إسم الكاتب : أبو الحسن علي الرملي
بَابُ الصَّلاَةِ إِلَى الأُسْطُوَانَةِ
(بَابُ) استحباب (الصَّلاَةِ إِلَى الأُسْطُوَانَةِ) أي أن تجعل الأُسطوانة سترة لك عند صلاتك.
والأسطوانة هي السارية، أحد أعمدة المسجد.
تسمى اليوم شمعات وأعمدة.
قال صاحب تقويم اللسان: "بضم الألف والطاء. والعامة تكسرها". انتهى
قال ابن حجر: "قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي إِلَى الْحَرْبَةِ، كَانَتِ الصَّلَاةُ إِلَى الْأُسْطُوَانَةِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا أَشَدُّ سُتْرَةً.
قُلْتُ-الكلام لابن حجر-: لَكِنْ أَفَادَ ذِكْرُ ذَلِكَ التَّنْصِيصِ عَلَى وُقُوعِهِ، وَالنَّصُّ أَعْلَى مِنَ الْفَحْوَى". انتهى
وَقَالَ عُمَرُ: «المُصَلُّونَ أَحَقُّ بِالسَّوَارِي مِنَ المُتَحَدِّثِينَ إِلَيْهَا»
(وَقَالَ عُمَرُ) بن الخطاب رضي الله عنه (الْمُصَلُّونَ أَحَقُّ بِالسَّوَارِي) أن يتخذوها سترة (مِنَ الْمُتَحَدِّثِينَ) الذين يجلسون مستندين (إِلَيْهَا) للكلام مع بعضهم؛ لأن المصلين في عبادة، والمساجد بنيت لها أصالة.
قال ابن حجر: "وَوَجْهُ الْأَحَقِّيَّةِ أَنَّهُمَا مُشْتَرِكَانِ فِي الْحَاجَةِ إِلَى السَّارِيَةِ الْمُتَّخَذَةِ إِلَى الِاسْتِنَادِ، وَالْمُصلِّي لِجَعْلِهَا سُتْرَةً، لَكِنَّ الْمُصَلِّيَ فِي عِبَادَةٍ مُحَقَّقَةٍ فَكَانَ أَحَقَّ". انتهى
وصله أبو بكر بن أبي شَيْبَة والحميديُّ، وذكره البخاري في تاريخه عن الحميدي، بإسناد ضعيف، فيه من لا يحتج به.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والسنة في المسجد أن من سبق إلى بقعة لعمل جائز فهو أحق به حتى يقوم منه، لكنْ المصلون أحق بالسواري".
وَرَأَى عُمَرُ: " رَجُلًا يُصَلِّي بَيْنَ أُسْطُوَانَتَيْنِ، فَأَدْنَاهُ إِلَى سَارِيَةٍ، فَقَالَ: صَلِّ إِلَيْهَا.
(وَرَأَى عُمَرُ) بن الخطاب رضي الله عنه، وفي بعض نسخ البخاري: "ورأى ابن عمر" قال ابن حجر: "كذا ثبت في رواية أبي ذر والأَصيلي وغيرهما، وعند بعض الرواة: (ورأى عمر) بحذف ابن، وهو أشبه بالصواب". انتهى
رأى عمر (رَجُلاً يُصَلِّي بَيْنَ أُسْطُوَانَتَيْنِ، فَأَدْنَاهُ) أي قرَّبَه (إِلَى سَارِيَةٍ) هي الأسطوانة (فَقَالَ: صَلِّ إِلَيْهَا).
أخرجه ابن أبي شيبة قال: حدثنا محمد بن يزيد عن أيوب أبي العلاء عن معاوية بن قرة عن أبيه قَالَ: رَآنِي عُمَرُ وَأَنَا أُصَلِّي بَيْنَ أُسْطُوَانَتَيْنِ فَأَخَذَ بِقَفَائِي فَأَدْنَانِي إِلَى سُتْرَةٍ، فَقَالَ: «صَلِّ إِلَيْهَا». وهو صحيح.
قال ابن حجر: "وَعُرِفَ بِذَلِكَ تَسْمِيَةُ الْمُبْهَمِ الْمَذْكُورِ فِي التَّعْلِيقِ".
يعني عرف الرجل الذي رآه عمر يصلي بين الساريتين، وهو والد معاوية: قرة بن إياس المزني صحابي.
وقال: "وَأَرَادَ عُمَرُ بِذَلِكَ أَنْ تَكُونَ صَلَاتُهُ إِلَى سُتْرَةٍ.
وَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ بِإِيرَادِ أَثَرِ عُمَرَ هَذَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِ سَلَمَةَ: "يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَهَا" أَيْ: إِلَيْهَا، وَكَذَا قَوْلُ أَنَسٍ: "يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ" أَيْ: يُصَلُّونَ إِلَيْهَا". انتهى
من مداومة النبي صلى الله عليه وسلم على صلاته إلى سترة إلا نادراً، وكذلك من هذه الآثار عن الصحابة؛ تعلمون حرص النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة على اتخاذها، وأهميتها في الصلاة، فلا يُفرط فيها وإن كانت سنة.
هذا الحديث أيضا من ثلاثيات البخاري، وبنفس الإسناد المتقدم.
(حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن بشير التميمي البَلخي.
قال ابن حجر: "وَقَدْ سَاوَى فِيهِ -أي في هذا الحديث- الْبُخَارِيُّ شَيْخَهُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ". انتهى
فبين الإمام أحمد والنبي صلى الله عليه وسلم كما بين الإمام البخاري والنبي صلى الله عليه وسلم ثلاثةُ رجال.
مع أن الإمام أحمد شيخُ البخاري.
والإمام أحمد ليس من أتباع التابعين، بل هو ممن يروون عنهم، فليس له ثنائيات، أعلى ما له ثلاثيات كالبخاري.
(قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ) أبو خالد الأسلمي، مولى سلمة بن الأكوع.
(قَالَ: كُنْتُ آتِي مَعَ سَلَمَةَ بْنِ) عمرو بن (الأَكْوَعِ) رضي الله عنه (فَيُصَلِّي عِنْدَ الأُسْطُوَانَةِ) أي السارية.
قال ابن رجب: " وهذه الأسطوانة الظاهر أنها من أسطوان المسجد القديم، الَّذِي يسمى الروضة.
وفي الروضة أسطوانتان، كل منهما يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي إليها:
الأسطوانة الْمُخَلَّقَة، وتعرف بأسطوانة المهاجرين؛ لأن أكابرهم كانوا يجلسون إليها ويصلون عندها، وتسمى: أسطوان عائشة.
قال: "وهي الأسطوانة الثالثة من المنبر، والثالثة من القبلة، والثالثة من القبر الشريف، وهي متوسطة في الروضة.
وأسطوانة التوبة، وهي التي رَبطَ فيها أبو لبابة نفسَه حتى تاب اللهُ عليه.
وقال: "وهي الأسطوانة الثانية من القبر الشريف، والثالثة من القبلة، والرابعة من المنبر". انتهى باختصار
وهذه الأسطوانة التي في حديثنا هي (الَّتِي عِنْدَ المُصْحَفِ) الذي كان في المسجد من عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه.
وقال ابن حجر: " هذا دالٌ على أنه كان للمصحفِ موضعٌ خاصٌ به، ووقع عند مسلم بلفظ: "يصلي وراءَ الصندوق"، وكأنه كان للمصحف صندوقٌ يُوضع فيه، والأسطوانة المذكورة حقق لنا بعضُ مشايخنا أنها المتوسطةُ في الروضة المكرمة، وأنها تُعرف بأسطوانة المهاجرين". انتهى باختصار.
قال يزيد: (فَقُلْتُ) لسلمة بن الأكوع (يَا أَبَا مُسْلِمٍ) هي كنيةُ سلمةَ بن الأكوع (أَرَاكَ) أي أُبصُرك (تَتَحَرَّى) تتعمد (الصَّلاَةَ عِنْدَ هَذِهِ الأُسْطُوَانَةِ؟ قَالَ: فَإِنِّي «رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَرَّى) يقصد ويتعمد (الصَّلاَةَ عِنْدَهَا).
في الحديث دليل على أنه لا بأس أن يلزم المصلي مكاناً معيَّناً معلوماً في المسجد يصلي فيه عادة، إذا وجده فارغاً، وأما إذا سبقه إليه غيره للصلاة فالسابق أحقُّ به، وليس له إبعاده عنه.
قال ابن المنذر: من سبق إلى مكان من المسجد فهو أحق به ما دام ثابتًا فيه، فإذا زال عنه زال حقه، إذ ليس أحد أحق به من أحد، قال الله عز وجل: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ}، وقال: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}. انتهى
وحديث النهي عن أَن يُوْطِنَ الرجلُ المكانَ في المسجدِ كما يُوْطِنُ البعيرُ" حديث ضعيف، وهذا الحديث يخالفه.
أي: لا يتخذ مكانا واحدا في المسجد معلوماً، ويجعله مكاناً لصلاته، لا يصلى في سواه.
قال ابن رجب: "وفي الحديث: دليل على أنَّه لا بأس أن يلزم المصلي مكانًا معينًا من المسجد يصلي فيه تطوعًا".
وقال: "وقد ورد النهي عن أن يُوطِنَ الرجلُ له مكانا في المسجد يصلي فيه: من رواية تميم بن محمود، عن عبد الرحمن بن شبل، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نقرةِ الغراب، وافتراشِ السَّبُعِ، وأن يُوطِنَ الرجلُ المكان الذي في المسجد كما يُوطِنُ البعيرُ.
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
وفي إسناده اختلاف كثير.
وتميم بن محمود، قال البخاري: في حديثه نظر.
وقد حمل أصحابُنا حديثَ النهي على الصلاة المفروضة، وحديث الرخصة على الصلاة النافلة.
وكان للإمام أحمد مكانٌ يقومُ فيه في الصلاة المكتوبة خلف الإمام، فتأخر يوماً فنحاه الناس وتركوه، فجاء بعد ذلك فقام في طرف الصف ولم يقم فيه، وقال: قد جاء أنه يكره أن يُوطِنَ الرجلُ مكانه". انتهى
وقال ابن حبان: ذكر البيان بأن الزجز عَنْ إِيطَانِ الْمَرْءِ الْمَكَانَ الْوَاحِدَ فِي الْمَسْجِدِ إِنَّمَا زُجِرَ عَنْهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ وَذِكْرِ اللَّهِ.
ثم أخرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَا يُوْطِنُ الرَّجُلُ الْمَسْجِدَ لِلصَّلَاةِ أَوْ لِذِكْرِ اللَّهِ إِلَّا تَبَشْبَشَ اللَّهُ بِهِ كَمَا يَتَبَشْبَشُ أَهْلُ الْغَائِبِ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ غَائِبُهُمْ".
وهذا منهم جمع بين الأحاديث.
ولا يصار إلى الجمع إلا عند صحة الحديثين، وأما عند ضعف أحدِها فيعمل بالصحيح ويترك الضعيف.
الحديث متفق عليه.
(حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بن عقبة السُّوائي. صدوق، تكلموا في روايته عن سفيان الثوري خاصة؛ فإنه سمع منه وهو صغير؛ فاختلفوا فيها؛ لكن له متابعات عند المصنف وغيره، ومنها: طريق شعبة الآتية.
(قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثوري (عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ) الكوفي الأنصاري. ثقة. تقدم.
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله عنه (قَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُ) وفي نسخة: "لقد أدركت" (كِبَارَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ) يتسارعون ويستبقون إليها (عِنْدَ) أذان (المَغْرِبِ).
قال البخاري: (وَزَادَ شُعْبَةُ) وصله في كتاب الأذان برقم 599 (عَنْ عَمْرٍو) بن عامر الأنصاري (عَنْ أَنَسٍ) قال: (حَتَّى) وفي رواية: "حين" (يَخْرُجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
لفظه هناك: "كَانَ الْمُؤَذِّنُ إِذَا أَذَّنَ، قَامَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ، حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَهُمْ كَذَلِكَ، يُصَلُّونَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ شَيْءٌ.
قَالَ عُثْمَانُ بْنُ جَبَلَةَ، وَأَبُو دَاوُدَ، عَنْ شُعْبَةَ: لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّا قَلِيلٌ". انتهى
قال ابن رجب: "وخرَّج مسلمٌ مِن رواية عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، قال: "كنا بالمدينة، فإذا أذَّن المؤذنُ لصلاة المغرب ابتَدَرُوا السواري، فركعوا ركعتين، حتى إن الرجلَ الغريبَ ليدخلُ المسجدَ فيحسِبُ أن الصلاةَ قد صُليت مِن كثرة مَن يُصلِّيهما".
فهذا الحديث: يدل على أن عادة أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في زمنه كان التنفلُ إلى السواري قبل الصلاةِ المكتوبةِ وبعدها، بخلاف الصلاة المكتوبة فإنهم كانوا يصلونها صفوفاً صفوفاً، ولا يعتبرون لها سُترةً، بل يكتفون بسترة إمامهم". انتهى
الحديث متفق عليه
جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم