إسم الكاتب : أبو الحسن علي الرملي
بَابُ إِثْمِ المَارِّ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي
أي هذا (بَابُ) بيان (إِثْمِ المَارِّ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي) أي بيان إثمه.
الإثم والذنب والمعصية بمعنى واحد.
قال في الصحاح: الإثم: الذنب.
وقال ابن فارس: الْهَمْزَةُ وَالثَّاءُ وَالْمِيمُ تَدُلُّ عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ: الْبُطْءُ وَالتَّأَخُّرُ. يُقَالُ: نَاقَةٌ آثِمَةٌ، أَيْ: مُتَأَخِّرَةٌ.
وقال: "وَالْإِثْمُ مُشْتَقٌّ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَا الْإِثْمِ بَطِيءٌ عَنِ الْخَيْرِ مُتَأَخِّرٌ عَنْهُ". انتهى
قال الطبري: والإثم: كل ما عُصِي اللهُ به من محارمه.
وقال العلماء: المعصية: ضد الطاعة.
وقال آخرون: الخروج عن الطاعة إما بترك المأمور؛ وإما بفعل المحظور.
وقالوا: الأمر المحرم.
وقالوا: مخالفة الأمر قصدًا.
وقالوا: كل ما عصي اللهُ به.
(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ الدمشقي.
(قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) بن أنس إمام دار الهجرة.
(عَنْ أَبِي النَّضْرِ) سالم بن أبي أميَّة (مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ) التيمي.
(عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ) مولى ابن الحضرميِّ المدنيِّ (أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ) الجهنيَّ الأنصاريَّ الصَّحابيَّ رضي الله عنه (أَرْسَلَهُ) أرسل بسراً (إِلَى أَبِي جُهَيْمٍ) ابنُ الحارث بن الصِّمة الأنصاري، ابنُ أختِ أبيٍّ بنِ كعب، صحابي تقدم.
(يَسْأَلُهُ: مَاذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي المَارِّ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي؟) أي: أمامه بالقرب منه (فَقَالَ أَبُو جُهَيْمٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ) أي الذي عليه "من الإثم".
وهذه الزيادة أعني: "من الإثم" صحيحة من حيث المعنى، وضعيفة من حيث الرواية، وقد ذكرت في بعض نسخ البخاري.
قال ابن رجب: "وقد وقع في بعض نسخ كتاب البخاري، ومسلم - أيضًا - بعد: "ماذا عليه": "مِن الإثم"، وهي غير محفوظة.
وذكر ابن عبد البر: أن هذه اللفظة في رواية الثوري، عن سالم أبي النضر.
وقد وقعت في كتاب ابن أبي شيبة من رواية الثوري، مدرجةً بلفظة: "يعني: من الإثم"، فدل على أنها مدرجةٌ مِن قول بعض الرواة، وتفسير للمعنى؛ فإن هَذَا يُفهم مِن قوله: "ماذا عَلِيهِ"؛ فإن ابنَ آدم لَهُ عملُه الصالحُ، وعليه عملُه السيءُ، كما قَالَ تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا} [فصلت:46]. وقال: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة:286]، وإذا كان هذا عليه فهو من سيئاته.
وفي المعنى أحاديث أخر، ليست على شرط البخاري..". فذكرها.
قال ابن حجر: "زاد الكُشْمِيهَني: "من الإثم" وليست هذه الزيادة في شيء من الروايات عند غيره، والحديث في الموطأ بدونها. وقال ابن عبد البر: لم يُختلف على مالك في شيء منه، وكذا رواه باقي الستة وأصحابُ المسانيد والمستخرجات بدونها، ولم أرها في شيء من الروايات مطلقًا. لكن في مصنف ابن أبي شيبة: "يعني من الإثم"، فيَحتمِل أن تكون ذُكرت في أصل البخاري حاشية، فظنها الكشميهني أصلًا؛ لأنه لم يكن من أهل العلم، ولا مِن الحفاظ بل كان راوية". انتهى
(لَكَانَ أَنْ يَقِفَ) أي: لو يعلم المارُّ ما الَّذي عليه من الإثم في مروره بين يدي المصلِّي لكان وقوفه (أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ) أي: من مروره (بَيْنَ يَدَيْهِ) أي أمام المصلي.
قال ابن حجر: "يعني: أن المار لو علم مقدار الإثم الذي يلحقه من مروره بين يدي المصلي؛ لاختار أن يقف المدة المذكورة حتى لا يلحقه ذلك الإثم". انتهى
قال مالكٌ بالسَّند السَّابق: (قَالَ أَبُو النَّضْرِ) سالم بن أبي أمية: (لاَ أَدْرِي، أَقَالَ) بسر بن سعيد (أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا، أَوْ سَنَةً).
وللبزَّار من طريق سفيان عن أبي النضر من حديث زيد بن خالد: «أربعين خريفًا»، وفي «صحيح ابن حبَّان» عن أبي هريرة: «مائةَ عامٍ»، وكلها ضعيفة، بين ضعفها الشيخ الألباني رحمه الله في الضعيفة (6911)، وضعيف الترغيب والترهيب.
والمقصودُ كثرةُ ما فيه من الإثم.
قال ابن حزم: "وَاتَّفَقُوا على كَرَاهِيَةِ الْمُرُور بَين الْمُصَلِّي وسُترتِه، وأنَّ فَاعلَ ذَلِك آثمٌ".
قال ابن حجر: "قال النووي: فيه دليل على تحريم المرور، فإن معنى الحديث النهي الأكيد والوعيد الشديد على ذلك. انتهى. ومقتضى ذلك أن يُعدَّ في الكبائر". انتهى
قال ابن عبد البر: "قال بعضُ أهل العلم: إن مَن صلَّى إلى غيرِ سُترةٍ لم يحرُمْ على أحدٍ المرورُ بينَ يديْه، ولا يجوزُ له أن يدفعَ من يَمُرُّ بينَ يديه إذا صلَّى إلى غير سُترة.
قال: وإنما المعنى في هذا الباب لمن صلَّى إلى سُتْرة.
وغيرُه يقول: السُّترةُ وغيرُ السُّترة في هذا الباب سواءٌ".
وقال ابن رجب: "وهذا كله يدل على تحريم المرور بين يدي المصلي، وهو الصحيح عند أصحابنا، والمحققين من أصحاب الشافعي.
وطائفةٌ منهم ومِن أصحابنا أطلقوا الكراهة.
وكذلك أطلقها غيرُهم مِن أهل العلم، منهم: ابنُ عبد البر وغيرُه.
وحكاه الترمذيُّ عن أهلِ العلم.
وقد حُمِلَ إطلاقُ هؤلاءِ للكراهةِ على التحريمِ؛ فإنَّ متقدمي العلماءِ كانوا يستعملون ذلك كثيراً.
وقد حكى ابن حزم في كتاب الإجماع الاتفاقَ على أن المار بين المصلي وسترته آثم.
وقال: "وفي الحديث: دليل على تحريم المرور بين يدي المصلي، سواء كان يصلي إلى سترة أو لم يكن، فإن كان يصلي إلى سترة حَرُم المرورُ بينه وبينها، إذا لم يتباعد عنها تباعدًا كثيرًا.
وإن لم يكن بينه وبين القبلة سترةٌ، أو كانت سترةٌ وتباعد عنها تباعدًا فاحشًا؛ ففي تحريم المرور وجهان لا صحابنا:
أصحهما: التحريم؛ لعموم حديث أبي جهيم.
والثاني: يكره ولا يحرم، وهو قول أصحاب الشافعي.
والذي نص عليه الشافعي في كتاب "اختلاف الحديث" أنه مباحٌ غيرُ مكروه، واستدل عليه بحديث ابن عباس والمطلب بن أبي وداعة.
وقال: "فأما مَن وقف في مجاز الناس الذي ليس لهم طريقٌ غيره وصلى، فلا إثم في المرور بين يديه، صرح به أصحابنا وغيرُهم؛ لأنه مُفرِّط بذلك، فلا حرمة له".
كذا قال وظاهر حديث أبي سعيد المتقدم يخالف هذا، فالشاب الذي دفعه أبو سعيد لم يجد مساغا.
وقال ابن عبد البر: "لا خِلافَ بينَ العلماء في كراهيةِ المُرورِ بينَ يدي المصلِّي لكلِّ أحدٍ، ويكرهون للمصلِّي أيضًا أن يدَع أحدًا يمُرُّ بينَ يدَيْه، وعليه عندَهم أن يدفَعَه جَهدَه، ما لم يخرُجْ إلى حدٍّ من العمل يُفسِدُ به على نفسِه صلاتَه".
وقال: " والإثمُ على المارِّ بينَ يدَي المصلِّي فوقَ الإثم على الذي يدعُه يمُرُّ بينَ يديْه، وكلاهما عاصٍ إذا كان بالنهي عالمًا، والمارُّ أشدُّ إثمًا إذا تعمَّد ذلك، وهذا ما لا أعلمُ فيه خلافًا، ومع هذا فإنه لا تُقطَعُ صلاةُ مَن مرَّ بينَ يديه على ما قدَّمنا ذكرَه في باب زيدِ بنِ أسلمَ، والحمدُ للَّه".
قال ابن رجب: كذا قال؛ مع أنه ذكر في موضع آخر: أن الدفع ليس بلازم، ولا يأثم مَن تركه، وإنه قول الثوري وغيره". انتهى
الخلاصة يحرم المرور بين المصلي وسترته وكان قريبا منها بالقدر الذي تقدم، وإذا لم يتخذ سترة فلا يحرم.
والأمر بالدفع، ومنع المرور متعلق بوجود سترة فقط؛ لحديث ابن عباس الذي فيه أن رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم كان يُصَلِّي بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فمرَّ ابن عباس بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ وهو على حمار". الحديث.
وحديث أبي سعيد: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلْيَدْفَعْهُ..". الحديث. والله أعلم
جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم