إسم الكاتب : أبو الحسن علي الرملي
بَابُ الصَّلاَةِ إِلَى الرَّاحِلَةِ، وَالبَعِيرِ وَالشَّجَرِ وَالرَّحْلِ
(بابُ) جواز (الصَّلاةِ إلى) جهة (الرَّاحِلَةِ) أي والراحلة أمامه.
في كتاب العين: "الرّاحِلةُ: المَرْكَب مِن الإبل ذكرا كان أو أنثى".
وقَالَ الْجَوْهَرِيُّ في الصحاح: " والراحِلَةُ: الناقةُ التي تَصلُح لأن تُرْحَلَ. وكذلك الرَّحُولُ. ويقال: الراحِلَةُ: المَرْكَبُ من الإبل، ذكراً كان أو أنثى ".
وَقَالَ أبو منصور في تهذيب اللغة: " قَالَ ابْن قُتَيْبَةَ: الرَّاحِلَةُ هِيَ الناقةُ يختارُهَا الرَّجُلُ لمَرْكَبِه ورَحْلِه على النجابَةِ وتَمَامِ الخَلْق وحُسْنِ المَنْظَرِ، وَإِذا كَانَت فِي جَماعةِ الْإِبِل تبيَّنَتْ وعُرِفَتْ.
وقال أبو منصور: "قلت: غَلِطَ ابنُ قُتيْبَةَ فِي شَيْئَيْنِ فِي تَفْسِير هَذَا الحَدِيث:
أحَدُهما أَنَّهُ جعَل الراحلَةَ النَّاقَةَ، وَلَيْسَ الجملُ عِنْده رَاحِلَة.
والراحلةُ عِنْد العربِ كلُّ بعيرٍ نجيبٍ جوادٍ، سواءٌ كَانَ ذكرا أَو أُنْثى، وَلَيْسَت الناقةُ أَوْلَى باسْمِ الراحلةِ من الجملِ، تَقول العربُ للجمَلِ إِذا كَانَ نجيباً: راحلةٌ، وَجمعه رواحلُ، وَدخُول الْهَاء فِي الراحلةِ للْمُبَالَغَة فِي الصفَةِ، كَمَا يُقالُ: رَجلٌ داهيةٌ وباقِعَةٌ وعَلَاّمَةٌ ". انتهى باختصار.
(و) إلى جهة (البَعيرِ) والبعير من الإبل ما دخل في الخامسة.
وَفِي الصّحاح: "والبَعِيرُ من الإِبل بمَنْزِلَةِ الإِنْسَانِ مِنَ النّاس، يُقَال: الجَمَلُ بَعِيرٌ، والناقَةُ بَعِيرٌ، قَالَ: وإِنّمَا يُقَال لَهُ بَعِيرٌ، إِذا أَجْذَعَ".
أي دخل في السنة الخامسة.
وقال: "يُقَال: رأَيتُ بَعِيراً مِن بَعِيدٍ، وَلَا يُبَالي ذَكَراً كَانَ أَو أُنْثَى".
قال صاحب المصباح: "البعير: مثل الإنسان يقع على الذكر والأنثى، يقال حَلَبتُ بعيري، والجمل بمنزلة الرجل يختص بالذكر، والناقة بمنزلة المرأة تختص بالأنثى، وَالْبَكْرُ وَالْبَكْرَةُ مثل: الفتى والفتاة، وَالْقَلُوصُ كالجارية، هكذا حكاه جماعةٌ، منهم: ابن السكيت والأزهري وابن جني.
ثم قال الأزهري: هذا كلام العرب، ولكن لا يعرفه إلا خواصُّ أهل العلم باللغة". انتهى
(و) إلى جهة (الشَّجَرِ، و) إلى جهة (الرَّحْلِ) الرحل للإبل: كالسرج للخيل، مَا يوضع على ظهر الْبَعِير للرُّكُوب عليه، ويكون في آخره عود يستند إليه الراكب، وهو المقصود بمؤخرة الرحل.
مقصود البخاري أن هذه الأشياء كلَّها يجوز الاستتار بها في الصلاة.
قال ابن بطال: "هذه الأشياءُ كلُّها جائز الاستتار بها، والصلاة إليها، وكذلك تجوز الصلاة إلى كل شيء طاهر". انتهى
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) ابن مقدم (المُقَدَّمِيُّ).
(حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) بن سليمان.
(عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) العمري.
(عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر.
(عَنِ) عبد الله (ابْنِ عُمَرَ) ابن الخطاب رضي الله عنهما (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ «كَانَ يُعَرِّضُ) أي يجعلها تجلس بالعرض، وفي رواية "يَعْرُض" (رَاحِلَتَهُ، فَيُصَلِّي إِلَيْهَا») وعند مسلم: عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم «كَانَ يُصَلِّي إِلَى رَاحِلَتِهِ». وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: "إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى إِلَى بَعِيرٍ".
(قُلْتُ أَفَرَأَيْتَ) مَن القائل قلت أفرأيت..؟ قال البيهقي: وقوله: "أفرأيت.." من قول عبيد الله لنافع.
أخبرنا أبو عمرو الأديب، أنبأ أبو بكر الإسماعيلي، أنبأ يوسف بن يعقوب الحمادي.. فذكر الحديث نحوَ حديث المقرئ.
قال الشيخ أبو بكر -يعني الإسماعيلي-: يشبه أن يكون قوله: " أفرأيت " من كلام عبيد الله لنافع لا من كلام نافع لعبد الله، وَذَلِكَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مُوسَى وَالْقَاسِمَ بْنَ زَكَرِيَّا أَخْبَرَانِي قَالَا: ثنا خَلَّادُ بْنُ أَسْلَمَ ثنا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي فَيُعَرِّضُ الْبَعِيرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ " قَالَ الْقَاسِمُ فِي حَدِيثِهِ قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: سَأَلْتُ نَافِعًا إِذَا ذَهَبَتِ الْإِبِلُ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ قَالَ: " كَانَ يُعَرِّضُ مُؤَخِّرَةَ الرَّحْلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ ". انتهى
قال ابن حجر: " ظاهره أنه كلامُ نافعٍ، والمسؤول ابنُ عمر، لكنْ بين الإسماعيليُّ من طريق عَبيدة بن حميد، عن عبيد الله بن عمر أنه كلامُ عبيدِ الله والمسؤول نافع، فعلى هذا هو مرسل؛ لأن فاعل "يأخذ" هو النبي صلى الله عليه وسلم ولم يدركه نافع ". انتهى
(أَفَرَأَيْتَ إِذَا هَبَّتِ الرِّكَابُ؟)
قال ابن رجب: "وقوله "هبت الركاب"، معناه: قامت الإبل للسير.
قاله الهروي وغيره.
ويقال للنائم إذا قام من نومه: هب من منامه.
والمراد إذا لم يكن عنده إبل باركة يستتر بها.
وقال الخطابي: هبت أي هاجت، يقال: هبَّ الفحلُ هَبِيباً إذا هاج.
قال: يريد، أن الإبل إذا هاجت لم تهدأ، ولم تقر، فتفسِدُ على المصلي إليها صلاته.
وهذا الذي قاله في غاية البعد، وان كان مُحتمَلا في اللفظ، فليس هو المراد في الحديث".
قال الإثيوبي: «عندي أنه لا بُعد فيما قاله الخطّابيّ، وهو الذي اعتمده الحافظ في "الفتح"، والعينيّ في "العمدة"، فتأمّله، واللَّه تعالى أعلم»
(قَالَ) نافع («كَانَ) عليه الصلاة والسلام (يَأْخُذُ هَذَا الرَّحْلَ) رحل البعير، هو: ما على ظهره مما يركب عليه (فَيُعَدِّلُهُ) من التعديل، وهو تقويم الشيء، وضبَطَه الحافظ ابن حجر وغيرُه بفتح أوله وسكون العين وكسر الدال- يَعْدِلُه- أي يقيمه تلقاء وجهه (فَيُصَلِّي إِلَى آخِرَتِهِ - أَوْ قَالَ مُؤَخَّرِهِ -») وهي الخشبة التي يستند إليها الراكب (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَفْعَلُهُ) أي ما ذكر من التعديل والتعريض.
بوب الترمذي: "بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ إِلَى الرَّاحِلَةِ" وخرج هذا الحديث، وقال: "وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَا يَرَوْنَ بِالصَّلَاةِ إِلَى الْبَعِيرِ بَأْسًا أَنْ يَسْتَتِرَ بِهِ".
قال ابن رجب: "قد ذكرنا في "باب: الصلاة في مواضع الإبل" يعني رقم 430، الاختلاف في رفع هذا الحديث ووقفه، وحكم الاستتار بالبعير في الصلاة.
وقال: "وقد تبين بهذا الحديث الذي ذكره البخاري في صحيحه جوازُ الاستتار بالراحلة وبالبعير، سواء كان مُرتَحلاً أو غيرَ مرتَحل، اللهم إلا أن يكون غير المرتَحل هائجاً، فيُخشى من هيجانه إفسادُ الصلاة على من يصلي إليه كما ذكره الخطابي.
وجواز الاستتار برَحْل الراحلة.
وأما الشجر، فذكره البخاري في تبويبه، ولم يذكر فيه شيئاً، وهو مأخوذ من الاستتار بالرحل؛ فإن الرحل خشب، والخشب مأخوذ من الشجر، فإذا ثبت جوازُ الاستتار في الصلاة بالخشب دلَّ على جواز الاستتار بالشجر قبل قَطعِه.
وفيه حديث ليس على شرط البخاري.
فذكر حديث علي، قال: لقد رأيتُنا ليلةَ بدر، وما فينا إنسانٌ ألا نائمٌ، إلا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يصلي إلى شجرة، ويدعو حتى أصبح.
أخرجه أحمد والنسائي وغيرهما وبين ضعفه.
وضَعْف حديث سعيد بن غَزْوان، عن أبيه:
أنه نزلَ بتبوكَ وهو حاجٌّ فإذا برجلٍ مُقعَدٍ، فسأله عن أمرِه، فقال: سأُحَدثُكَ حديثاً فلا تُحدث به ما سمعتَ أني حيٌّ، إنَ رسولَ الله- صلى الله عليه وسلم نزلَ بتبوكَ الى نخلةٍ فقال: "هذه قِبلتُنا" ثم صلى إليها، فأقبَلتُ وأنا غُلامٌ أسعى حتى مَرَرتُ بينه وبينها، فقال: "قطعَ صلاتَنا، قطعَ الله أثَرَه" فما قمتُ عليها إلى يومي هذا.
أخرجه أبو داود.
قال بعض الشراح: "ووجه مناسبة الحديث لما في الترجمة من البعير والشجر: أنه ألحق البعير بالراحلة للمعنى الجامع بينهما، والشجر بالرَّحْل بطريق الأولى".
وقال الخطابي: وفي الحديث: دليل على جواز السترة بما يثبت من الحيوان، انتهى. والله أعلم
الحديث متفق عليه
جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم