عنها، وجواز هذا مُجْمَع عليه.

    واختلفوا إذا لم يستغن أهل بلده عنها، وسبب اختلافهم حديث معاذ، قال له النبي عندما أرسله إلى أهل اليمن: «فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وتردّ على فقرائهم»([1]) ، فهذا الحديث يدلّ على أن الزكاة تصرف في أهل بلد المزكي، هكذا فهمه البعض، والبعض قال المقصود بفقرائهم أي فقراء المسلمين.

     فقال بعض أهل العلم: يكره نقل الزكاة من بلد إلى بلد آخر إلا إن وجدت حاجة أو مصلحة فلا يكره؛ كأن ينقلها إلى قرابته المحاويج ليسد حاجتهم، أو إلى قوم هم أحوج إليها من قومه، أو إلى طالب علم شرعي.

    وذلك لأن مصرف الزكاة محدد في كتاب الله بالفقراء والمساكين ومن ذكر معهم، والكل من أهلها، فيجوز صرفها لهؤلاء وهؤلاء، وهذا القول أصح الأقوال عندي. والله أعلم هذه خلاصة الفتوى

    قال ابن تيمية: وتفرقة زكاة كل بلد في موضعه، فزكاة الشام في الشام، وزكاة مصر في مصر، وهل يجوز نقلها لمصلحة فتنقل من الشام إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم أو غيرها؟

    فيه قولان لأهل العلم. قال مالك: لا بأس بنقلها للحاجة، وإذا لم يكن أهل البلد مستحقين فتنقل بلا خلاف.

    ولمَّا نقل معاذ بن جبل الصدقة من اليمن إلى المدينة أنكر عمر فقال: ما بعثتك جابيا. فقال: ما وجدت آخذا. فعند الشافعي وأحمد: لا تنقل، وعند مالك يجوز نقلها. انتهى

    وقال ابن قدامة في المغني (2/ 501): المذهب على أنه لا يجوز نقل الصدقة من بلدها إلى مسافة القصر. قال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن الزكاة يبعث بها من بلد إلى بلد؟ قال لا. قيل: وإن كان قرابته بها؟ قال: لا.

    واستحب أكثر أهل العلم أن لا تنقل من بلدها.
    وقال سعيد: حدثنا سفيان، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال في كتاب معاذ بن جبل: من أخرج من مخلاف إلى مخلاف، فإن صدقته وعشره ترد إلى مخلافه. وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه رد زكاة أتي بها من خراسان إلى الشام، إلى خراسان.
    وروي عن الحسن والنخعي أنهما كرها نقل الزكاة من بلد إلى بلد، إلا لذي قرابة. وكان أبو العالية يبعث بزكاته إلى المدينة.

    ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ: "أخبرهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد في فقرائهم" . وهذا يختص بفقراء بلدهم.
    ولما بعث معاذ الصدقة من اليمن إلى عمر، أنكر عليه ذلك عمر، وقال: لم أبعثك جابيا، ولا آخذ جزية، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس، فترد في فقرائهم. فقال معاذ: ما بعثت إليك بشيء وأنا أجد أحدا يأخذه مني. رواه أبو عبيد في الأموال. وروي أيضا عن إبراهيم بن عطاء مولى عمران بن حصين، أن زيادا، أو بعض الأمراء، بعث عمران على الصدقة، فلما رجع قال: أين المال؟ قال: أللمال بعثتني؟ أخذناها من حيث كنا نأخذها على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووضعناها حيث كنا نضعها على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
    ولأن المقصود إغناء الفقراء بها، فإذا أبحنا نقلها أفضى إلى بقاء فقراء ذلك البلد محتاجين.

    فصل: فإن خالف ونقلها، أجزأته في قول أكثر أهل العلم. قال القاضي: وظاهر كلام أحمد يقتضي ذلك، ولم أجد عنه نصا في هذه المسألة، وذكر أبو الخطاب فيها روايتين: إحداهما، يجزئه. واختارها؛ لأنه دفع الحق إلى مستحقه، فبرئ منه كالدين، وكما لو فرقها في بلدها. والأخرى، لا تجزئه، اختارها ابن حامد؛ لأنه دفع الزكاة إلى غير من أمر بدفعها إليه، أشبه ما لو دفعها إلى غير الأصناف. انتهى

    وقال ابن حجر في فتح الباري (3/ 357): وقال ابن المنير: اختار البخاري جواز نقل الزكاة من بلد المال؛ لعموم قوله: "فترد في فقرائهم"؛ لأن الضمير يعود على المسلمين، فأي فقير منهم ردت فيه الصدقة في أي جهة كان فقد وافق عموم الحديث. انتهى

    والذي يتبادر إلى الذهن من هذا الحديث عدم النقل، وأن الضمير يعود على المخاطبين، فيختص بذلك فقراؤهم، لكن رجح ابن دقيق العيد الأول، وقال: إنه وإن لم يكن الأظهر إلا أنه يقويه أن أعيان الأشخاص المخاطبين في قواعد الشرع الكلية لا تعتبر، فلا تعتبر في الزكاة، كما لا تعتبر في الصلاة، فلا يختص بهم الحكم، وإن اختص بهم خطاب المواجهة. انتهى

    وقد اختلف العلماء في هذه المسألة فأجاز النقل الليث وأبو حنيفة وأصحابهما، ونقله ابن المنذر عن الشافعي واختاره.

    والأصح عند الشافعية والمالكية والجمهور ترك النقل، فلو خالف ونقل أجزأ عند المالكية على الأصح، ولم يجزئ عند الشافعية على الأصح، إلا إذا فقد المستحقون لها، ولا يبعد أنه اختيار البخاري؛ لأن قوله "حيث كانوا" يشعر بأنه لا ينقلها عن بلد وفيه من هو متصف بصفة الاستحقاق. انتهى

    وقال الطحاوي في مختصر اختلاف العلماء (1/ 220):  واختلفوا في نقل الزكاة من بلد إلى بلد على الإطلاق.
    فقال أبو حنيفة: يكره إلا أن ينقلها إلى قريب له محتاج أو قوم هم أمس حاجة من أهل بلده فلا كراهة.
    وقال مالك: لا يجوز على الإطلاق إلا أن يقع بأهل بلد حاجة فينقلها الإمام إليهم على سبيل النظر والاجتهاد.
    وقال الشافعي: يكره نقلها، فإن نقلها ففي الأجزاء قولان.
    وقال أحمد في المشهور عنه: لا يجوز نقلها إلى بلد آخر تقصر فيه الصلاة إلى قرابته أو غيرهم، ما دام يجد في بلده من يجوز دفعها إليهم.
    وأجمعوا على أنه إذا استغنى أهل بلد عنها جاز نقلها إلى من هم أهلها.  انتهى

    وقال القرطبي في تفسيره (8/ 175) مبينا مذهب مالك: وقد اختلفت العلماء في نقل الزكاة عن موضعها على ثلاثة أقوال: لا تنقل، قاله سحنون وابن القاسم، وهو الصحيح لما ذكرناه. قال ابن القاسم أيضا: وإن نقل بعضها لضرورة رأيته صوابا. وروي عن سحنون أنه قال: ولو بلغ الإمام أن ببعض البلاد حاجة شديدة جاز له نقل بعض الصدقة المستحقة لغيره إليه، فإن الحاجة إذا نزلت وجب تقديمها على من ليس بمحتاج، "والمسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه". والقول الثاني: تنقل، وقاله مالك أيضاً. وحجة هذا القول ما روي أن معاذا قال لأهل اليمن: ايتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم مكان الذرة والشعير في الصدقة فإنه أيسر عليكم وأنفع للمهاجرين بالمدينة. أخرجه الدارقطني وغيره....إلى أن قال: القول الثالث: وهو أن سهم الفقراء والمساكين يقسم في الموضع، وسائر السهام تنقل باجتهاد الإمام. انتهى  

    وقال ابن عثيمين في الشرح الممتع (6/ 210): فتبين بذلك أن هناك ثلاثة مواضع:

    أولا: بلدك، وهذا هو الأصل، وهو الأفضل بالنسبة لإخراج الزكاة.
    ثانيا: البلد القريب من بلدك، وهذا جائز، لكنه مفضول ما لم يترجح لمصلحة أخرى.
    ثالثا: البلد البعيد الذي فوق مسافة القصر، فهذا لا يجوز.
    وهذا الأخير ليس فيه دليل واضح، فإنهم استدلوا بحديث معاذ ـ رضي الله عنه ـ حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وقال له: «أعلمهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم» والإضافة تقتضي التخصيص؛ أي: فقراء أهل اليمن؛ ولأن الأطماع تتعلق بهذا المال.
    وقال بعض العلماء: يجوز نقلها إلى البلد البعيد والقريب للحاجة أو للمصلحة.
    فالحاجة مثل ما لو كان البلد البعيد أهله أشد فقرا. والمصلحة مثل أن يكون لصاحب الزكاة أقارب فقراء في بلد بعيد يساوون فقراء بلده في الحاجة، فإن دفعها إلى أقاربه حصلت المصلحة وهي صدقة وصلة رحم.
    أو يكون ـ مثلا ـ في بلد بعيد طلاب علم حاجتهم مساوية لحاجة فقراء بلده.
    وهذا القول هو الصحيح وهو الذي عليه العمل؛ لعموم الدليل: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} [التوبة: 60] أي: للفقراء والمساكين في كل مكان.
    أما إضافة الضمير «هم» في حديث معاذ فيحتمل أن تكون للجنس؛ أي: فقراء المسلمين، كما هي في قوله تعالى: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ...} إلى أن قال: {أو نسائهن} [النور: 31]، ويحتمل أن تكون للتعيين والتخصيص، لكن نظرا لأن نقل الزكاة من اليمن إلى المدينة ـ مثلا ـ فيه شيء من الصعوبة والمشقة فصار توزيعها في اليمن أرفق وأنفع، وأيضا ما الدليل على التفريق بين مسافة القصر وغيرها، ما دمت نقلتها عن بلد تتعلق فيها الأطماع؟
    فإن قالوا: إن ما دون مسافة القصر في حكم الحاضر، فيقال: هذا في حكم الصلاة. انتهى


    ([1]) تقدم تخريجه.

جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2020 موقع معهد الدين القيم