شرح صحيح البخاري ح(501)

إسم الكاتب : أبو الحسن علي الرملي


  • ‌‌بابُ السُّتْرَةِ بِمَكَّةَ وَغَيْرِهَا

    (بابُ) استحبابِ (السُّترةِ) في الصلاة (بِمكةَ وغيرِها).

    لا فرق في حكم السترة بين مكة وغيرها إلا أن بعض العلماء استثنوا المسجدَ الحرامَ للضرورة، للزحام وكثرة الناس مما يتعذر معه اتخاذ السترة ودفع المارة.

    وورد في هذا حديثُ المطلب بن أبي وَدَاعَة أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي مِمَّا يَلِي بَابَ بَنِي سَهْمٍ، وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ سُتْرَةٌ". وهو ضعيف لا يصح. والله أعلم

    قال ابن رجب: "مراد البخاري: أنَّ السُّتْرَةَ تُشرعُ بمكةَ وغيرِها، واستدَلَّ بأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالبَطحاء - وهو أبطح مكة - في حجته إلى عَنزةٍ.

    وقد اختلف العلماءُ في حكم مكة في السترة: هل حكمها كحكم سائر

    البُلدان، أم لا؟ على قولين:

    أحدهما: أن حكمها في سترة الصلاة حكمُ سائر البلدان، وهو اختيار البخاري، وقولُ [........] -يوجد سقط هنا- والشافعي، وحكي روايةً عن أحمد. وروي نحوه عن ابن عمر".

    وخرجه عن ابن عمر وأنس.

    وقال: القول الثاني: أن مكة تجوز الصلاةُ فيها إلى غير سترة، والمرور بين يدي المصلي من غير كراهة في ذلك، وهو قول طاوس وعطاء وأحمد، نص عليه في رواية ابن الحكم وغيرِه.

    وكان محمد بن الحنفية يصلي بمسجد منى، والناس يمرون بين يديه، فجاء فتى من أهله، فجلس بين يديه.

    وروى ابن جريج، عن ابن أبي عمار، قال: رأيت ابن الزبير طاف بالبيت، ثم جاء فصلى، والطواف بينه وبين القبلة.

    قال: تمر بين يديه المرأةُ فينتظرها حتى تمر، ثم يضع جبهته في موضع قدميها.

    واستدل الإمام أحمد بحديث المطلب بن أبي وَدَاعة:

    فخرجه وتكلم عليه، وقال:

    وصلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالأبطح إلى العنزة لا يُعارض حديث المطلب؛ لأن حديث المطلب دل على جواز الصلاة بمكة إلى غير سترة، وحديث أبي جحيفة دل على جواز الصلاة بمكة إلى سترة.

    وقد نص أحمد على أن مكة مخصوصة من بين البلدان بذلك.

    ومن أصحابنا من قال: إن حُكمَ الحرمِ كلِّه كذلك.

    ولو قيل: إن الصلاة إلى غير سترة مختصٌ بالمسجد الحرام وحده دون بقاع مكة والحرم؛ لكان جمعا بين الحديثين متوجها، وكلام القاضي أبي يعلى في كتابه "الجامع الكبير" يدل عليه، وصرح به غيره من أصحابنا.

    وحمل الشافعي حديث المطلب بن أبي وداعة على أن الأمر بالصلاة إلى السترة على الاستحباب دون الوجوب، كما حمل عليه حديثَ ابنِ عباس في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بمنى إلى غير جدار». انتهى

    وقد علمتم أن حديث المطلب ضعيف، فلا يجمع بين ضعيف وصحيح؛ فالضعيف لا يعمل به.

    قال ابن المنذر: " وقال الأوزاعي: رأيت عطاء يصلي بفناء الكعبة ليس بينه وبين الطائفين بالبيت من الرجال والنساء سترة، فقيل للأوزاعي: فالصلاة في غير المسجد الحرام بغير سترة؟ فقال: أخبرني يحيى بن أبي كثير أن من الجفاء أن يصلي بغير سترة". انتهى

    وقال ابن حجر: "والذي أظنه أنه -أي البخاري- أراد أن يَنكُت على -يعني أراد أن يشير إلى- ما ترجم به عبد الرزاق حيث قال في باب لا يقطع الصلاة بمكة شيء، ثم أخرج عن ابن جريج، عن كثير بن كثير بن المطلب، عن أبيه، عن جده قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في المسجد الحرام ليس بينه وبينهم - أي الناس - سترة، وأخرجه من هذا الوجه أيضا أصحاب السنن، ورجاله موثقون إلا أنه معلول، فقد رواه أبو داود، عن أحمد، عن ابن عيينة قال: كان ابن جريج أخبرنا به هكذا، فلقيت كثيرا فقال: ليس من أبي سمعته، ولكن عن بعض أهلي عن جدي.

    فأراد البخاري التنبيه على ضعف هذا الحديث وأن لا فرق بين مكة وغيرها في مشروعية السترة، واستدل على ذلك بحديث أبي جحيفة، وقد قدمنا وجه الدلالة منه.

    وهذا هو المعروف عند الشافعية وأن لا فرق في منع المرور بين يدي المصلي بين مكة وغيرها.

    واغتفر بعض الفقهاء ذلك للطائفين دون غيرهم للضرورة، وعن بعض الحنابلة جواز ذلك في جميع مكة. انتهى

    والخلاصة في قول ابن باز رحمه الله

    قال: "مكة كغيرها يشرع لها السترة، وفي الحرام -أي المسجد الحرام- فيه خلاف.

    وقال: "لا يُحتاج إلى سترة لكثرة الزحام، وكان ابن الزبير يصلي إلى غير سترة والناس يمرون بين يديه".

    قيل للشيخ: ولو مرت امرأة؟

    قال: "لو مرت، فاتِّباع السلف أولى، لو تيسر الصلاة إلى سارية صلى". انتهى

    501 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْهَاجِرَةِ فَصَلَّى بِالْبَطْحَاءِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ وَنَصَبَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةً وَتَوَضَّأَ فَجَعَلَ النَّاسُ يَتَمَسَّحُونَ بِوَضُوئِهِ.

    (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الأزدي الواشحي.

    (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجاج، أبو بسطام.

    (عَنِ الْحَكَمِ) بن عُتيبة الكِندي الكوفي

    (عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ) وهب بن عبد الله السُّوائي رضي الله عنه (قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْهَاجِرَةِ فَصَلَّى بِالْبَطْحَاءِ) أي بطحاء مكة (الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ) جمع بينهما (وَنَصَبَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةً وَتَوَضَّأَ) الواو لمطلق الجمع لا للترتيب، أي توضأ ثم نصب العَنزة فصلى.

    (فَجَعَلَ النَّاسُ يَتَمَسَّحُونَ بِوَضُوئِهِ) عليه الصلاة والسلام؛ أي: بالماء الذي فَضُل منه أو بالماء المتقاطر مِن أعضائه حال التوضؤ.

    وتقدم شرح هذا الحديث فقد كرره البخاري عدة مرات برقم: 187، 376، 495، 499. وسيأتي إن شاء الله في مواضع كثيرة.

    وهو متفق عليه.

     

     

     

    تحميل الملفات :-

جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم