إسم الكاتب : فضيلة الشيخ أبو الحسن علي الرملي حفظه االله
بابُ التَّخْفِيفِ فِي الوُضُوءِ
138 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، قَالَ: أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَنَّ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلم نَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ صَلَّى - وَرُبَّمَا قَالَ: اضْطَجَعَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى - " ثُمَّ حَدَّثَنَا بِهِ سُفْيَانُ، مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ لَيْلَةً فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنٍّ مُعَلَّقٍ وُضُوءًا خَفِيفًا يُخَفِّفُهُ - عَمْرٌو وَيُقَلِّلُهُ -، وَقَامَ يُصَلِّي، فَتَوَضَّأْتُ نَحْوًا مِمَّا تَوَضَّأَ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ، عَنْ يَسَارِهِ - وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ عَنْ شِمَالِهِ - فَحَوَّلَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ صَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ المُنَادِي فَآذَنَهُ بِالصَّلاَةِ، فَقَامَ مَعَهُ إِلَى الصَّلاَةِ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» قُلْنَا لِعَمْرٍو إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَنَامُ عَيْنُهُ وَلاَ يَنَامُ قَلْبُهُ» قَالَ عَمْرٌو سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: " رُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ، ثُمَّ قَرَأَ {إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} [الصافات: 102] "
أي: هذا(بَابُ) جواز (التَّخْفِيفِ فِي الوُضُوء)التخفيف يكون بتقليل عدد مرات الغسل، فيقتصر على مرة واحدة، دون الإخلال بواجبات الوضوء، كإيصال الماء إلى جميع أعضاء الوضوء الواجبة، وجريان الماء عليها.
(حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المديني (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة(عَنْ عَمْرٍو) بن دينار المكي. وهؤلاء كلهم ثقات. تقدموا
(قَالَ: أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ) بن أبي مسلم القرشي الهاشمي مولاهم، المدني. أبو رِشدين مولى ابن عباس. تابعي ثقة. مات سنة ثمان وتسعين. روى له الجماعة.
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنه(أَنَّ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلم نَامَ)مضطجعًا (حَتَّى) إلى أن(نَفَخَ) خرج منه صوت النائم(ثُمَّ صَلَّى، - رُبَّمَا قَالَ) أي: سفيان(اضْطَجَعَ)عليه الصلاة والسلام (حَتَّى)أي إلى أن (نَفَخَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى)أي قال "اضطجع"، بدل:" نام"، وقال:"قام فصلى"، بدل: "ثم صلى".
قال ابن حجر:"قوله:"وربما قال: اضطجع" أي كان سفيان يقول تارة:"نام"، وتارة:" اضطجع"، وليسا مترادفين، بل بينهما عموم وخصوص من وجه، لكنه لم يُرد إقامةَ أحدِهما مقام الآخر، بل كان إذا روى الحديثَ مطولاً: قال:" اضطجع فنام" كما سيأتي، وإذا اختصره قال:"نام"، أي مضطجعاً، أو اضطجع أي نائماً". انتهى
قال علي بن المديني:(ثُمَّ حَدَّثَنَا بِهِ سُفْيَانُ)بن عيينة(مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ)تارة مختصرًا، وتارة مطوّلاً (عَنْ عَمْرٍو) بن دينار(عَنْ كُرَيْبٍ) مولى ابن عباس(عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنه(قَالَ) ابن عباس(بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ) بنتِ الحارث الهلالية، أمُّ المؤمنين رضي الله عنها(لَيْلَةً) أي في ليلةٍ من الليالي(فَقَامَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ اللَّيْلِ)وفي رواية ابن السكن: "فنام النبي صلى الله عليه وسلم"، وصوبها غير واحد من العلماء، لرواية أخرى ستأتي إن شاء الله، ولقوله بعدها:(فَلَمَّاكَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ، قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنٍّ)أي: من قربة قديمة(مُعَلَّقٍ)بالتذكير: صفة لشنّ على تأويله بالجلد، أو تأويله بالوعاء، وفي رواية:" معلقة" بالتأنيث، أي القربة معلقة(وُضُوءًا خَفِيفًا، يُخَفِّفُهُ – عَمْرٌو)بن دينار،لعله أراد بالغسل الخفيف: جريان الماء على العضو، مع إيصال الماء إلى جميع العضو، أو ما هو فوق ذلك، أي مع إمرار اليد على العضو دون مبالغة في الدلك، الأول الواجب على الراجح(وَيُقَلِّلُهُ)بالاقتصار على المرة الواحدة.
فالتخفيف من باب الكيف، والتقليل من باب الكمّ، وذلك أدنى ما تجوز به الصلاة.
(وَقَامَ)عليه الصلاة والسلام(يُصَلِّي)وفي رواية: "فصلى".قال ابن عباس: (فَتَوَضَّأْتُ نَحْوًا مِمَّا تَوَضَّأَ)صلى الله عليه وسلم. يعني فتوضأت مثل وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، وضوءا خفيفاً.وفي رواية: "فقمت فصنعت مثل ما صنع"(ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ)أي وقف على يساره في الصلاة مؤتما بالنبي صلى الله عليه وسلم، قال علي بن المديني(وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ)ابن عيينة(عَنْ شِمَالِهِ) والمعنى واحد(فَحَوَّلَنِي)عليه الصلاة والسلام (فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ) فيه أن الحركة الخفيفة كهذه في الصلاة لحاجة؛ جائزة(ثُمَّ صَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ) أجمل هنا، وبين في روايات أخرى تقدمت، وستأتي إن شاء الله(ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ المُنَادِي فَآذَنَهُ)أي أعلمه، وفي رواية:" يؤذنه". وللمستملي: "فناداه"(بِالصَّلاَةِ، فَقَامَ)المنادي (مَعَهُ)عليه الصلاة والسلام (إِلَى الصَّلاَةِ، فَصَلَّى) عليه الصلاة والسلام(وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) من النوم؛ لأنه باق على وضوئه السابق قل النوم، ولم ينتقض وضوؤه.
قال سفيان بن عيينة (قُلْنَا لِعَمْرٍو)بن دينار (إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَنَامُ عَيْنُهُ وَلاَ يَنَامُ قَلْبُهُ»)
هذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام، لذلك لم يتوضأ بعد النوم؛ لأنه لو أحدث لعلم بذلك.
قال الخطابي: "وإنما مُنع قلبُه النومَ؛ ليعِيَ الوحيَ الذي يأتيه في منامه" (قَالَ عَمْرٌو)بن دينار(سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ)بن قتادة الليثي. تابعي كبير (يَقُولُ: " رُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ)قال ابن حجر:"رواه مسلم مرفوعاً، وسيأتي في التوحيد من رواية شريك عن أنس"(ثُمَّ قَرَأَ {إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ}"
واستدلاله بهذه الآية من جهة أن الرؤيا لو لم تكن وحيًا لما جاز لإبراهيم عليه الصلاة والسلام الإقدام على ذبح ولده.
والشاهد من الحديث واضح.
وفي الحديث:أن أقلَّ الوضوء يجزئ إِذَا أسبغ وهو مرة مرة.
وأن الجمعَ بين نوافل وفرض بوضوء واحد لا شك في جوازه. وجواز صلاة الفريضة بوضوء النافلة.
وفيه دليل على أن النوم مَظِنة الحدث، وليس حَدَثاً.
قال ابن حجر: "لأنه صلى الله عليه وسلم كان تنام عينه ولا ينام قلبه فلو أحدث لعلم بذلك، ولهذا كان ربما توضأ إذا قام من النوم وربما لم يتوضأ". انتهى
وفيه: أن الجماعة تنعقد باثنين.
وفي ائتمام صبي ببالغ.
وفيه: جواز الجماعة في النافلة أحياناً من غير مداومة على ذلك.
وأن موقف الواحد عن يمين الإمام، واختلفوا إذا وقف عن يساره، هل تبطل صلاته، أم أنه ترك الأفضل والسنة.
والراجح أنها لا تبطل، ولا يجب، ولكنه ترك السنة، فلم يرد أمر ولا نهي في هذا، وإنما هو الفعل. والله أعلم
قال ابن بطال: "وفيه: رد على أبي حنيفة في قوله: "إن الإمام إذا صلى مع رجل واحد إنه يقوم خلفه لا عن يمينه، وهذا مخالف لفعل النبي صلى الله عليه وسلم". انتهى
قال بعض الأحناف: هذا ليس مذهب أبي حنيفة.
الحديث متفق عليه. تقدم وتقدمت بعض فوائده، وسيأتي إن شاء الله.
جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم