إسم الكاتب : أبو الحسن علي الرملي
بَابُ السَّمَرِ فِي الفِقْهِ وَالخَيْرِ بَعْدَ العِشَاءِ
(باب السَّمَرِ فِي) مباحثة (الْفِقْهِ، وَالْخَيْرِ) هذا عام في كل خير، وهو من عطف العامّ على الخاص (بَعْدَ) صلاة (الْعِشَاءِ).
600 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: انْتَظَرْنَا الحَسَنَ وَرَاثَ عَلَيْنَا حَتَّى قَرُبْنَا مِنْ وَقْتِ قِيَامِهِ، فَجَاءَ فَقَالَ: دَعَانَا جِيرَانُنَا هَؤُلاَءِ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: انْتَظَرْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ، حَتَّى كَانَ شَطْرُ اللَّيْلِ يَبْلُغُهُ، فَجَاءَ فَصَلَّى لَنَا، ثُمَّ خَطَبَنَا، فَقَالَ: «أَلاَ إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا ثُمَّ رَقَدُوا، وَإِنَّكُمْ لَمْ تَزَالُوا فِي صَلاَةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلاَةَ - قَالَ الحَسَنُ - وَإِنَّ القَوْمَ لاَ يَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا انْتَظَرُوا الخَيْرَ» قَالَ قُرَّةُ: هُوَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ) بن عبد الله الهاشمي العطار البصري، المِرْبَدِيّ، مولى بني هاشم، ثقة، يروي عن أتباع التابعين، مات سنة خمسين ومائتين، وقيل بعدها. روى له الجماعة سوى ابن ماجه.
(قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ) عُبيد الله بن عبد المجيد، أبو علي الحنفي البصري. ليس به بأس، يروي عن أتباع التابعين، مات سنة تسع ومائتين. روى له الجماعة.
(حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ) أبو خالد- ويقال: أبو محمد- السدوسي البصري. يروي عن أتاع التابعين، ثقة متقن ضابط، وقال البعض: ثقة حافظ. مات سنة خمس وخمسين ومائة، وقيل غير ذلك. روى له الجماعة.
(قَالَ: انْتَظَرْنَا الْحَسَنَ) البصري (وَرَاثَ) أي: أبطأ (عَلَيْنَا حَتَّى قَرُبْنَا) أي حتى كان الزمان قريبًا أو ريثُه قريباً (مِنْ وَقْتِ قِيَامِهِ) أي قيام الحسن من النوم لأجل التهجد أو من المسجد لأجل النوم (فَجَاءَ فَقَالَ: دَعَانَا جِيرَانُنَا هَؤُلَاءِ) بهذا اعتذر لهم عن القعود معهم في المسجد لأخذ العلم عنه، كما هي عادته.
(ثُمَّ قَالَ) الحسن (قَالَ أَنَسٌ) بن مالك رضي الله عنه (نَظَرْنَا) أي: انتظرنا (النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي في ليلة من الليالي (حَتَّى كَانَ شَطْرُ اللَّيْلِ) نصفُه (يَبْلُغُهُ) أي: وصل إليه أو شارفه (فَجَاءَ) النبي صلى الله عليه وسلم (فَصَلَّى لَنَا) أي بنا (ثُمَّ خَطَبَنَا) هذا محل الشاهد من الحديث، فقد خطب بهم بعد صلاة العشاء (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم في خطبته (أَلَا إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا ثُمَّ رَقَدُوا، وَإِنَّكُمْ لَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ) أي تأخذون أجرها (مَا انْتَظَرْتُمُ) مدةُ انتظاركم (الصَّلَاةَ». قَالَ الْحَسَنُ) البصري: (وَإِنَّ الْقَوْمَ لَا يَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا انْتَظَرُوا الْخَيْرَ) عمم الحسن الحكم في كل الخيرات تأنيسًا لأصحابه ومعرفًا لهم أن منتظر الخير في خير فلم يفتهم أجر ما كانوا يتعلمون منه في تلك الليلة.
قال ابن حجر: "قوله: (ثم خطبنا) هو موضع الترجمة لما قررناه من أن المراد بقوله -أي البخاري في الباب السابق-: "بعدها". أي بعد صلاتها.
وأورد الحسن ذلك لأصحابه مؤنسا لهم ومعرفا أنهم وإن كان فاتهم الأجر على ما يتعلمونه منه في تلك الليلة على ظنهم؛ فلم يفتهم الأجر مطلقا؛ لأن منتظر الخير في خير فيَحصُل له الأجر بذلك.
والمراد أنه يَحصُل لهم الخيرُ في الجملة لا من جميع الجهات، وبهذا يجاب عمن استشكل قوله: "أنهم في صلاة" مع أنهم جائز لهم الأكل والحديث وغير ذلك.
واستدل الحسن على ذلك بفعل النبي صلى الله عليه وسلم فإنه آنسَ أصحابَه بمثل ذلك، ولهذا قال الحسن بعدُ: وأن القوم لا يزالون بخير ما انتظروا الخير". انتهى
(قَالَ قُرَّةُ) بن خالد (هُوَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) هل يعني الكلام الأول أم الأخير؟
قال ابن حجر: "يعني الكلام الأخير، وهذا هو الذي يظهر لي؛ لأن الكلام الأول ظاهر في كونه عن النبي صلى الله عليه وسلم، والأخير هو الذي لم يصرح الحسن برفعه، ولا بوصله، فأراد قرة الذي اطلع على كونه في نفس الأمر موصولا مرفوعا، أن يُعلِمَ مَن رواه عنه بذلك". انتهى
الحديث متفق عليه
601 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَأَبُو بَكْرٍ ابْنُ أَبِي حَثْمَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاَةَ العِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ، قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةٍ، لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ» فَوَهِلَ النَّاسُ فِي مَقَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِلَى مَا يَتَحَدَّثُونَ مِنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ، عَنْ مِائَةِ سَنَةٍ، وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ» يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهَا تَخْرِمُ ذَلِكَ القَرْنَ.
هذا الحديث تقدم في باب السمر بالعلم، رقم (116) وتقدم برقم (564)، ورجاله كلهم تقدموا.
(قَالَ: "صَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم صَلَاةَ الْعِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ) من الصلاة (قَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ) أي أخبروني أو أعلموني خبرَ ليلتِكم هذه؟
ثم بين لهم هذا.
يريد بهذا صلى الله عليه وسلم تنبيههم ليحفظوا تلك الليلة؛ لأن العد يبدأ منها.
(فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةٍ) وفي رواية: "مائة سنة" (لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ) كلِّها (أَحَدٌ. فَوَهِلَ) أي غَلِط (النَّاسُ فِي) فهم (مَقَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أي: غلط الناس وتوهموا في معنى هذا الحديث غير ما أراد النبي صلى الله عليه وسلم
(إِلَى مَا يَتَحَدَّثُونَ مِنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ عَنْ مِائَةِ سَنَةٍ) فكان بعضهم يقول: تقوم الساعة عند انقضاء مائة سنة، فبيّن ابن عمر في هذا الحديث مراد الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: (وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ». يُرِيدُ بِذَلِكَ) أي بقوله مائة سنة (أَنَّهَا تَخْرِمُ ذَلِكَ الْقَرْنَ) أي تقطع القرن الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقرن من الناس: أهل زمان واحد، فلا يبقى أحد ممن كان موجودًا وقت تلك المقالة.
قال الشراح: "وفي ذلك عَلَم من أعلام النبوّة فإنه استقرئ ذلك فكان آخر من ضبط عمره ممّن كان موجودًا إذ ذاك أبو الطفيل عامر بن واثلة.
وقد أجمع المحدثون على أنه كان آخر الصحابة موتًا، وغاية ما قيل فيه أنه بقي إلى سنة عشر ومائة وهي رأس مائة سنة من مقالته عليه الصلاة والسلام، وقد تقدّم مزيد لذلك في باب السمر في العلم، والله المستعان".
قال ابن بطَّال: "وهذه الآثار تدلُّ على أن السَّمر المنهيَ عنه بعد العشاء، إنما هو فيما لا ينبغي من الباطل واللغو، ألا ترى استدلال الحسن البصري حين سمر عند جيرانه لمدارسة العلم بسمرِ النَّبي إلى قرب من شطر الليل في شغله بتجهيز الجيش، ثم خرج فصلى بالناس، ثم خطبهم مؤنسًا لهم من طول انتظارهم، ومعرِّفًا لهم ما يستحقون عليه من جزيل الأجر، فقال: "إنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة"، ومثل ذلك قوله: "إن رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد"، فأبان بفعله عليه السلام أن السَّمر في العلم والخير مرغب فيه". انتهى
قال ابن رجب: "ومقصود البخاري بهذين الحديثين: الاستدلالُ على جواز الموعظة وذكرِ العلم بعد العشاء، وأنه ليس من السمر المنهي عنه.
وقد كان ابن شبرمة وغيرُه من فقهاء الكوفة يَسمُرون في الفقه إلى أذان الفجر.
ونصَّ الإمام أحمد على أنه لا يُكره السَّمر في العلم".
وقال: "وخرج الإمام أحمد والنسائي والترمذي وابن خزيمة في "صحيحه" من حديث علقمة عن عمر بن الخطاب، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمر مع أبي بكر في الأمر من أمر المسلمين، وأنا معهم.
قال الترمذي: حسن.
وقد قيل: إن علقمة لم يسمعه من عمر، وبينهما رجل: قاله البخاري والأثرم-.
ورجح الدارقطني: أنه ليس بينهما أحد.
وفيه دليل على جواز السمر في مصالح المسلمين، وما يعود بنفعهم". انتهى المراد.
جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم