إسم الكاتب : فضيلة الشيخ أبو الحسن علي الرملي حفظه االله تعالى
بَابُ الشِّعْرِ فِي المَسْجِدِ
(بابُ) حكمِ إنشاد (الشِّعْرِ في المَسْجِدِ)
قال الترمذي رحمه الله: بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَإِنْشَادِ الضَّالَّةِ وَالشِّعْرِ فِي الْمَسْجِدِ.
وأخرج عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ «نَهَى عَنْ تَنَاشُدِ الْأَشْعَارِ فِي الْمَسْجِدِ، وَعَنِ الْبَيْعِ وَالِاشْتِرَاءِ فِيهِ، وَأَنْ يَتَحَلَّقَ النَّاسُ فِيهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ".
وقال: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي غَيْرِ حَدِيثٍ رُخْصَةٌ فِي إِنْشَادِ الشِّعْرِ فِي الْمَسْجِدِ. انتهى
قال ابن المنذر: "وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى أَنْ يُنْشَدَ الشِّعْرُ فِي الْمَسْجِدِ، دَلَّ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَمَّا أَبَاحَ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ أَنْ يَهْجُوَ الْمُشْرِكِينَ فِي الْمَسْجِدِ أَنَّ الشِّعْرَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ أَنْ يُنْشَدَ فِي الْمَسْجِدِ الْقُبْحُ مِنْهُ دُونَ الْحَسَنِ إِذْ مِنَ الشِّعْرِ حَسَنٌ وَقَبِيحٌ فَأَبَاحَ مِنْهُ الْحَسَنَ وَنَهَى عَنِ الْقَبِيحِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ حَسَّانَ إِنَّمَا كَانَ يَهْجُو الْمُشْرِكِينَ فِي الْمَسْجِدِ، فَدَعَا أَنْ يُؤَيَّدَ بِرُوحِ الْقُدُسِ مَادَامَ مُجِيبًا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم".
وأخرج بإسناده عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، مَرَّ بِحَسَّانَ وَهُوَ يَنْشُدُ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَحَظَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَنْشُدُ وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللهَ أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «أَجِبْ عَنِّي، اللهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ؟» قَالَ: نَعَمْ ".
هذه الرواية أخرجها الشيخان، وإن كان ظاهرها الإرسال إلا أنها محمولة على الاتصال كما سيأتي إن شاء الله.
قال ابن عبد البر: مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه بَنَى رَحْبَةً فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ تُسَمَّى الْبُطَيْحَاءَ، وَقَالَ "مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَلْغَطَ أَوْ يُنْشِدَ شِعْرًا أَوْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ فَلْيَخْرُجْ إِلَى هَذِهِ الرَّحْبَةِ".
هَذَا الْخَبَرُ عِنْدَ الْقَعْنَبِيِّ وَمُطَرِّفٍ وَأَبِي مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عن ابن عُمَرَ:" أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَنَى رَحْبَةً فِي الْمَسْجِدِ.." الْحَدِيثَ وَرَوَاهُ طَائِفَةٌ كَمَا رَوَاهُ يَحْيَى.
فَقَدْ عَارَضَ هَذَا الْخَبَرَ بَعْضُ النَّاسِ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ لَمَّا أَنْكَرَ عَلَيْهِ عُمَرُ إِنْشَادَهُ الشِّعْرَ فِي الْمَسْجِدِ، قَالَ: "قَدْ كُنْتُ أُنْشِدُ فِيهِ وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ"، فَسَكَتَ عُمَرُ.
وَهَذَا مَحْمَلُهُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ الشِّعْرُ الَّذِي يُنْشَدُ فِي الْمَسْجِدِ مَا لَيْسَ فِيهِ مُنْكَرٌ مِنَ الْقَوْلِ وَلَا زَوْرٌ وَحَسْبُكَ مَا يُنْشَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
وَأَمَّا مَا كَانَ فِيهِ مِنَ الْفَخْرِ بِالْآبَاءِ الْكُفَّارِ، وَالتَّشْبِيبِ بِالنِّسَاءِ، وَذِكْرِهِنَّ عَلَى رُؤُوسِ الْمَلَأِ، وَشِعْرٌ يَكُونُ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْخَنَا؛ فَهَذَا كُلُّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَا فِي غَيْرِهِ، وَالْمَسْجِدُ أَوْلَى بِالتَّنْزِيهِ مِنْ غَيْرِهِ.
وَالشِّعْرُ كَلَامُهُ مَوْزُونٌ، فَحَسَنُهُ حَسَنٌ، وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ، وَقَبِيحُهُ لَا يزيده الوزن معنى.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً".
وأخرج حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
ثم قال: "وَعَلَى مَا ذَكَرْنَا تَرْتِيبَ الْآثَارِ فِي إِنْشَادِ الْأَشْعَارِ فِي الْمَسْجِدِ. وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا.
إِلَّا أَنَّ الشِّعْرَ -وَإِنْ كَانَ حَسَنًا- فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إِنْشَادُهُ فِي الْمَسْجِدِ إِلَّا غِبًّا؛ لِأَنَّ إِنْشَادَ حَسَّانَ كَذَلِكَ كَانَ.
وَأَمَّا الشِّعْرُ الْقَبِيحُ، وَمَا لَا حِكْمَةَ فِيهِ وَلَا عِلْمَ؛ فَيَنْبَغِي أَنْ تُنَزَّهَ الْمَسَاجِدُ عَنْ إِنْشَادِهِ فِيهَا". انتهى المراد
وقال ابن رجب: "وجمهورُ العلماءِ على جوازِ إنشادِ الشعر المباحِ في المساجد، وحَمَلَ بعضُهم حديثَ عمرو بن شعيب على أشعارِ الجاهلية، وما لا يليقُ ذِكرُه في المساجد، ولكنَّ الحديثَ المرسلَ يَردُّ ذلك.
والصحيحُ في الجواب: أن أحاديثَ الرخصةِ صحيحةٌ كثيرةٌ، فلا تُقاومُ أحاديثُ الكراهةِ في أسانيدها وصحتها.
ونقل حنبلُ عن أحمد، قال: مسجدُ النبي صلى الله عليه وسلم خاصةً لا يُنشدُ فيه شعرٌ، ولا يُمرُّ فيه بقطعِ اللحم، يُجتنبُ ذلك كلُّه، كرامةً لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم". انتهى
الصحيح ما قاله ابن عبد البر؛ فالجمع بين الأحاديث أولى.
453 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُ سَمِعَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ، يَسْتَشْهِدُ أَبَا هُرَيْرَةَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ، هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «يَا حَسَّانُ، أَجِبْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ القُدُسِ» قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ.
(حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ) الحمصي (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) بن أبي حمزة الحمصي (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن شهاب (قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) الزهري.
وسيأتي إن شاء الله من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب، وكلاهما محفوظ فالزهري إمام حافظ وله شيوخ كثر.
قال الدارقطني في العلل: "وَهُوَ مَحْفُوظٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ". انتهى
(أَنَّهُ سَمِعَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ) بن المنذر بن حرام (الأَنْصَارِيَّ) الخزرجي النَّجَّاري، شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمه الفُرَيْعة بنت خالد الصحابية، وكان قديم الإسلام ينصر النبي صلى الله عليه وسلم بلسانه، ولم يشهد معه مشهدًا؛ لأنه كان يُجَبَّن، وقيل: إنه كان شجاعًا، فأصابته علة، فحدث ذلك به؛ واستُبعد ذلك فإن العرب لم تعيره به، وكان يهاجهم ولسانه فيهم أشد من النبل.
وقد يجاب بأنه لما كان ينافح عن الشارع عصمه الله عن ذلك ببركته، عاش مائة وعشرين سنة، وكذا آباؤه الثلاثة، ولا يعرف لغيرهم من العرب مثله كما قاله أبو نعيم مات سنة أربع وخمسين وله مائة وعشرون سنة، عاش في الجاهلية ستين سنة وفي الإسلام كذلك. روى له الجماعة سوى الترمذي.
(يَسْتَشْهِدُ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه؛ أي يطلب منه الشهادة؛ أي: الإخبار (أَنْشُدُكَ اللَّهَ) أي سألتك بالله (هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «يَا حَسَّانُ، أَجِبْ) دافع (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ورد على الكفار الذين هجَوا رسول الله في شعرهم، أي ذموه وسبوه في شعرهم.
وفي رواية سعيد بن المسيب:" أجب عني".
(اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ) أي قوّه (بِرُوحِ القُدُسِ) جبريل صلوات الله وسلامه عليه (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (نَعَمْ) سمعته يقول ذلك.
قال ابن حجر: "وَالْمُرَادُ بِالْإِجَابَةِ الرَّدُّ عَلَى الْكُفَّارِ الَّذِينَ هَجَوْا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابَهُ، وَفِي التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَنْصِبُ لِحَسَّانَ مِنْبَرًا فِي الْمَسْجِدِ فَيَقُومُ عَلَيْهِ يَهْجُو الْكُفَّارَ، وَذَكَرَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَهُ تَعْلِيقًا نَحْوَهُ، وَأَتَمَّ مِنْهُ، لَكِنِّي لَمْ أَرَهُ فِيهِ".
ليس في هذه الرواية التي أخرجها البخاري إنشادُ حسان الشعر في المسجد
وهو في الرواية الأخرى، رواية سعيد بن المسيب أخرجها الشيخان أيضا:
عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ «مَرَّ عُمَرُ فِي الْمَسْجِدِ وَحَسَّانُ يُنْشِدُ فَقَالَ: كُنْتُ أُنْشِدُ فِيهِ وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللهِ أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: أَجِبْ عَنِّي اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ قَالَ: نَعَمْ».
قال ابن حجر: وَرِوَايَةُ سَعِيدٍ لِهَذِهِ الْقِصَّةِ عِنْدَهُمْ مُرْسَلَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ زَمَنَ الْمُرُورِ، وَلَكِنْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ سَعِيدًا سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعْدُ أَوْ مِنْ حَسَّانَ، أَوْ وَقْعَ لِحَسَّانَ اسْتِشْهَادُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرَّةً أُخْرَى، فَحَضَرَ ذَلِكَ سَعِيدٌ، وَيُقَوِّيهِ سِيَاقُ حَدِيثِ الْبَابِ، فَإِنَّ فِيهِ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ سَمِعَ حَسَّانَ يَسْتَشْهِدُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَأَبُو سَلَمَةَ لَمْ يُدْرِكْ زَمَنَ مُرُورِ عُمَرَ أَيْضًا، فَإِنَّهُ أَصْغَرُ مِنْ سَعِيدٍ، فَدَلَّ عَلَى تَعَدُّدِ الِاسْتِشْهَادِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْتِفَاتُ حَسَّانَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ وَاسْتِشْهَادُهُ بِهِ إِنَّمَا وَقَعَ مُتَأَخِّرًا؛ لِأَنَّ ثُمَّ لَا تَدُلُّ عَلَى الْفَوْرِيَّةِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّعَدُّدِ، وَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ سَعِيدٌ أَرْسَلَ قِصَّةَ الْمُرُورِ، ثُمَّ سَمِعَ بَعْدَ ذَلِكَ اسْتِشْهَادَ حَسَّانَ، لِأَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ الْمَقْصُودُ؛ لِأَنَّهُ الْمَرْفُوعُ، وَهُوَ مَوْصُولًا بِلَا تَرَدُّدٍ. وَاللَّهُ أَعلم". انتهى
وفي رواية عند مسلم: عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ عُمَرَ مَرَّ بِحَسَّانَ وَهُوَ يُنْشِدُ الشِّعْرَ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَحَظَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أُنْشِدُ وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ! ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ:.. الحديث" فإن كانت محفوظة فهي موصولة.
قال ابن الملقن: "ليس في الباب ما ترجمَ له البخاريُّ أنه أنشدَ في المسجدَ، نعم فيه في باب بَدء الخلقِ مِن حديث سعيد.." فذكر الحديث.
وقال: "وعدلَ البخاريُّ عن هذا الحديثِ هنا ليقدحَ الطالبُ فكرَه، ويَشَحذُ ذِهنَه؛ ولأنَّ فيه الأمرَ بالإجابة عن الشارع، والدعاءَ بالتأييد، وهو لأجلِ إجابته عنه". انتهى
قال ابن رجب: "ليس في هذه الروايةِ التي خرجها البخاريُّ هاهنا ذِكرُ إنشادِ حسانَ في المسجد، إنما فيه ذكرُ مَدحِ حسانَ على أجابته عن النبي صلى الله عليه وسلم والدعاءِ له على ذلك، وكفى بذلك دليلاً على فضلِ شعرِهِ المتضِّمنِ للمُنافحةِ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والردِّ على أعدائه والطاعنين عليه، والمساجدُ لا تنزه عن مثلِ ذلك، ولهذا قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "إن من الشعر حكمة".
وقد خرجه البخاري في موضعٍ آخر من حديثِ أبي بن كعب مرفوعاً، وخرج أيضاً من حديث البراء، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لحسانَ: "اهجُهم - أو هاجِهم - وجبريلُ معك".
وإنما خصَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم جبريلَ وهو روحُ القدس بنصرةِ مَن نصرَه ونافحَ عنه؛ لأن جبريلَ صاحبُ وحيِّ اللهِ إلى رسلِه، وَهُوَ يتولى نَصرَ رسلِه وإهلاكَ أعدائِهِم المُكذبين لهم، كما تولى إهلاكَ قومِ لوطٍ وفرعونَ في البحر.
فمَن نصرَ رسولَ الله وذبَّ عنه أعداءَه ونافحَ عنه؛ كان جبريلُ معه، ومُؤيِّدا له؛ كما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فإنَّ اللهَ هو مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ}". انتهى
الحديث متفق عليه
جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم