إسم الكاتب : فضيلة الشيخ أبو الحسن علي الرملي حفظه االله تعالى
بَابُ التَّقَاضِي وَالمُلاَزَمَةِ فِي المَسْجِدِ
(بابُ) جوازِ (التَّقاضي) أي مطالبةُ الغريم بقضاء الدين، أي مطالبة من لك عليه دين بحقك منه (وَ) جوازِ (المُلازَمَةِ) للغريم، أي التعلق به وعدم تركه (في المسجدِ) لأجل طلب الدين.
457 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ كَعْبٍ، أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي المَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ، فَنَادَى: «يَا كَعْبُ» قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا» وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ: أَيِ الشَّطْرَ، قَالَ: لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «قُمْ فَاقْضِهِ».
(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) الجُعفي المسندي.
(قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بن فارس العبدي.
(قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيلي.
(عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم بن شهاب.
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) الأنصاري السَّلَمي المدني. تابعي ثقة، كان قائد أبيه حين عمي أبوه. مات سنة سبع أو ثمان وتسعين. روى له الجماعة سوى الترمذي.
(عَنْ) أبيه (كَعْبٍ) بن مالك الصحابي الجليل أحد الثلاثة الذين خُلِّفوا في غزوة تبوك.
(أَنَّهُ تَقَاضَى) أي طالبَ كعبُ بن مالك الصحابيَ عبدَ الله (ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ) أي كان لكعب على ابن أبي حدرد دينٌ؛ فطالبه به (فِي المَسْجِدِ) وأراد منه أن يقضيه.
(فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا) في المسجد (حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا) عليه الصلاة والسلام (حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ) عليه الصلاة والسلام، والسِّجْفُ: السِّتر.
وقال بعض أهل اللغة: لَا يُسَمى سِجْفاً إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَشقُوق الوَسَط كالمِصْرَاعين. يعنون كمصراعي الباب.
(فَنَادَى) النبي صلى الله عليه وسلم كعبا، قال: («يَا كَعْبُ». قَالَ) كعب بن مالك (لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) أي إجابة لك بعد إجابة (قَالَ) عليه الصلاة والسلام له: («ضَعْ) عنه (مِنْ دَيْنِكَ هَذَا») وفسره بقوله: (وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ) أي أشار إليه: (أَيِ الشَّطْرَ) يعني النصف.
(قَالَ) كعب: (لَقَدْ فَعَلْتُ) ما أمرت به (يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ) عليه الصلاة والسلام لابن أبي حدرد: («قُمْ فَاقْضِهِ) حقه على الفور.
قال ابن حجر: "فَإِنْ قِيلَ: التَّقَاضِي ظَاهِرٌ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ دُونَ الْمُلَازَمَةِ، أَجَابَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَقَالَ: كَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ كَوْنِ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ لَزِمَهُ خَصْمُهُ فِي وَقْتِ التَّقَاضِي، وَكَأَنَّهُمَا كَانَا يَنْتَظِرَانِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لِيَفْصِلَ بَيْنَهُمَا. قَالَ: فَإِذَا جَازَتِ الْمُلَازَمَةُ فِي حَالِ الْخُصُومَةِ فَجَوَازُهَا بَعْدَ ثُبُوتِ الْحَقِّ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَوْلَى. انْتَهَى.
قُلْتُ-الكلام لابن حجر-: وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي مِنْ عَادَةِ تَصَرُّفِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ أَشَارَ بِالْمُلَازَمَةِ إِلَى مَا ثَبَتَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ هُوَ فِي بَابِ الصُّلْحِ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيِّ مَالٌ، فَلَقِيَهُ فَلَزِمَهُ، فَتَكَلَّمَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا. وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَيْضًا تَسْمِيَةُ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ وَذِكْرُ نِسْبَتِهِ". انتهى
قال ابن بطال: "فيه المخاصمة في المسجد في الحقوق والمطالبة بالديون.
وقال مالك: لا بأس أن يقضي الرجلُ الرَّجلَ فيه ذهبًا، فأما بمعنى التجارة والصرف؛ فلا أحبه". انتهى
قال ابن رجب: "مقصودُ البخاريِّ: الاستدلالُ بهذا الحديث على جواز تقاضي الغريم لغريمه في المسجد، ومطالبتِه بدينه، وملازمتِه له لطلب حقه؛ فانَّ النبي صلى الله عليه وسلم علم بذلك وسمِعَه ولم ينكره".
وقال: "ومَن كره البيع -يعني في المسجد-، فرَّقَ بينه وبين التقاضي بأنَّ البيعَ في المسجد ابتداءً لتحصيل المال فيه، وذلك يجعل المسجدَ كالسوق المُعَدِّ للتجارة، واكتسابِ الأموال، والمساجدُ لم تُبن لذلك، ولهذا قال عطاءُ بنُ يسار وغيرُه لمن رأَوْه يبيع في المسجد: "عليك بسوقِ الدنيا، فهذا سوقُ الآخرة".
أما تقاضي الدين، فهو حفظُ مال له، وقد لا يتمكن مِن مطالبته إلا في المسجد، فهو في معنى حفظِ مالِه مِن الذهاب، وفي معنى التحاكمِ إلى الحاكمِ في المسجدِ، كما سبق ذكره.
وممن رخص في المطالبةِ لغريمه في المسجد: عطاءٌ وابنُ جريج.
وقال: "وفي إشارةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بيده، وإيمائه إليه أن يضع الشطر: دليلٌ على أن إشارةَ القادرِ على النطقِ في الأمور الدينية؛ مقبولة؛ كالفتيا ونحوِها، وقد سبق ذكرُ ذلك في (كتاب: العلم).
ولم يكن هذا مِن النبي صلى الله عليه وسلم حُكماً؛ لأنه لم يستوفِ شرائطَ الحُكم مِن ثبوت الدَّين ونحوِه، وإنما كان على وجه الإصلاح. والله أعلم". انتهى
وبقية فوائد الحديث تأتي في موضعها إن شاء الله.
جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم