إسم الكاتب : فضيلة الشيخ أبو الحسن علي الرملي حفظه االله تعالى
بَابُ مَنْ تَوَضَّأَ فِي الجَنَابَةِ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ، وَلَمْ يُعِدْ غَسْلَ مَوَاضِعِ الوُضُوءِ مَرَّةً أُخْرَى.
274 - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: «وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضُوءًا لِجَنَابَةٍ، فَأَكْفَأَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ يَدَهُ بِالأَرْضِ أَوِ الحَائِطِ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ المَاءَ، ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ» قَالَتْ: «فَأَتَيْتُهُ بِخِرْقَةٍ فَلَمْ يُرِدْهَا، فَجَعَلَ يَنْفُضُ بِيَدِهِ»
(بابُ مَن تَوَضَّأ في) غُسْلِ (الجَنابَةِ، ثمَّ غَسَلَ سائِرَ) أي: باقي (جَسَدِهِ، ولمْ يُعِدْ) بضم الياء من الإعادة، لم يُعِد (غَسْلَ مَواضِعِ الوُضوءِ) مِنْهُ، في رواية أبي ذر: "منه"، ولغيره بإسقاطها (مَرَّةً أُخرى) فاكتفى بغسلها في الوضوء؛ لأن وُضوءه هذا جزء من غُسله.
(حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى) بن دينار الزهري، أبو يعقوب المروزي. يروي عن أتباع التابعين، ثقة فاضل. مات سنة تسع وأربعين ومائتين. روى له البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
(قَالَ: أَخْبَرَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى) السِّيْنَاني، أبو عبد الله المَروزي، مولى بني قُطَيعة. من أتباع التابعين، ثقة ثبت، صاحب سنة، وكان فيه دعابة.
قدمه البعض على ابن المبارك، ووصفه البعض بالإمامة، وأطلق توثيقه جمع من الأئمة، قال الذهبي: "أحد العلماء الثقات، يروي عن صغار التابعين، ما علمتُ فيه لِيناً إلا ما روى عبداللَّه بن علي بن المديني: سمعت أبي، وسُئل عن أبي تُمَيلة، والسِّيناني، فقدَّم أبا تُميلة، وقال: روى الفضلُ أحاديثَ مناكير". انتهى
ولعل الحافظ لهذا قال: ثقة ثبت وربما أغرب". والله أعلم
وأقره شيخنا الوادعي رحمه الله.
مَات سنة إِحْدَى أَو اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَمِائَة. روى له الجماعة.
وباقي الإسناد والمتن تقدما مراراً.
(قَالَ: أَخْبَرَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (عَنْ سَالِمٍ) ابن أبي الجعد (عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: «وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضُوءًا لِجَنَابَةٍ) أي لرفع الجنابة، وفي نسخة: "وُضِعَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وَضُوءٌ" (فَأَكْفَأَ) أي: قلب (بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ يَدَهُ بِالأَرْضِ -أَوِ الحَائِطِ-، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا) والشك من الراوي (ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ) أي: ساعديه مع مرفقيه (ثُمَّ أَفَاضَ) أي: أفرغ (عَلَى رَأْسِهِ المَاءَ، ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ) أي: ما بقي منه بعد ما تقدم، يدل على ذلك ما سيأتي ذكره.
(ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ» قَالَتْ) ميمونة رضي الله عنها («فَأَتَيْتُهُ بِخِرْقَةٍ؛ فَلَمْ يُرِدْهَا) من الإرادة، وعند ابن السكن من الردِّ بالتشديد؛ وهو وهم كما قاله "صاحب المطالع" ويدل له رواية: "فناولته ثوباً؛ فلم يأخذه". وعند مسلم: "فأتيته بمنديل فردّه". وعند ابن أبي شيبة: "أُتِيَ بِالْمِنْدِيلِ فَلَمْ يَمَسَّهُ" (فَجَعَلَ يَنْفُضُ) في رواية: " فجعل يَنفُضُ الماءَ" (بِيَدِهِ»).
قال ابن رجب: "ووجه دلالة الحديث على ما بوب عليهِ: أنه صلى الله عليه وسلم غسل وجهه وذراعيه، ثم أفاض على رأسه الماء، ثم غسل جسده، ولم يُعِدْ غسل وجهِه وذراعَيه، وإنما غسل رجلَيه أخيراً؛ لأنه لم يكن غسلهما أولاً".
وقد خرج مسلم هذا الحديث، من رواية عيسى بن يونس عن الأعمش، وفي حديثه: "ثُمَّ توضأ وُضوءَه للصلاة، ثُمَّ أفرغ على رأسه ثلاثَ حفنات مِلءَ كفِّه، ثُمَّ غسلَ سائرَ جسده".
وقوله: "غسلَ سائرَ جسده" يدلُّ على أنه لم يُعِدْ غسل ما كانَ غسله منه قبل ذَلِكَ؛ لأن: "سائر" إنما تستعمل بمعنى: "الباقي"، لا بمعنى: "الكل" على الأصح الأشهر عندَ أهل اللغة.
وكذلك خرج مسلم حديث عائشة من حديث أبي معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.. فذكرت الحديثَ، وفي آخره: "ثم أفاض على سائر جسده".
وهو أيضاً دليل على أنه لم يُعِدْ غسل ما مضى غسلُه منه.
والعجبُ من البخاري رحمه الله كيف ذكر في تبويبه: "مَن توضأ للجنابة ثم غسل سائرَ جسده"، ولم يَسُقِ الحديثَ بهذا اللفظ، وإنما تتم الدلالة به.
ومقصوده بهذا الباب: "أن الجنب إذا توضأ، فإنه يجب عليهِ غسلَ بقيةِ بدنه، ولا يلزمه إعادةُ غسل ما غسلَه من أعضاءِ الوُضوء". انتهى
وأجاب ابن حجر عن تعجب ابن رجب، وذكر أقولاً لأهل العلم.
قال ابن عبد البر: "وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ لِحَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ "فَيُخَلِّلُ أُصُولَ شَعْرِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ يُفْرِغُ الْمَاءَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ".
وَأَيُّوبُ ثِقَةٌ حَافِظٌ
قَالَ أَيُّوبُ: فَقُلْتُ لِهِشَامٍ: فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ:" وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ".
قال ابن عبد البر: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ لَا يُعِيدُ الْمُغْتَسِلُ غَسْلَهَا فِي غُسْلِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ غَسَلَهَا فِي وُضُوئِهِ.
وَالِابْتِدَاءُ بِالْوُضُوءِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ؛ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فِي الْغُسْلِ، سُنَّةً مَسْنُونَةً فِي تَقْدِيمِ تِلْكَ الْأَعْضَاءِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْغُسْلِ رُتْبَةٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ السُّنَّةِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ الْفَرْضِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَحْتَجْ أَنْ يُعِيدَ تِلْكَ الْأَعْضَاءَ بِنِيَّةِ الْجَنَابَةِ؛ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ غَسَلَهَا، وَقَدَّمَ الْغُسْلَ لَهَا عَلَى سَائِرِ الْبَدَنِ.
وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ لَا يُعَادُ بَعْدَ الْغُسْلِ؛ مَنْ أَوْجَبَ مِنْهُمُ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ، وَمَنْ لَمْ يُوجِبْهَا؛ فَدَلَّ عَلَى مَا وَصَفْنَا. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ". انتهى
مسألة:
إذا اغتسل من وجب عليه غسل من حدثٍ أكبر، ولم يتوضأ، ولا نوى رفع الحدث الأصغر، هل يرتفع الحدث الأصغر بالغسل من الحدث الأكبر، ويجزئه الغسل عن الوضوء؟
قال جمهور علماء الإسلام: يرتفع حدثه، وإن لم ينو. وهو الصحيح.
وقيل: لابد أن يتوضأ أولَ الغسل أو آخرَه.
وقيل لابد من نية رفع الحدثين ليجزئ الغسل عن الوضوء، وهو قول الحنابلة.
ووافق ابن تيمية الجمهور وصححه ابن عثيمين.
لقوله تعالى {وإن كنتم جنباً فاطهروا} ولم يذكر الله شيئاً غير الاغتسال للصلاة.
وكثير من الأحاديث المتقدم ذكر فيها النبي صلى الله عليه وسلم الغسل للجنب ولم يذكر الوضوء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْجُنُبِ إلَّا الِاغْتِسَالُ، وَأَنَّهُ إذَا اغْتَسَلَ جَازَ لَهُ أَنْ يَقْرَبَ الصَّلَاةَ. وَالْمُغْتَسِلُ مِنْ الْجَنَابَةِ لَيْسَ عَلَيْهِ نِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ كَمَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ". انتهى انظروا مجموع الفتاوى (21/ 396).
وقال ابن عثيمين: أما مَنْ اغتسل من أجل الجنابة فإنه يجزئه عن الوضوء لقول الله تبارك وتعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) ولم يذكرِ الله تعالى وضوءاً.
وأما الاغتسال للتبرد؛ فإنه لا يجزئ عن الوضوء؛ لأن الاغتسال للتبرد ليس عن حدثٍ؛ فلا يكون مجزئاً، بل لابد أن يتوضأ بعد أن ينتهي من الاغتسال للتبرد". انتهى
واحتج بحديث عمران بن حصين -الطويل- "في قصة الرجل الذي أعتزل قومه ولم يصل فسأله النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذلك فقال أصابتني جنابة ولا ماء فقال عليك بالصعيد فإنه يكفيك ثم حضر الماء فأعطى هذا الرجل منه وقال خذ هذا أفرغه على نفسك"، قال ابن عثيمين: ولم يبين له صلى الله عليه وسلم كيفية معينة فدل هذا على أنه متى حصل تطهير جميع البدن ارتفعت الجنابة، ويدخل الحدثُ الأصغر في الحدث الأكبر؛ كما تدخل العمرة في الحج فيمن حج قارناً". انتهى
وكالتبرد؛ غسل الجمعة؛ لأنه ليس لرفع حدث.
الحديث متفق عليه.
جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم