إسم الكاتب : فضيلة الشيخ أبو الحسن علي الرملي حفظه االله تعالى
بَابُ تَحْرِيمِ تِجَارَةِ الخَمْرِ فِي المَسْجِدِ
(بابُ) ذكر (تَحْريمِ تِجَارَةِ الخَمْرِ في المَسْجِدِ)
قال ابن بطال: "غرضُه في هذا البابِ- والله أعلم- أنَّ المسجدَ لمَّا كان مسجدًا للصلاة ولذكرِ الله منزهًا عن ذكرِ الفواحشِ- والخمرُ والربا من أكبر الفواحش- فلمَّا ذكرَ الرسولُ تحريمَها في المسجد؛ دلَّ أنه لا بأس بذكر المحرماتِ والأقذارِ في المسجدِ على وجهِ النهي عنها والمنعِ منها".
وقال ابن حجر: "أَيْ: جَوَازِ ذِكْرِ ذَلِكَ وَتَبْيِينِ أَحْكَامِهِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ مَا يَقْتَضِيهِ مَفْهُومُهُ مِنْ أَنَّ تَحْرِيمَهَا مُخْتَصٌّ بِالْمَسْجِدِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ بَابُ ذِكْرِ تَحْرِيمِ، كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي بَابِ ذِكْرِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ.
وَمَوْقِعُ التَّرْجَمَةِ أَنَّ الْمَسْجِدَ مُنَزَّهٌ عَنِ الْفَوَاحِشِ فِعْلًا وَقَوْلًا، لَكِنْ يَجُوزُ ذِكْرُهَا فِيهِ لِلتَّحْذِيرِ مِنْهَا وَنَحْوُ ذَلِكَ، كما دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ". انتهى
يعني حديث الباب.
459 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا أُنْزِلَتِ الآيَاتُ مِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي الرِّبَا، «خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى المَسْجِدِ فَقَرَأَهُنَّ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ حَرَّمَ تِجَارَةَ الخَمْرِ»
(حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) عبد الله بن عثمان بن جبلة العتكي (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) محمد بن ميمون السكريّ. ثقة، من سمع منه قبل ذهاب بصره فحديثه جيد صالح، وعبدان من قدماء أصحابه (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران. وأخرج البخاري الحديث في أكثر من موضع من رواية شعبة عنه، وبتصريحه بالسماع من أبي الضحى، وتابعه منصور (عَنْ مُسْلِمٍ) بن صُبيح الهَمداني أبو الضحى الكوفي العطار (عَنْ مَسْرُوقٍ) الأجدع الكوفي (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (قَالَتْ: لَمَّا أُنْزِلَتِ الآيَاتُ مِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي الرِّبَا، خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى المَسْجِدِ فَقَرَأَهُنَّ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ حَرَّمَ تِجَارَةَ الخَمْرِ".
قال النووي: قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: "تَحْرِيمُ الْخَمْرِ هُوَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَهِيَ نَزَلَتْ قَبْلَ آيَةِ الرِّبَا بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ؛ فَإِنَّ آيةَ الربا آخرُ ما نزل، أَوْ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ؛ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا النَّهْيُ عَنِ التِّجَارَةِ مُتَأَخِّرًا عَنْ تَحْرِيمِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِتَحْرِيمِ التِّجَارَةِ حِينَ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ، ثُمَّ أَخْبَرَ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ الرِّبَا تَوْكِيدًا وَمُبَالَغَةً فِي إِشَاعَتِهِ.
وَلَعَلَّهُ حَضَرَ الْمَجْلِسَ مَنْ لَمْ يَكُنْ بَلَغَهُ تَحْرِيمُ التِّجَارَةِ فِيهَا قَبْلَ ذَلِكَ. وَاللَّهُ أعلم".
قال ابن رجب: "يُشكِل في هذا الحديث أمران:
أحدهما: أن تحريمَ التجارةِ في الخمرِ مما شُرِعَ مِن حينِ نزولِ تحريمِ الخمر، ولم يتأخر إلى نزولِ آياتِ الربا، فإنَّ آياتِ الربا مِن آخرِ ما نزلَ مِن القرآن، كما روى البخاري في "التفسير" من رواية الشعبي عن ابن عباس؛ قال: آخرُ آيةٍ نزلت على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم آيةُ الربا.
وفي "الصحيحين" عن جابر: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح وهو بمكة يقول: "إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ".
وخرج مسلم من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا أيها الناسُ! إن اللهَ يُعَرِّضُ بالخمرِ، ولعلَ اللهَ سيُنزلُ فيها أمراً، فمَن كان عنده منها شيءٌ فَلْيَبِعْهُ وَلْيَنْتَفِعْ بِهِ".
قال: فما لبثنا إلا يسيراً حتى قال: " إِنَّ اللهَ حَرَّمَ الْخَمْرَ، فَمَنْ أَدْرَكَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ وَعِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ فَلَا يَشْرَبْ وَلَا يَبِعْ".
قال: فَاسْتَقْبَلَ النَّاسُ بِمَا كَانَ عِنْدَهُم مِنْهَا فِي طَرِيقِ الْمَدِينَةِ فَسَفَكُوهَا". وهذا نصٌّ في تحريم بيعها مع تحريم شربها.
والثاني: أن آياتِ الربا ليس فيها ذكرُ الخمرِ، فكيف ذُكِر تحريمُ التجارة في الخمر مع تحريم الربا؟
ويجاب عن ذلك: بأن مرادَ عائشةَ: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أخبر بتحريمِ التجارةِ في الخمرِ مع الربا، وإن كان قد سبق ذكرُ تحريمِ بيعِ الخمر.
وقد روى حجاجُ بنُ أرطاة - حديثَ عائشة -، عن الأعمش بإسنادِ البخاري، ولفظه: لَمَّا نزلت الآياتُ التي في سورةِ البقرةِ نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الخمر والربا.
وإنما أراد النبيُّ صلى الله عليه وسلم- والله أعلم - بتحريمِ التجارةِ في الخمر مع الربا لِيُعْلمَ بذلك أن الربا الذي حرمه اللهُ يشمل جميعَ أكلِ المال مما حرمه اللهُ مِن المعاوضات، كما قال: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا}، فما كان بيعاً فهو حلال، وما لم يكن بيعاً فهو ربا حرام: أي: هو زيادةٌ على البيع الذي أحلَّه الله.
فدخل في تحريم الربا جميعُ أكلِ المال بالمعاوضاتِ الباطلةِ المحرمة.
وقال: "وكلامُ الصحابةِ في تسميةِ ذلك ربا كثيرٌ".
وقال: "وإنما أشرنا هنا إلى ما يبين كثرةَ أنواعِ أبواب الربا، وأنها تشملُ جميعَ المعاوضاتِ المحرمة، فلذلك لما نزل تحريمُ الربا؛ نهى النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن الربا، وعن بيع الخمر؛ ليبينَ أن جميعَ ما نُهيَ عن بيعه؛ داخلٌ في الربا المنهي عنه. والله أعلم". انتهى باختصار.
الحديث متفق عليه
جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم