شرح صحيح البخاري ح462

إسم الكاتب : فضيلة الشيخ أبو الحسن علي الرملي حفظه االله تعالى


  • بَابُ الِاغْتِسَالِ إِذَا أَسْلَمَ، وَرَبْطِ الأَسِيرِ أَيْضًا فِي المَسْجِدِ

    قال ابن حجر: "هَكَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَسَقَطَ لِلْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ قَوْلِهِ وَرَبْطِ الْأَسِيرَ إِلَخْ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ بَابٌ بِلَا تَرْجَمَةٍ، وَكَأَنَّهُ فَصْلٌ مِنَ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَيَّضَ لِلتَّرْجَمَةِ فَسَدَّ بَعْضُهُمُ الْبَيَاضَ بِمَا ظَهَرَ لَهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْإِسْمَاعِيلِيَّ تَرْجَمَ عَلَيْهِ بَابُ دُخُولِ الْمُشْرِكِ الْمَسْجِدَ، وَأَيْضًا فَالْبُخَارِيُّ لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُ بِإِعَادَةِ لَفَظِ التَّرْجَمَةِ عَقِبَ الْأُخْرَى، وَالِاغْتِسَالُ إِذَا أَسْلَمَ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِأَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ إِلَّا عَلَى بُعْدٍ".

    فلعل الصواب: ذكر الباب فقط من غير زيادة.

    (بابُ) بيان (الاغْتِسالِ) للكافر (إذا أَسْلَمَ، و) بيان (رَبْطِ الأَسيرِ أيضًا في المَسْجِدِ).

    قال ابن بطَّال: "اختلف العلماء هل على من أسلم غسل؟ على ثلاثة أقوال.

    واختُلف في ذلك قول مالك أيضًاً؛ فقال في "المدونة": إذا أسلم النصرانيُّ فعليه الغسلُ؛ لأنهم لا يتطهرون، وممن أوجب عليه الغسل أحمد بن حنبل، وأبو ثور.

    والقول الثاني: روى ابن وهب وابن أبى أويس عن مالك أنه سئل عن رجل أسلم هل يجب عليه غسلٌ أم يكفيه الوضوء؟ قال: لم يبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أحدًا أسلم بالغسل.

    والقول الثالث: قال ابن المنذر: قال الشافعي: أُحبُّ أن يغتسل، فإن لم يكن جنبًا أجزأه أن يتوضأ، ولابن القاسم في "العتبية" مثلُه؛ قال: مَن أسلم فعليه أن يغتسل، فإن توضأ وصلى ولم يغتسل أعاد أبدًا إذا كان قد جامع أو كان جنبًا.

    وهذا يدل من قوله: إن لم يكن جنبًا أنه يجزئه الوضوء كما قال الشافعي.

    قال المهلب: وحديث ثمامةَ حجةٌ لرواية ابن وهب وابن أبى أويس؛ لأن ثمامة حين انطلق فاغتسل، ثم دخل المسجد، ثم شهد بالإسلام، وليس في الحديث أن نبيَّ الله أمره بالاغتسال، ولذلك قال مالك: لم يبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أحدًا أسلم بالغسل".

    وقال ابن قدامة في المغني: «وجُمْلَتُه أنَّ الكافِرَ إذا أَسْلَمَ، وَجَبَ عليه الغُسْلُ، سَوَاءٌ كان أَصْلِيًّا، أَوْ مُرْتَدًّا، اغْتَسَلَ قبلَ إسْلَامِهِ أو لم يَغْتَسِلْ، وُجِدَ منه في زَمَنِ كُفْرِهِ ما يُوجِبُ الغُسْلَ أو لم يُوجَدْ.

    وهذا مَذْهَبُ مالِكٍ، وأبِى ثَوْرٍ، وابْنِ المُنْذِرِ.

    وقال أبو بكر: يُسْتَحَبُّ الغُسْلُ، وليس بوَاجِبٍ، إلَّا أنْ يكونَ قد وُجِدَتْ منه جَنَابَةٌ زَمَنَ كُفْرِه، فعليه الغُسْلُ إذا أسْلَمَ، سَوَاءٌ كان قد اغْتَسَلَ في زَمَنِ كُفْرِه أو لم يَغْتَسِلْ. وهذا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.

    ولمْ يُوجِبْ عليه أبو حنيفة الغُسْلَ بحالٍ؛ لأنَّ العَدَدَ الكَثِيرَ والجَمَّ الغَفِيرَ أسْلَمُوا، فلو أُمِرَ كُلُّ مَنْ أَسْلَمَ بالغُسْلِ، لَنُقِلَ نَقْلًا مُتَواتِرًا أو ظَاهِرًا، ولأنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إلى اليَمَن قال: "ادْعُهُمْ إلَى شَهَادَة أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُه، فإنْ هُمْ أطَاعُوكَ لِذَلِك فأعْلِمْهُم أنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيائِهم فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِم ". ولو كان الغُسْلُ واجِبًا لأَمَرَهُم به؛ لأَنَّه أَوَّلُ وَاجِبَاتِ الإِسْلَامِ.

    قال ابن قدامة: ولنا ما رَوَى قَيْسُ بنُ عاصِمٍ، قال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أُرِيدُ الإِسْلامَ، فأَمَرَنِي أنْ أَغْتَسِلَ بماءٍ وسِدْرٍ. رَوَاهُ أبو داود، والنَّسَائِىُّ. وأمْرُهُ يَقْتَضِى الوُجُوبَ.

    وما ذَكَرَهُ من قِلَّةِ النَّقْلِ، فلَا يَصِحُّ مِمَّنْ أَوْجَبَ الغُسْلَ على مَنْ أَسْلَمَ بعدَ الجَنابةِ في شِرْكِه، فإنَّ الظَّاهِرَ أنَّ البالِغَ لا يَسْلَمُ منها، ثم إِنَّ الخبَرَ إذا صَحَّ كان حُجَّةً مِنْ غيرِ اعْتِبارِ شَرْطٍ آخَرَ، على أنَّه قد رُوِىَ، أنَّ سَعْدَ بنَ مُعَاذٍ، وأُسَيْدَ بن حُضَيْر، حِينَ أَرَادَا الإِسْلامَ، سَأَلَا مُصْعَبَ بنَ عُمَيْرٍ، وأَسْعَدَ بن زُرَارَة: كيف تَصْنَعُونَ إذا دَخَلْتُم في هذا الأَمْرِ؟ قَالَا: نَغْتَسِلُ، ونَشْهَدُ شَهَادَةَ الحَقِّ.

    وهذا يَدُلُّ على أنَّه كانَ مُسْتَفِيضًا، ولأَنَّ الكَافِرَ لا يَسْلَمُ غالِبًا مِن جَنَابَةٍ تَلْحَقُه، ونَجَاسَةٍ تُصِيبُه، وهو لا يَغْتَسِلُ، ولا يَرْتَفِعُ حَدَثُه إذا اغْتَسَلَ، فأُقِيمَت مَظِنَّةُ ذلك مُقَامَ حَقِيقَتِه، كما أُقِيمَ النَّوْمُ مُقَامَ الحَدَثِ، والْتِقَاءُ الخِتَانَيْنِ مُقَامَ الإِنْزَالِ". انتهى

    أثر مُصْعَبَ بنَ عُمَيْرٍ، وأَسْعَدَ بن زُرَارَة ضعيف.

    قول الشافعي قوي.

    وَكَانَ شُرَيْحٌ: «يَأْمُرُ الغَرِيمَ أَنْ يُحْبَسَ إِلَى سَارِيَةِ المَسْجِدِ»

    (وكان شُرَيْحٌ) ابن الحرث القاضي الكوفي، تابعي مخضرم، يقال له قاضي المِصرين، كان (يَأمرُ الغَريمَ) أي: يأمر بالغريم (أن يُحْبَسَ إلى سِاريةِ المَسجدِ).

    أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: ‌كَانَشُرَيْحٌإِذَاقَضَىعَلَىرَجُلٍبِحَقٍّ يَحْبِسُهُ فِي الْمَسْجِدِ إِلَى أَنْ يَقُومَ، فَإِنْ أَعْطَاهُ حَقَّه، وَإِلَّا يَأْمُرُ بِهِ إِلَى السِّجْنِ.

    وفي رواية قال: "احْبِسُوهُ إِلَى جَنْبِ هَذِهِ السَّارِيَةِ حَتَّى يُوَفِّيَهُ".

    قال ابن رجب: وروي ذلك عن علي أيضاً.

    462 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ»، فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ المَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.

    (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التنّيسي الدمشقي.
    (
    قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعد الإمام.

    (قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) كيسان المقبري. ثقة اختلط قبل موته بأربع سنين، والليث بن سعد من أثبت الناس فيه (سَمِعَ) سعيد (أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْلًا) أَيْ: فُرْسَانًا، وَالْأَصْلُ أَنَّهُمْ كَانُوا رِجَالًا عَلَى خَيْلٍ (قِبَلَ) أي جهة (نَجْدٍ) اختلفوا في حدودها، فمما قاله أصحاب كتب البلدان:

    "وقيل: ‌نجد هو الأرض العريضة التي أعلاها تِهامةُ واليمن، وأسفلُها العراق والشام.

    وقيل: حدّنجد ذات عرق من جهة الحجاز، كما تدور الجبال معها إلى جبال المدينة، وما وراءَ ذاتِ عرق من الجبال إلى تِهامة فهو حجاز كلّه، فإذا انقطعت الجبال من نحو تهامة فما وراءَها إلى البحر فهو الغَور، وهو وتِهامة واحد.

    ويقال: إنّ نجدا كلَّها من عمل اليمامة.

    والقول في ذلك كثير. والنجود كثيرة". انتهى من مراصد الاطلاع.

    (فَجَاءَتْ) الفرسان (بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ) قبيلة من قبائل العرب من بكر بن وائل من العدنانية، مسكنهم اليمامة في نجد، ومنهم مسيلمة الكذاب (يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ) وكان سيد أهلاليمامة، أسلم ولم يرتد مع من ارتد من بني حنيفة (فَرَبَطُوهُ) أي الصحابة، والظاهر أنه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء في رواية، ربطوه (بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ) وخرج النبي صلى الله عليه وسلم فكلمه وتركه مربوطا إلى اليوم التالي ثم خرج عليه وكلمه أكثر من مرة، وهو مربوط كما سيأتي في رواية أطول من هذه (فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في اليوم الأخير (فَقَالَ: «أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ» فَانْطَلَقَ) وفي رواية فذهب (إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ المَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ)

    فيه جواز ربط الأسير في المسجد، وهو صريح بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، أو بإقراره.

    وفيه إباحة دخول المشرك المسجد.

    وأخذ من الحديث جواز مُكث المسلم الجُنُبِ في المسجد؛ فإنه أولى من الكافر.

     وفيه مشروعية اغتسال الكافر إذا أسلم.

    قال ابن رجب: "‌دلَّهذانالحديثان: على ربطِ الأسير إلى ساريةٍ مِن سواري المسجد؛ فإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يكن في زمانه سِجنٌ يُسجنُ فيه الأُسارى، ولهذا لمَّا نَدِم أبو لبابة على ما قال لبني قريظة؛ ربطَ نفسَه بساريةٍ مِن سواري المسجد".

    وقال: "وربطُ الأسير، إن كان مِن الكفار؛ فربطه من مصالح الدين، وقد أمر اللهُ تعالى به بقوله: {حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} [محمد:4].

    وإن كان مِنَ المسلمين على دَينٍ له أو حَقٍّ ليَخرجَ منه؛ فهو مِن مصالحِ المسلمين المُحتَاجِ إليها، لِحفظِ أموالِهم واستيفاءِ حقوقِهم، وهو مِن جنس القضاءِ في المسجد، وأمرِ الخصومِ بإنصافِ بعضِهم لبعضٍ، والخروجِ مِنَ الحقوقِ اللازمةِ لبعضِهم بعضا، وقد سبق أن القضاءَ في المسجد جائز.

    وهَمُّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بربطِ الشيطانِ هو مِن عقوباتِ العُصاةِ المتمردين المتعرضين لإفساد الدين، وليس مِن جنسِ إقامةِ الحدودِ بالضربِ والقطعِ حتى تُصانَ عنه المساجد، إنما هو حبسٌ مُجردٌ، فهو كحبسِ الأُسارى مِن الكفار.

    وبقيةُ فوائد الحديثين تُذكر في مواضعَ أخر - إن شاء الله تعالى.

     

    الحديث متفق عليه.

    تحميل الملفات :-

جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم