شرح صحيح البخاري ح458

إسم الكاتب : فضيلة الشيخ أبو الحسن علي الرملي حفظه االله تعالى


  • بَابُ كَنْسِ المَسْجِدِ، وَالتِقَاطِ الخِرَقِ وَالقَذَى وَالعِيدَانِ

    (بَابُ) الحثِّ على (كَنْسِ المَسْجِدِ) وَهُوَ إِزَالَة الكُناسة مِنْهُ (وَ) على (التِقَاطِ الخِرَقِ) جمع خِرْقةٍ (وَ) التقاط (القَذَى) جمع قذاة، قَالَ الْجَوْهَرِي: القذى فِي الْعين وَالشرَاب: مَا يسْقط فِيهِ". انتهى.

    قال العلماء: ثمَّ استُعمِل في كلِّ ما يقع في البيت وغيره إذا كان يسيرًا كقطع الخشب والتبن والقشِّ ونحوها.

    (وَالعِيدَانِ) جمع عودٍ. أي التقاطها من المسجد.

    يعني الحث على تنظيف المسجد من الأوساخ.

    قال ابن رجب: "وكنسُ المساجد وإزالةُ الأذى عنها فعلٌ شريف، لا يأنف منه من يعلم آدابَ الشريعة، وخصوصا المساجدَ الفاضلة، وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى نخامةً في قبلة المسجد فحكها بيده.. وقد سبق هذا الحديث". انتهى

    وقد قال صلى الله عليه وسلم: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ. أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

    قال النووي: "يُسْتَحَبُّ اسْتِحْبَابًا مُتَأَكِّدًا كَنْسُ الْمَسْجِدِ وَتَنْظِيفُهُ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ فِيهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ".

    وحديث أنس بْنِ مالِكٍ الذي أخرجه أبو داود قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "عُرِضَتْ عَلي أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى القَذاةُ يُخْرِجُها الرَّجُلُ مِنَ المَسْجِدِ". ضعيف.

    458 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ أَوِ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَ يَقُمُّ المَسْجِدَ فَمَاتَ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ، فَقَالُوا: مَاتَ، قَالَ: «أَفَلاَ كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ - أَوْ قَالَ قَبْرِهَا - فَأَتَى قَبْرَهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا».

    (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الأزدي الواشِحي.

    (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم الأزدي الجَهضَمي البصري.

    (عَنْ ثَابِتٍ) البناني.

    (عَنْ أَبِي رَافِعٍ) نفيع الصائغ المدني.

    (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ أَوِ) شك من الراوي (امْرَأَةً سَوْدَاءَ) وفي رواية عند البخاري: "أَنَّ امْرَأَةً - أَوْ رَجُلًا - كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ - وَلاَ أُرَاهُ إِلَّا امْرَأَةً".

    وعند ابن خزيمة من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة بلفظ: "امرأةً سوداء" من غير شك. وهو الصحيح.

    (كَانَ يَقُمُّ) أو كانت تقم (المَسْجِدَ) أي تَكْنُسَه.

    وفي طريق الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عند ابن خزيمة: "أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْتَلْتَقِطُالْخِرَقَوَالْعِيدَانِ مِنَ الْمَسْجِدِ".

    ولهذا أشار البخاري في الترجمة، فكما علمنا من عادته أنه أحياناً يذكر في الترجمة ما لا يوجد في حديث الباب إلا أنه مذكور في طرقه، فبعد تتبع طرق الحديث تجد الشاهد فيها.

    (فَمَاتَ) أو ماتت (فَسَأَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ) أو عنها، أي سأل الناسَ عن حاله أو عن حالها (فَقَالُوا: مَاتَ) أو ماتت (قَالَ) عليه الصلاة والسلامأَفَلاَ كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي) أي أعلمتموني (بِهِ) أو بها حتى أصلي عليه أو عليها.

    وعند المؤلّف في الجنائز: "فحقروا شأنه"، ثم قال عليه الصلاة والسلام: (دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ - أَوْ قَالَ قَبْرِهَا) على الشك (فَأَتَى) رسول الله صلى الله عليه وسلم (قَبْرَهَا، فَصَلَّى عَلَيْهَا) وفي صحيح مسلم: "ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللهَ عز وجل يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ».

    قال عبد الحق الإشبيلي في الجمع بين الصحيحين: "الصَّحِيحُ أنهَا كَانَتْ امْرَأة. ولم يذكر البُخَارِيُّ: "إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ"، وما بعده". انتهى

    قال ابن حجر: "وَإِنَّمَا لَمْ يُخَرِّجِ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ؛ لِأَنَّهَا مُدْرَجَةٌ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، وَهِيَ مِنْ مَرَاسِيلِ ثَابِتٍ، بَيَّنَ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ.

    وَقَدْ أَوْضَحْتُ ذَلِكَ بِدَلَائِلِهِ فِي كِتَابِ بَيَانِ الْمُدْرَجِ.

    قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنْ مَرَاسِيلِ ثَابِتٍ كَمَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبَدَةَ، أَوْ مِنْ رِوَايَةِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، يَعْنِي: كَمَا رَوَاهُ ابْنُ مَنْدَهْ.

    وَوَقَعَ فِي مُسْنَدِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَأَبِي عَامِرٍ الْخَزَّازِ كِلَاهُمَا عَنْ ثَابِتٍ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَزَادَ بَعْدَهَا: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: إِنَّ أَبِي - أَوْ أَخِي - مَاتَ أَوْ دُفِنَ فَصَلِّ عَلَيْهِ. قَالَ فَانْطَلَقَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم". انتهى وانظروا العلل للدارقطني.

    وفي الحديث دلالة على استحباب كنس المسجد، وحمل القذى منه.

    وفيه الدلالة على محاسن أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم، والرّأفة بالضعفاء والفقراء.

    وفي الحديث دلالة جواز خدمة المساجد لتقرير رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك.

    وفي الحديث جواز الإعلام بموت الميت. وهو النعي.

    وفيه جواز أن تنظف المسجدَ الذي يصلي فيه الرجال امرأةٌ.

    وهو حجة على الذين منعوا صلاة الجنازة على القبر.

    وفيه: السؤال عن الخادم والصديق إذا غاب وافتقاده.

    وقال الشراح: "وفي الحديث ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من تفقد أحوال ضعفاء المسلمين وما جُبِلَ عليه من التواضع والرأفة والرحمة، والتنبيه على أنه لا ينبغي احتقار مسلم ولا تصغير أمره".

    قال ابن رجب: "فيه دليلٌ على أن قَمَّ المسجدِ حسنٌ مندوبٌ إليه؛ فإن هذا الذي كان يَقمُّ المسجدَ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن حاله يخفى عليه.

    والقَمُّ: هو إخراجُ القمامةِ، وهي الزُّبالة.

    وقد رُوي من وجوه أُخر أنها كانت امرأةً، مِن غير شك..." ثم ساق بعض الوجوه، وذكر روايات ضعيفة في أنها يقال لها أم مِحجَن.

    الحديث متفق عليه

    تحميل الملفات :-

جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم