إسم الكاتب : أبو الحسن علي الرملي
بَابٌ: يَرُدُّ المُصَلِّي مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ
هذا (بَابٌ: يَرُدُّ المُصَلِّي مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ) أمامه، سواء كان المارّ آدميًّا أو غيره.
يعني يمنعه من المرور أمامه وهو يصلي.
قال ابن حزم: "وَاتَّفَقُوا على كَرَاهِيَة الْمُرُور بَين الْمُصَلِّي وسترته، وأنَّ فَاعلَ ذَلِك آثمٌ". وستأتي هذه المسألة في الباب التالي.
قال ابن قدامة في المغني: "وإن أرادَ أحدٌ المُرُورَ بينَ يَدَىِ المُصَلِّي، فله مَنْعُه في قولِ أَكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم ابنُ مسعودٍ، وابنُ عمرَ، وسالم.
وهو قولُ الشَّافِعِيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْي. ولا أعْلَمُ فيه خِلَافًا، والأصْلُ فيه ما رَوَى أبو سَعِيدٍ.." فذكر حديث الباب.
وقال قوام السنة الأصبهاني: "اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى دَفْعِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي إِذَا صَلَّى إِلَى سُتْرَةٍ".
يعني أنه مشروع، وهل هو واجب أم مستحب؟
اختلف العلماء في هذا:
قال ابن رجب: وقول النبي صلى الله عليه وسلم "إذا كان أحدُكم يصلي فلا يدعْ أحدا يمر بين يديه، وليدرأه ما استطاع".
أمر بدفع المار، ونهي عن تمكينه من المرور، وظاهره الوجوب.
وقد وقع في كلام ابن عبد البر ما يقتضيه، وأنه لا يعلم فيه خلافًا.
ووقع في كلامه - أيضا - ما يقتضي أنه على الندب دون الوجوب، وهو قول كثير من أصحابنا، والشافعية وغيرِهم.
وقال: "وفي كلام بعض المالكية ما يقتضي وجوب الدفع، إذا كان للمارِّ مندوحةً عنه، وكان المصلي قد تعرض لذلك في ابتداء صلاته". انتهى
وأما النووي فقال: " وهو ندب متأكد ولا أعلم أحدًا من العلماء أوجبه، بل صرح أصحابنا وغيرُهم بأنه مندوب غير واجب". انتهى
قال ابن حجر: "وقد صرح بوجوبه أهل الظاهر، فكأن الشيخ لم يراجع كلامهم فيه أو لم يعتد بخلافهم".
قال ابن عثيمين:
فالمذهب: أن الرَّدَّ سُنَّة، أي: يُسَنُّ للمُصلِّي، ويُطلب منه شرعاً أن يردَّ المارَّ بين يديه.
ودليل ذلك: أمرُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بهذا؛ حيث قال: «إذا صَلَّى أحدُكم إلى شيء يستره مِن الناس، فأرادَ أحدٌ أن يجتاز بين يديه؛ فَلْيَدْفَعْهُ، فإن أبى فَلْيُقَاتِلْهُ فإنَّما هُو شيطان» فأمر بِدَفْعِهِ، وأقلُّ أحوال الأمر الاستحباب.
وقال أيضاً: «إذا كان أحدُكم يصلِّي، فلا يدعْ أحداً يمرُّ بين يديه، فإن أبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فإنَّ معه القَرِينَ».
وعن الإمام أحمد رحمه الله رواية ثالثة: أنَّ رَدَّ المارِّ واجب، فإن لم يفعل فهو آثم، ولا فَرْقَ بين ما يقطعُ الصَّلاةَ مرورُه، أو لا يقطع.
واستدلُّوا لهذا بقوله صلى الله عليه وسلم: «فليدفعه»، والأصلُ في الأمر الوجوب.
ويقوِّي الوجوب: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «فإن أبى فَلْيُقَاتِلْهُ» وأصلُ مقاتلةِ المسلم حرامٌ، لقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «سِبابُ المسلم فُسُوق، وقتاله كُفْرٌ».
لكن من المعلوم أن المراد بالمقاتلة في رَدِّ المَارِّ الدَّفْع بشدة، لا أن تقتله بسلاح معك، أي: ليس قَتْلاً، ولكن مقاتلة، ومقاتلة كل شيء بحسبه، وحتى المقاتلة التي لا تؤدِّي إلى قتل هي حرام بالنسبة للمسلم مع أخيه إلا إذا وُجِدَ ما يسوِّغها.
قالوا: ولا يؤمر بما أصله الحرام إلا لتحصيل واجب، فلا يُؤمر بالقتال إلا إذا كان الدَّفْعُ واجباً؛ لأنه لا يبيح المُحَرَّم إلا الشيء الواجب.
وقالوا أيضاً: في هذا فائدة وهي تعزير المعتدي؛ لأن المَارَّ بين يديك معتدٍ عليك، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «فإنَّما هو شيطان» وفي لفظ: «فإن معه القَرِينَ» أي: أنَّ الشيطان يأمره، ورَدْعُ المعتدي أمْرٌ واجب.
وقالوا أيضاً: إنَّ فيه إحياء قلوب الغافلين؛ لأن كثيراً مِن النَّاسِ يمشي في المسجد وعيناه في السَّماءِ، ولا يبالي أكان الذي بين يديه مصلِّين أو غير مصلِّين، فإذا رَدَدتَهُ نبَّهتَه فيكون بذلك تنبيهاً للغافلين.
وهذه الرواية عن أحمد كما ترى دليلُها الأثريُّ والنظريُّ قويان".
وذكر احتمالات أخرى وتفصيلات.
الرواية الثالثة عن أحمد هي الصحيحة لقوة دليلها، ففيه أمر بالدفع والمقاتلة، ولم أجد صارفاً صحيحا عند من حمله على الاستحباب. والله أعلم
وهل الدفع فقط لمن اتخذ سترة أم مطلقاً؟
قال ابن رجب: "وفي رواية سليمان بن المغيرة المخرجة في "الصحيحين": "إذا كان أحدُكم يصلي إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحدٌ أن يَمُر بين يديه، فليدفعه"؛ دليلٌ مِن قِبَلِ مفهوم الشرط على أن مَن صلى إلى غير سترة فلا يَردُّ مَن مر بين يديه، وهو قول ابن المنذر وبعضِ أصحابنا.
وأما أكثر أصحابنا فعندهم: أن رد المصلي لا يَختص بمَن كان يصلي إلى سترة، بل يشترك فيه مَن صلى إلى سترة ومَن صلى إلى غير سترة ومر بقربه مارٌّ.
واستدلوا بعموم الأحاديث التي لَمْ يُذكر فيها هذا الشرط، وجعلوا هذه الروايةَ المذكورَ فيها الشرطُ؛ مِن باب تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر، فلا يقتضي تخصيصَه، إلا أن يكون له مفهوم، فيُبنى على أنه: هل يُخص العمومُ بالمفهوم، أم لا؟
وأما الشافعية، فقالوا: يحرم المرورُ بين يدي المصلي إلى سترة وبين سترته على الصحيح عندهم، ومَن صلى إلى غير سترة كُره المرور بين يديه، ولم يَحرم.
وهل يدفعه المصلي؟ لهم فيه وجهان: أصحها عندهم: لا يدفعه؛ لمفهوم قوله: "إذا كان أحدكم يصلي إلى سترة". انتهى
وإذا مر وتجاوزه هل يرده أم يتركه وقد مر وانتهى؟
قال ابن المنذر: وقد اختلف أهل العلم في رد المصلي من مر بين يديه من حيث جاء؛ فرخص قوم في رده إذا مر. روي هذا القول عن عبد الله بن مسعود، وكذلك فعله سالم، وروي هذا عن الحسن البصري.
وقال آخرون: لا يرده بعد أن جاز كذلك قال الشعبي، والثوري، وإسحاق بن راهويه.
وكذلك نقول؛ لأن رجوعه من حيث جاء مرورًا ثانيًا بين يدي المصلي، وليس لذلك وجه.
قال ابن رجب: "وروي أبو نعيم: ثنا سفيان، عن داود، عن الشعبي، قال: إذا مر الرجل بين يديك وأنت تصلي فلا ترده.
ولعله أراد إذا مر وذهب من بين يديه إلى الناحية الأخرى، فإنه لا يرده مِن حيث جاء، فإنه يصير مرورا ثانيا.
وهذا -يعني ردَّه بعد أن مر وذهب- قولُ الجمهور، وخالف فيه بعض السلف، منهم ابن مسعود وسالم". انتهى
الصحيح ما ذهب إليه الشافعية: أن الدفع مأمور به إذا اتخذ سترة، أما إذا لم يتخذها فلا يدفع، فالعموم يُخصَّص بالمفهوم إذا كان المفهوم مما يُحتج به كما في هذه المسألة، وقد تقدمت مسألة تخصيص العموم بالمفهوم معكم في أصول الفقه.
وظاهر الأدلة الوجوب في هذه الحالة.
قال بعض السلف رضي الله عنهم: "إِن الصَّلَاة لَا يقطعهَا شَيْء، وَلكنه أَذًى، فادرؤوا الْأَذَى عَنْكُم مَا اسْتَطَعْتُم".
وقال ابن قدامة: "والنَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم إنَّما أمَرَ بِرَدِّه ودَفْعِه حِفظًا لِلصَّلَاةِ عمَّا يُنْقِصُها".
وقد ذكر الطبري الكثير من الآثار في أحكام السترة في تهذيب الآثار.
ولا يرده إذا مر بين يديه وتجاوَزه لأنه مرور آخر. والله أعلم
وَرَدَّ ابْنُ عُمَرَ: فِي التَّشَهُّدِ، وَفِي الكَعْبَةِ، وَقَالَ: «إِنْ أَبَى إِلَّا أَنْ تُقَاتِلَهُ فَقَاتِلْهُ»
(وَرَدَّ) عبد الله (ابْنُ عُمَرَ) بن الخطاب رضي الله عنه المارّ بين يديه، وهو في صلاته (فِي) حال (التَّشَهُّدِ، وَ) ردَّه أيضًا وهو يصلي (فِي الكَعْبَةِ).
وفي بعض النسخ: "وفي الركعة"، بدل "الكعبة".
في التشهد أخرجه عبد الرزاق عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: "ذَهَبْتُ أَمُرُّ بَيْنَ يَدَيِ ابْنِ عُمَرَ، وَهُوَ جَالِسٌ يُصَلِّي، قَالَ: فَانْتَهَرَنِي، وَكَانَ شَدِيدًا عَلَى مَنْ يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ". وهو صحيح.
وأخرجه أبو نعيم في كتاب الصلاة كما في تغليق التعليق وفتح الباري لابن رجب والتوضيح لابن الملقن: من طريق فطر بن خليفة عن عمرو بن دينار قال: مررت بابن عمر بعدما جلس في آخر صلاته حتى أنظرَ ما يصنعُ، فارتفع عن مكانه فدفع في صدري".
وفي الكعبة أخرجه البغوي في مسند ابن الجعد وأبو زرعة الدمشقي وابن عساكر في تاريخ دمشق عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: «رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يُصَلِّي فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ فَكَانَ لَا يَدَعُ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِذَا مَرَّ رَجُلٌ جَذَبَهُ حَتَّى يَرُدَّهُ». وهو صحيح
قال ابن حجر: "وتخصيص الكعبة بالذكر لئلا يتخيل أنه يغتفر فيها المرور لكونها محل المزاحمة".
(وَقَالَ) أي ابن عمر رضي الله عنهما («إِنْ أَبَى) امتنع المارّ عن التوقف عن المرور (إِلَّا أَنْ تُقَاتِلَهُ) حتى يرجع (فَقَاتِلْهُ»).
أخرجه عبد الرزاق عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَا تَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ وَأَنْتَ تُصلِّي، فَإِنْ أَبَى إِلَّا أَنْ تُقَاتِلَهُ فَقَاتِلْهُ. وسنده ضعيف لضعف عبد الله بن عمر وهو العمري المكبر.
وفي تغليق التعليق وفتح الباري لابن رجب: عبيد الله فإن كان هو فهو صحيح فعبيد الله ثقة.
وسيأتي معنى المقاتلة في الحديث.
وهذا يدل على أن المدافعة تكون حتى وهو جالس، وفي مكة وغيرها.
(حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) المُقعد، عبد الله بن عمرو المِنقري. ثقة ثبت، من أثبت الناس في عبد الوارث بن سعيد. تقدم
(قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيد العنبري مولاهم البصري.
(قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ) بن عُبيد بن دينار العَبدي البصري.
(عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلاَلٍ) بن هُبيرة العَدَوي، أبو نصر البصري، تابعي، ثقة عالم، كان ابن سيرين لا يرضاه لدخوله في عمل السلطان. روى له الجماعة.
(عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السمَّان.
(أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ) الخدريّ رضي الله عنه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)
(ح) تحويل السند، والبدء بسند جديد (وَحَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) العسقلاني.
(قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ المُغِيرَةِ) القيسيُّ البصري. ثقة ثبت. تقدم في الحديث رقم 63، أخرج له البخاري مقروناً وتعليقاً.
قال ابن رجب: "سليمان بن المغيرة، لم يخرج له البخاري إلا هذا الحديث متابعةً لحديث يونس بنِ عبيد، وإنما خرجه بعد إسناد حديث يونس؛ لما فيه من الزيادة في إسناده ومتنه.
أما في إسناده، ففيه: التصريح بسماع حُميد له من أبي صالح، وسماعِ أبي صالح له من أبي سعيد.
وأما في المتن، فإن فيه: ذِكرُ الصلاة إلى السترة، وليس هو في حديث يونس...".
وقال: وحينئذ؛ فلفظ الحديث الذي ساقه البخاريُّ لسليمان بن المغيرة، وحَمَل حديثَ يونسَ عليه، ولم يُنبِّه على ما في حديث سليمان مِن الزيادة. وقد نبه على ذلك الإسماعيلي". انتهى
وقوله "لم يخرج له البخاري إلا هذا الحديث" لعله يعني موصولا، فقد ذكر أبو مسعود وغيرُه أن البخاري لم يخرج لسليمان بن المغيرة شيئا موصولا إلا هذا الحديث. قاله الحافظ.
قال ابن حجر: "وقد قرن البخاري روايته -يعني رواية يونس- برواية سليمان بن المغيرة، وتبين من إيراده أن القصة المذكورة في رواية سليمان لا في رواية يونس، ولفظ المتن الذي ساقه هنا هو لفظ سليمان أيضا لا لفظ يونس". انتهى
(قَالَ) سليمان (حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلاَلٍ العَدَوِيُّ) وفي حميد يلتقي الإسنادان، فيرويه يونس بالعنعنة، وسليمان بالتصريح بالتحديث كلاهما عن حميد.
(قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ، قَالَ) أبو صالح (رَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ) رضي الله عنه (فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ يُصَلِّي إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ) يعني يصلي إلى سترة (فَأَرَادَ شَابٌّ مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ) وأبو معيط من بني أمية، واختلفوا في ابنه هذا، فقيل: هو الوليد بن عقبة بن أبي معيط كما خرّجه أبو نعيم شيخ المؤلّف في كتاب الصلاة، وقيل غير ذلك.
قال ابن رجب: "وتسمية المارِ "الوليد بن عقبة"؛ غريب غير محفوظ".
أراد هذا الشاب (أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ) أي أن يمر بين أبي سعيد وبين سترته وهو يصلي (فَدَفَعَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدري رضي الله عنه (فِي صَدْرِهِ، فَنَظَرَ الشَّابُّ) لعله يجد طريقا آخر يمر منه (فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا) أي طريقا يمكنه المرور فيه (إِلَّا بَيْنَ يَدَيْهِ) إلا من أمام أبي سعيد (فَعَادَ لِيَجْتَازَ، فَدَفَعَهُ أَبُو سَعِيدٍ أَشَدَّ مِنَ) الدفعة (الأُولَى، فَنَالَ) الشاب (مِنْ أَبِي سَعِيدٍ) أي أصاب من عرضه بالشتم (ثُمَّ دَخَلَ) الشاب (عَلَى مَرْوَانَ) بن الحكم الأموي (فَشَكَا إِلَيْهِ مَا لَقِيَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَدَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ خَلْفَهُ عَلَى مَرْوَانَ، فَقَالَ) مروان لأبي سعيد: (مَا لَكَ وَلِابْنِ أَخِيكَ) أي في الإسلام (يَا أَبَا سَعِيدٍ؟) لماذا دفعته ومنعته من المرور؟
قال الشراح: هذا يدل على أن المار ليس هو الوليد بن عقبة؛ لأن أباه عقبة قتل كافرًا.
(قَالَ) أبو سعيد رضي الله عنه (سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ) يعني إذا صلى واتخذ سترة في صلاته تمنع الناس من المرور أمامه (فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ) يمر أمامه، بينه وبين سترته (فَلْيَدْفَعْهُ) كما فعل أبو سعيد الخدري دفع المار بيده في صدره (فَإِنْ أَبَى) امتنع إلا أن يمر (فَلْيُقَاتِلْهُ) أي يدفعه دفعاً عنيفاً كما فعل أبو سعيد الخدري، فقد فسر أبو سعيد حديث النبي صلى الله عليه وسلم بفعله، وراوي الحديث أدرى بمرويه.
ونقل البيهقي عن الشافعي رحمهما الله تعالى أن المراد بالمقاتلة دفعٌ أشدُّ من الدفع الأول.
قال ابن عبد البر في التمهيد: "فالمُقاتلةُ هنا المُدافعةُ، وأظنُّه كلامًا خرَج على التَّغْليظ، ولكلِّ شيءٍ حَدٌّ.
وأجمَعوا أنّه لا يُقاتِلُه بسَيْفٍ، ولا يُخاطبُه، ولا يَبلُغُ منه مَبلغًا تَفْسُدُ به صلاتُه، فيكونَ فعلُه ذلك أضرَّ عليه من مرورِ المارِّ بين يَدَيهِ.
وما أظُنُّ أحدًا يبلُغُ بنفسِه إذا جهِل أو نسيَ فمرَّ بين يَدَيْ مصلٍّ، إلى أكثرَ من الدَّفع، وفي إجماعِهم على ما ذكَرنا ما يُبيِّنُ لكَ المرادَ من الحديث". انتهى
لو أن ابن عبد البر أدرك زماننا ورأى ما يفعله الناس عند مدافعتهم وأنت في الصلاة؛ لاستبعد ظنَّه هذا.
وقال الشافعية: يرده بأسهل الوجوه، فإن أبى فبأشد، ولو أدّى إلى قتله فقتله فلا شيء عليه؛ لأن الشّارع أباح له مقاتلتَه، والمقاتلةُ المباحةُ لا ضمان فيها، وليس المراد المقاتلةُ بالسلاح ولا بالمشي إليه، بل والمصلي بمحلِّه بحيث تنالُه يدُه ولا يكون عملُه في مدافعته كثيرًا". انتهى
وهذا قول جيد، وليس المرادُ تعمدَ قتله، بل لو حصل ومات بسبب مدافعته له ومقاتلته؛ فلا شيء على المصلي الذي دفعه؛ لأنه فعل ما يجوز له فعلُه شرعاً.
الخلاصة يدفعه بالأسهل فالأشد، ولا يصل به ذلك إلى فعل ما يُبطل صلاتَه مِن عراك وكلام وقتل ومشي كثير وما شابه؛ لأن المراد المحافظةُ على صحتها وتمامها؛ فلا يفعل ما يؤدي إلى ضدهما.
(فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ) قال ابن رجب: "تعليل للإذن في قتاله". انتهى
أي لماذا أُذن في قتاله؛ لأنه شيطان.
وقال: "وقد اختُلف في معناه:
فقيل: المعنى: أن معه الشيطان المقترِن به، وهو يأمره بذلك.
وهو اختيار أبي حاتم وغيرِه.
ويدل عليه: حديث ابن عمر: "فإن معه القرين".
وقيل: المراد: أن فِعلَه هذا فعلُ الشيطان، فهو بذلك مِن شياطين الإنس، وهو اختيار الجوزجاني وغيرِه.
وروى الدراوردي، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، أنه كان يصلي ومر بين يديه ابنٌ لمروان، فضربه، فقال مروان: ضربت ابن أخيك؟ فقال: ما ضربت إلا شيطانا؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أبى فرده، فإن أبى فقاتله؛ فإنما هو شيطان"
وبكل حال؛ فيُستدلُّ به على تحريمِ المرورِ بين المصلي وسترته؛ لأنه جعله مِن عملِ الشياطين، وأمر بالعقوبة عليه، وذلك من أدلة التحريم". انتهى
قال ابن بطَّال: "قال بعض الفقهاء: واتفق العلماء على دفع المارَ بين يدي المصلّي إذا صلى إلى سترة، وليس له إذا صلى إلى غير سترة أن يدفع من مَرَّ بين يديه؛ لأن الرسول جعل ما بينه وبين السترة من حقه الذي يجب له منعه ما دام مصليًا، فأما إذا صلى إلى غير سترة، فليس له أن يدرأ أحدًا؛ لأن التصرف والمشي مباح لغيره في ذلك الموضع الذي يصلي فيه وهو وغيره سواء، فلم يستحق أن يمنع شيئًا منه إلا ما قام الدليل عليه، وهو السترة التي وردت السنة بمنعها.
وقال مالك: لا يرده وهو ساجد فإنما استحق المقاتَلة؛ لأنه لا عذر له بعد أن جعل له عَلَمًا يمر من ورائه".
ثم ذكر الخلاف في المشي لدفع المارِّ بين يديه.
وحكى ابن عبد البر عن أشهب، أنه قال: يرده بإشارة، ولا يمشي إليه؛ لأن مشيَه إليه أشدُّ مِن مروره بين يديه، فإن فعل لم تبطل صلاته إذا لم يكن عملا كثيرا". انتهى
بل يمشي الخطوة والخطوتين لا بأس، وقد ثبت مشي النبي صلى الله عليه وسلم بهذا القدر تقريباً في صلاته كما تقدم، فيمشي لدفعه هذا القدر.
أما المشي الكثير فقال ابن عبد البر: "إن كان مشيًا كثيرًا فَسدَتْ صلاتُه، واللهُ أعلمُ. وإنّما ينبغي له أن يَمنَعَه ويَدرَأه منعًا لا يشتغل به عن صلاتِه، فإن غلَبَه فلْيَدَعْهُ يَبوءُ بإثْمِه؛ لأنّ الأصلَ في مُرُورِه أنّه لا يقْطَعُ على المُصلِّي صلاتَه". انتهى
قال ابن قدامة: " والمرور بين يدى المصلي يُنقِص الصلاة ولا يقطعها. قال أحمد: يضع من صلاته، ولكن لا يقطعها.
وروي عن ابن مسعود: أن ممرَّ الرجلِ ليضعُ نصفَ الصلاة.
وكان عبد الله إذا مر بين يديه رجلٌ التزمه حتى يرده. رواه البخاري بإسناده.
قال القاضي: ينبغى أن يُحمل نقصُ الصلاة على مَن أمكنه الردُّ فلم يفعلْه، أما إذا ردَّ فلم يمكنْه الردُّ فصلاته تامة؛ لأنه لم يوجد منه ما يُنقصُ الصلاةَ، فلا يؤثر فيها ذنبُ غيره". انتهى
ذكر ابن عبد البر في التمهيد (3/ 282- بشار) والاستذكار عند شرح هذا الحديث الكثيرَ من أحكام السترة التي تقدمت وغيرَها.
قال ابن بطال: في هذا الحديث جواز إطلاقِ لفظِ الشيطانِ على مَن يَفتِنُ في الدين، وأن الحكم للمعاني دون الأسماء، لاستحالة أن يصير المارُّ شيطانا بمجرد مروره. انتهى.
الحديث متفق عليه
جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم