صحيح البخاري الحديث (602)

إسم الكاتب : أبو الحسن علي الرملي


  • بَابُ السَّمَرِ مَعَ الضَّيْفِ وَالأَهْلِ

    (بَابُ) جواز (السَّمَرِ) أي الحديث في الليل بعد صلاة العشاء (مَعَ الضَّيْفِ وَالأَهْلِ) الزوجة والأولاد والعيال.

    602 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ، كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ، وَإِنْ أَرْبَعٌ فَخَامِسٌ أَوْ سَادِسٌ» وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلاَثَةٍ، فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَشَرَةٍ، قَالَ: فَهُوَ أَنَا وَأَبِي وَأُمِّي - فَلاَ أَدْرِي قَالَ: وَامْرَأَتِي وَخَادِمٌ - بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ لَبِثَ حَيْثُ صُلِّيَتِ العِشَاءُ، ثُمَّ رَجَعَ، فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: وَمَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ - أَوْ قَالَتْ: ضَيْفِكَ - قَالَ: أَوَمَا عَشَّيْتِيهِمْ؟ قَالَتْ: أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ، قَدْ عُرِضُوا فَأَبَوْا، قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ، فَقَالَ يَا غُنْثَرُ فَجَدَّعَ وَسَبَّ، وَقَالَ: كُلُوا لاَ هَنِيئًا، فَقَالَ: وَاللَّهِ لاَ أَطْعَمُهُ أَبَدًا، وَايْمُ اللَّهِ، مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلَّا رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا - قَالَ: يَعْنِي حَتَّى شَبِعُوا - وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا هِيَ كَمَا هِيَ أَوْ أَكْثَرُ مِنْهَا، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ مَا هَذَا؟ قَالَتْ: لاَ وَقُرَّةِ عَيْنِي، لَهِيَ الآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلاَثِ مَرَّاتٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ - يَعْنِي يَمِينَهُ - ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً، ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ، وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ، فَمَضَى الأَجَلُ، فَفَرَّقَنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ، اللَّهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ، فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ، أَوْ كَمَا قَالَ.

     

     

    (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمد بن الفضل السدوسي. عارم. ثقة اختلط في آخر عمره. وله متابعات تامة وقاصرة، فقد رواه جمع عن معتمر.

    (قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) التيمي. ثقة. كان أعلم الناس بحديث أبيه.

    (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي) سليمان بن طرخان التيمي. ثقة مدلس وقد صرح بالتحديث، وهو متابع أيضا.

    (حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ) النهدي، هو: عبد الرحمن بن مُلٍّ -الميم مثلثة- بْن عَمْرو بْن عدي، أبو عثمان النهدي البصري. تابعي مخضرم، ثقة ثبت عابد، أدرك الجاهلية، وأسلم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يلقه. كان عريف قومه، أي مثل شيخ القبيلة اليوم، عُد في أفضل التابعين.

    (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) الصديق، المدني، مختلف في كنيته، صحابي، وهُوَ شقيق عَائِشَة أم المؤمنين.

    قال ابن عبد البر: "وشهِد عبدُ الرحمنِ بنُ أبي بكرٍ بدرًا وأُحُدًا مع قومِه كافرًا، ثم أسلَم وحَسُنَ إسلامُه، وصحِب النبيَّ صلى الله عليه وسلم، أسلمَ في هُدْنةِ الحُدَيبيةِ، هذا قولُ أهلِ السِّيَرِ".

    ويُقال: كَانَ اسمه فِي الجاهلية: عبد الكعبة، ويُقال: عبد العزى، فسماه النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم: عَبْد الرَّحْمَنِ.

    قال ابن عبد البر فيه: "والدُ عبدِ اللهِ بنِ أبي عَتِيقٍ، وأدرَك أبو عَتِيقٍ محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي بكرِ بنِ أبي قُحافةَ هو وأبوه وجَدُّه وأبو جَدِّه النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم".

    وقال: يقال: إنه لم يدرك النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أربعةٌ، ولا أبٌ وبنوه؛ إلا أَبُو قحافة، وابنه أَبُو بَكْر، وابنه عَبْد الرحمن ابن أَبي بكر، وابنه أبو عتيق، والله أعلم.

    وكان عبدُ الرحمنِ بنُ أبي بكرٍ مِن أشجَعِ رجالِ قريشٍ، وأَرْماهم بسَهْمٍ.

    وقال: وكان عبدُ الرحمنِ أَسَنَّ وَلَدِ أبي بكرٍ، قال الزُّبَيرُ: وكان امرأً صالحًا، وكانَتْ فيه دُعَابةٌ.

    وَقَال معمر، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنِ ابْن المُسَيَّب فِي حديث ذكره: أن عَبْد الرَّحْمَنِ بْن أَبي بَكْر، لم تجرب عليه كذبة قط.

    قال ابن عبد البر: "شهِد الجملَ مع عائشةَ، وكان أخوه محمدٌ يومَئذٍ مع عليٍّ رضي الله عنهم أجْمَعِين".

    قال ابن حجر: "مات سنة ثلاث وخمسين في طريق مكة فُجاءة، وقيل بعد ذلك". روى له الجماعة.

    (أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ) موضع في آخر مسجد النبي صلى الله عليه وسلم مظلل كان يأوي إليه المساكين، يبيتون فيه. تقدم تعريفه في باب الحديث رقم 440 (كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ) وكان هذا الموضع مسكنهم (وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ) أي طعام يكفي اثنين (فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ) من أهل الصُّفة، فالطعام الذي يكفي الاثنين يكفي الثلاثة كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، يبارك الله فيه (وَإِنْ أَرْبَعٌ فَخَامِسٌ) أي وإن كان عنده طاعم أربعة فليذهب معه بخامس من أهل الصفة (أَوْ سَادِسٌ») إن لم تكن "أو" هنا للشك فمعناه: إن كان عنده طعام خمسة فليذهب بسادس، فيكون من عطف جملة على جملة.

    (وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ) الصديق رضي الله عنه (جَاءَ بِثَلاَثَةٍ) من أهل الصفة (فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَشَرَةٍ) منهم.

    (قَالَ) عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه (فَهُوَ) أي الشأن أن في دارنا: (أَنَا وَأَبِي وَأُمِّي).

    قال أبو عثمان النهدي: (فَلاَ أَدْرِي قَالَ: وَامْرَأَتِي) أميمة بنت عدي بن قيس السهمي، شك في ذكرها (وَخَادِمٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ) أي: خادم مشترك بين بيته وبيت أبي بكر، يخدم هؤلاء وهؤلاء.

    (وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ) رضي الله عنه (تَعَشَّى) أي: أكل العشاء وهو طعام آخر النهار (عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ) ذهب إلى داره و(لَبِثَ) أبو بكر في داره (حَيْثُ) وفي نسخة: "حين" (صُلِّيَتِ العِشَاءُ، ثُمَّ رَجَعَ) أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (فَلَبِثَ) عنده (حَتَّى تَعَشَّى) ولمسلم: "حتى نعس" (النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي رواية البخاري في الأدب عنه بلفظ: "إن أبا بكر تضيّف رهطًا، فقال لعبد الرحمن: دونك أضيافك، فإني منطلق إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فافرغ من قِراهم قبل أن أجيءَ. فهذا يدل على أن أبا بكر أحضرهم إلى منزله، وأمر أهله أن يُضَيِّفوهم، ورجع هو إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.

    (فَجَاءَ) أبو بكر إلى بيته (بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ) أم رُوْمَان الكنانية: (وَمَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ - أَوْ قَالَتْ: ضَيْفِكَ) أي ما الذي أخرك عن ضيوفك (قَالَ) أبو بكر لزوجته (أَوَمَا عَشَّيْتِيهِمْ؟ قَالَتْ: أَبَوْا) أي امتنعوا من الأكل (حَتَّى تَجِيءَ، قَدْ عُرِضُوا) أي عُرِض الطعام على الأضياف، وفي رواية:" عَرَضوا" أي الأهل من الولد والمرأة والخادم على الأضياف.

    قال ابن بطَّال: "وقولها: (قد عُرضوا) يريد أن خادم أبي بكر وابنَه ومَن رتب لخدمة الأضياف عَرضُوا الطعام على أضيافهم، فأبَوا مِن أكله إلا بحضرة أبي بكر، وقد جاء هذا المعنى منصوصًا في بدء الخلق في باب: علامات النبوة في الإسلام في هذا الكتاب".

     (فَأَبَوْا) أن يأكلوا (قَالَ) عبد الرحمن (فَذَهَبْتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ) خوفًا من أبي وشتمه (فَقَالَ) أبو بكر لعبد الرحمن ابنه (يَا غُنْثَرُ) أي يا ثقيل أو يا جاهل أو يا دنيء أو يا لئيم.

    قال صاحب الغريبين: "أحسَبُه: الثقيل الوَخِم، وقيل: هو الجاهل، والغَثَارة: الجهل، يقال: رجل غَثَرٌ، والنون زائدة". انتهى

    (فَجَدَّعَ) يعني تنقص وعاب، أو دعا عليّ بالقطع، قطع الأنف أو غيره، وأصل الجدع في اللغة: القطع (وَسَبَّ) ولده ظنًّا منه أنه قصر في حق الأضياف.

    (وَقَالَ) أبو بكر رضي الله عنه لما تبين له أن التأخير منهم (كُلُوا لاَ هَنِيئًا) أي: لا أكلتم هنيئا، هو دعاء عليهم، وقيل: خبر أي لم تتهنؤوا في أول نضجه، ويستفاد من ذلك جواز الدعاء على من لم يحصل منه الإنصاف ولا سيما عند الحرج والتغيظ، وذلك أنهم تحكموا على رب المنزل بالحضور معهم ولم يكتفوا بولده مع إذنه لهم في ذلك.

    ويقال: إنه إنما خاطب بذلك أهله لا الأضياف.

    وقيل: لم يرد الدعاء وإنما أخبر أنهم فاتهم الهناء به إذ لم يأكلوه في وقته. انتهى باختصار.

    ثم حلف أبو بكر ألا يأكله؛ (فَقَالَ: وَاللَّهِ لاَ أَطْعَمُهُ أَبَدًا).

    قال عبد الرحمن: (وَايْمُ اللَّهِ) هذه يمين، من ألفاظ القسم، قال صاحب النهاية: "أَيْمُ اللَّهِ مِنْ أَلْفَاظِ القسَم، كَقَوْلِكَ لَعمْر اللَّهِ وعَهْد اللَّهِ، وَفِيهَا لُغَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَتُفْتَحُ هَمْزَتُهَا وَتُكْسَرُ، وَهَمْزَتُهَا وصْل، وَقَدْ تُقْطع". انتهى

    قال: (مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلَّا رَبَا) أي زاد (مِنْ أَسْفَلِهَا) أي: أسفل اللقمة (أَكْثَرُ مِنْهَا – قَالَ) عبد الرحمن (يَعْنِي حَتَّى شَبِعُوا – وَصَارَتْ) أي الأطعمة (أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه (فَإِذَا هِيَ) أي الأطعمة أو الجفنة (كَمَا هِيَ) على حالها الأوّل لم تنقص شيئًا (أَوْ أَكْثَرُ) وفي بعض النسخ:" أكبر" (مِنْهَا، فَقَالَ) أبو بكر (لِامْرَأَتِهِ) أم عبد الرحمن (يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ) أي يا من هي من بني فراس (مَا هَذَا؟) استفهام عن حال الأطعمة، ولابن عساكر: "ما هذه" (قَالَتْ) أم رومان (لاَ، وَقُرَّةِ عَيْنِي) بالجرِّ على القسم، قال بعض الشراح: "تريد به أبا بكر أو النبي صلى الله عليه وسلم، فهو قسم بالمخلوق"، وهو غير صحيح لمخالفته للأدلة المحكمة الناهية عن الحلف بغير الله، فيؤول ليجتمع معها، فيقال: المراد: وخالقِ قرةِ عيني، أو إذا حملناه على ظاهره فيقال إنه قبل النهي عن الحلف بغير الله، ثم نسخ.

    (لا) قالوا: "زائدة أو نافية لمحذوف أي: لا شيء غيرَ ما أقول، وهو قرة عيني، وقرة العين: يعبر بها عن المسرة ورؤية ما يحبه الإنسان؛ لأن العين تقرُّ ببلوغ الأمنية، قال الأصمعي: أقر الله عينه أبرد دمعه؛ لأن دمع الفرح باردٌ، ودمعَ الحزن حارٌّ، لكن تُعُقِّب: بأن كلَّ دمعٍ حارُّ". انتهى

    (لَهِيَ) أي الأطعمة أو الجفنة (الآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلاَثِ مَرَّاتٍ) وهذا النمو وكثرة الطعام مع أنهم أكلوا منه فينبغي أن يقل ولكنه كثر؛ كرامة من كرامات الصديق رضي الله عنه.

    (فَأَكَلَ مِنْهَا) أي من الأطعمة أو من الجفنة (أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه (وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ، يَعْنِي يَمِينَهُ) وهي قوله:" والله لا أطعمه أبدًا".

    (ثُمَّ أَكَلَ) أبو بكر (مِنْهَا) أي من الأطعمة أو من الجفنة (لُقْمَةً) أخرى.

    أكل بعد اليمين عملا بقول الله النبي صلى الله عليه وسلم: "إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ ‌غَيْرَهَا ‌خَيْرًا ‌مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ".

    فقد أخرج البخاري عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: «أَنَّ أَبَاهَا كَانَ لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينٍ، حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا أَرَى يَمِينًا أُرَى ‌غَيْرَهَا ‌خَيْرًا ‌مِنْهَا إِلَّا قَبِلْتُ رُخْصَةَ اللهِ، وَفَعَلْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ». متفق عليه

    وعدم ذكر الكفارة لا يلزمه منه أنه لم يكفر.

    (ثُمَّ حَمَلَهَا) أي حمل أبو بكر جفنة الطعام (إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ) صلى الله عليه وسلم، وإنما لم يأكلوا منها في الليل لكون ذلك وقع بعد أن مضى من الليل مدة طويلة.

    (وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ) من المشركين (عَقْدٌ) أي عهد، هدنة ومصالحة على ترك القتال مدة (فَمَضَى الأَجَلُ) فانتهت المدة (فَفَرَّقَنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا) وفي نسخة: "اثني عشر" وكلاهما صحيح على لغتين.

    (ففرقنا) من التَّفْرِيق، أَي: جعلنا كلَّ رجل مَعَ اثْنَي عشر فرقة. وفي رواية: (فَعرَّفنَا)، بِالْعينِ وَالرَّاء الْمُشَدّدَة: أَي: جعلنَا عُرفاء نقباء على قَومهمْ.

    (مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ) جماعة (اللَّهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ) فهو لا يعلم عددهم.

    أي فرقنا العسكر على اثنتي عشرة فرقة برئاسة اثني عشر رجلًا.

    (فَأَكَلُوا مِنْهَا) أي من الجفنة المباركة (أَجْمَعُونَ، أَوْ كَمَا قَالَ) عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما والشك من أبي عثمان.

    قال الشراح: "فالحاصل أن جميع الجيش أكلوا من تلك الجفنة التي أرسل بها أبو بكر إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وظهر بذلك أن تمام البركة في الطعام المذكور كانت عند النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ الذي وقع فيها في بيت أبي بكر ظهور أوائل البركة فيها، وأما انتهاؤها إلى أن تكفي الجيش كلهم فما كان إلَّا بعد أن صارت عند النبيّ صلى الله عليه وسلم على ظاهر الخبر، والله أعلم". انتهى

    قال ابن المنير: "ووجه الاستدلال من حديث عبد الرحمن ابن أبي بكر المذكور في الباب اشتغال أبي بكر بعد صلاة العشاء بمجيئه إلى بيته ومراجعته لخبر الأضياف واشتغاله بما دار بينهم، وذلك كله في معنى السمر، لأنه سمر مشتمل على مخاطبة وملاطفة ومعاتبة". انتهى.

    وقال ابن رجب: ‌ومقصود ‌البخاري ‌من ‌هذا ‌الحديث: ‌جوازُ ‌السمر عند الأهل والضيف؛ فإن أبا بكر سمر عند أهله وضيفه لمّا رجع من عند النبي صلى الله عليه وسلم، بعد أن ذهب من الليل ما ذهب منه. والظاهر – أيضًا -: أنه سمر عند النبي صلى الله عليه وسلم.

    وفي السمر عند الأهل: حديثُ ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العشاء، ثم دخل بيته، فتحدث مع أهله ساعة.

    وقد خرجه البخاري في موضع آخر.

    وقد روي عن عائشة، أنها رأت قوماً يسمرون، فقالت: انصرفوا إلى أهليكم، فإن لهم فيكم نصيباً.

    وهذا يدل على أنها استحبت السمر عند الأهل لما فيه من المؤانسة لهم، وهو من حسن العشرة.

    وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان يسمر مع بعض الوفود الذين يَفِدُون عليه المدينة، وهو من نوع السمر مع الضيف". انتهى

    وقال ابن بطال: "فيه: السمر مع الأضياف، كما تَرجَم، وهذا كما قدمنا من السمر في المباح وطلب الفضيلة؛ لأن تلك كانت أخلاقهَم وأحوالَهم، فلا يجوز السمر إلا في مثل ذلك من طلب الأجر والمباح.

    قال المهلب: وفيه أن للسلطان إذا رأى بقومٍ مسغبةً أن يفرقهم على أهل الوجود بقدر ما لا يَجحفُ بهم، ألا ترى أن من كان عنده طعامُ اثنين ذهب بثالث.

    قال غيره: وهذا على سنته في قوله -عليه السلام-: "طعام الاثنين كافي الثلاثة"، والكفاية غير الاتساع في الشبع.

    قال المهلب: ومن هذا أخذ عمر بن الخطاب فعلَه في عام الرمادة؛ إذ كان يلقي على أهل كل بيت مثلَهم من الفقراء، ويقول: لن يهلك امرؤٌ على نصف قوته.

    قال غيره: وإنما فعله عمر لأن الضرورة كانت عامَ الرمادة أشد.

    وقد تأول سفيان بن عيينة في المواساة في المساغب قولَه تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ} [التوبة: 111]، ومعناه: أن المؤمنين تلزمهم القربة في أموالهم لله تعالى، عند توجه الحاجة إليهم، ولهذا قال كثير من العلماء: إن في المال حقوقًا سوى الزكاة.

    قال المهلب: وفيه أن الولد والأهلَ يلزمهم من التَّحَفُّلِ بأمور الضيف، مثل ما يلزم صاحب المنزل.

    وفيه: أن للرجل أن يسب أهله وولده على تقصيرهم ببر أضيافه وأن يغضب لذلك.

    وفيه: أن الأضياف ينبغي لهم أن يتأدبوا، وينتظروا صاحب الدار، ولا يتهافتوا على الطعام دونه.

    قال غيره: وفيه جواز أكل الأضياف دون صاحب الدار إذا حان الطعام؛ لأن تأنيب أبي بكر لأهله يدلُّ أن الضيف أولى بذلك من رب الدار.

    قال المهلب: وفيه أن من حلف على شيء ورأى غيره خيرًا منه أنه يُحَنِّثَ نفسه، ويأتي الذي هو خير منه، ويكفِّر يمينه.

    ومن الخير الأكل من طعام ظهرت فيه البركة، وقد نهى الرسول عن الأيمان في ترك البر والتقوى وفعل الخير، فمن هاهنا حنَّث رسول الله صلى الله عليه وسلم والصالحون أنفسهم، وهو قوله تعالى: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس} [البقرة: 224]، فحنَّث رسول الله نفسه في الشراب الذي شربه في بيت زوجته، وحنَّث أبو بكر أيضًا نفسه في قصة مِسطح.

    وفيه: رفع ما يُرجى بركته، وإهداؤه لأهل الفضل، كرفع أبي بكر بقية الطعام المبارك إلى رسول الله وإلى من بحضرته...". انتهى

    وفيه غضب أهل الفضل وأنهم قد يتكلمون على أولادهم وأهليهم إذا ظنوا تقصيرهم.

    قال ابن رجب في ذكر فوائد الحديث:  

    "منها: استحباب إيثار الفقراء بالشبع من الطعام ومواساتهم فيه، فلهذا أَمرَ مَن كان عنده طعامُ اثنين أن يذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعةٍ أن يذهب بخامس...".

    ومنها: أنه إذا أتى الأنسانُ بضيوف إلى منزله، فإنه يجوز له أن يَكِلَهم إلى أهله وولده، ولا يحضر معهم في الأكل؛ فإن في ذلك كفايةً إذا وَثِق مِن أهله وولده بالقيام بحقِّهم".

    أقول هذا إذا كان مقصود الضيوف الطعام، لا الجلوس مع صاحب البيت ومحادثته، وكذلك يراعى العرف في مثل هذا.

    وقال: ومنها: اختصاصُ أبي بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم في عشائه عنده، واحتباسِه إلى أن يمضي ما شاء الله من الليل.

    ومنها: إثبات كرامات الأولياء وخرقُ العوائد لهم.

    وهو قول عامةِ أهل السنة، ووافق على ذلك المعتزلة في زمن الأنبياء خاصة، كما جرى لأبي بكر في هذه القضية، وجعلوها من جملة معجزاتهم حينئذ.

    والتحقيق: أنها من جملة معجزات الأنبياء على كل حال، وفي كل زمان؛ لأن ما يُكرم الله بذلك أولياءه، فإنما هو من بركة اتباعهم للأنبياء، وحسنِ اقتدائهم بهم، فدوام ذلك لأتباعهم وخواصهم من جملة معجزاتهم وآياتهم.

    ومنها: جواز الإهداء إلى الإخوان الطعامَ بالليل، مع العلم بأنهم قد تعشُّوا واكتفَوا، وإن أدى ذلك إلى أن يبيت الطعام عندهم.

    واستمرت هذه الآية في ذلك الطعام حتى أكل منه الجمع الكثير من الغد.

    ومنها: من حلف على يمين، فرأى غيرها خيراً منها، فإنه يأتي الذي هو خير، ولا تُحرِّم عليه يمينُه فعلَ ما حلف على الامتناع منه، وهذا قول جمهور العلماء.

    وقد ثبت، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأن يأتيَ الذي هو خيرٌ ويكفر، وكان في نفسه يفعل ذلك.

    وقد قيل: إن اليمين تحرم المحلوفَ عليه تحريماً ترفعه الكفارة.

    والصحيح: خلافه؛ لأنه يجوز الإقدام على فعل المحلوف قبل التكفير بالاتفاق، ولو كان محرماً لوجب تحليله بالكفارة قبله، كالظهار.

    وفي "سنن أبي داود" هذا الحديث، قال: "ولم يبلغني كفارة" وهذا من قول بعض الرواة.

    وهذا بمجرده لا ينفي أن يكون أبو بكر كفر عن يمينه، بل الظاهر – أو المجزوم به – أنه كفَّرها.

    ثم ذكر حديث عائشة المتقدمة.

    وفيه: دليل على انعقاد يمينِ الغضبان، كما حلف النبي صلى الله عليه وسلم في غضبه ألا يحمل النَّفرَ مِن الأشعريين، ثم حَمَلهم، وقال: "لا أحلف على يمين، فأرى غيرَها خيراً منها إلا كفَّرتُ عن يميني، وأتيتُ الذي هو خير". انتهى باختصار.

    الحديث متفق عليه.

    تحميل الملفات :-

جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم