إسم الكاتب : أبو الحسن علي الرملي
كِتَابُ الأَذانِ
هذا ثابت في بعض النسخ دون بعض.
وفي بعض النسخ زيادة: "بسم الله الرحمن الرحيم".
يعني سيذكر في هذا الكتاب ما يتعلق بالأذان من أحكام.
بَابُ بَدْءِ الأَذَانِ، وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُؤًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ)، وَقَوْلُهُ {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ} [الجمعة: 9]
(بَابُ بَدْءِ الأَذَانِ) أي: باب ابتدائه وكيف كان ذلك.
والأذان في اللغة: الإعلام، وفي الشَّرع اختلف العلماء في تعريفه، فقال بعضهم: إعلامٌ مخصوصٌ بألفاظٍ مخصوصةٍ في أوقاتٍ مخصوصةٍ.
وقال آخرون: الإعلام بدخول الوقت، بألفاظ مخصوصة.
وقال ابن عثيمين: التعبد لله بذكر مخصوص بعد دخول الوقت للإعلام به.
والأذان شرع في المدينة.
وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُؤًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ)، وَقَوْلُهُ {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ}
(وقوله عز وجل: ({وَإِذَا نَادَيْتُمْ}) أي: أذَّنتم داعين ({إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا) أي الكفار (هُزُوًا وَلَعِبًا}) أي: اتَّخذوا الصَّلاة أو المناداة ({ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ}) أي يفعلون ذلك لأنهم لا يعقلون معاني عبادة الله وشرائعه.
وفيه دليلٌ على أنَّ الأذان مشروعٌ للصَّلاة، واستُدِلَّ به على مشروعيَّة الأذان بالنَّصِّ لا بالمنام وحده.
قال الزُّهريُّ فيما ذكره ابن كثيرٍ الحافظ: «قد ذكر الله التَّأذين في هذه الآية». رواه ابن أبي حاتمٍ.
قال ابن حجر: "قَوْله: (وَقَوْلُ اللَّهِ عز وجل: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} الْآيَةَ يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ ابْتِدَاءَ الْأَذَانِ كَانَ بِالْمَدِينَةِ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ أَنَّ الْيَهُودَ لَمَّا سَمِعُوا الْأَذَانَ قَالُوا: لَقَدِ ابْتَدَعْتَ يَا مُحَمَّدُ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ فِيمَا مَضَى، فَنَزَلَتْ {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} الْآيَةَ".
(وَقَوْلُهُ) تعالى بالرَّفع والجرِّ كما مرَّ: ({إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ}) أُذِّن لها ({مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ} [الجمعة: 9]) عند قعود الإمام على المنبر للخطبة، واللَّام للاختصاص.
قال الشراح: "وعن ابن عبَّاسٍ -فيما رواه أبو الشَّيخ-: أنَّ فرض الأذان نزل مع الصَّلاة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ} [الجمعة: 9] والأكثرون على أنَّه برؤيا عبد الله بن زيدٍ وغيره.
ووجه المُطابَقة بين التَّرجمة والآيتين كونهما مدنيَّتين وابتداء الجمعة إنَّما كان بالمدينة، والرَّاجح أنَّ الأذان كان في السَّنة الأولى من الهجرة". انتهى
قال ابن رجب: "يشير إلى أن الأذان مذكورٌ في القرآن في هاتين الآيتين:
الأولى منهما: تشتملُ النداءَ إلى جميع الصلوات؛ فإن الأفعال نكراتٌ، والنكرةُ في سياقِ الشرط تَعمُّ كلَّ صلاةٍ.
والثانية منهما: تَختصُّ بالنداء إلى صلاة الجمعة".
وقال: "وإنما شُرعَ الأذانُ بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، والأحاديثُ الصحيحةُ كلُّها تدل على ذلك". انتهى
ووردت أحاديث تدل على أن الأذان شرع بمكة قبل الهجرة، قال ابن حجر: "والحق أنه لا يصح شيءٌ مِن هذه الأحاديث.
وقد جزم ابن المنذر بأنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بغير أذان منذ فُرِضت الصلاةُ بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة، وإلى أن وقع التشاور في ذلك على ما في حديث عبد الله بن عمر، ثم حديثِ عبد الله بن زيد". انتهى". انتهى
وحكم الأذان: الصحيح أنه واجب وجوبا كفائيا.
يجب أن يرفع الأذان في المدن والقرى.
وهو مشروع للصلوات المكتوبة فقط.
قلنا بالوجوب؛ لأن النبي ﷺ أمر به كما في حديث مالك بن الحويرث في «الصحيحين» أن النبي ﷺ قال له ولصاحبه عندما أرادا الرجوع إلى أهليهم: «ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلّموهم، ومروهم» – وذكر أشياء – ثم قال: «وصلّوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرتِ الصلاةُ فليؤذن لكم أحدُكم ولِيَؤمَّكم أكبرُكم». وكانا على سفر. متفق عليه
وكان ﷺ إذا غزا غزوةً ومرّ بقوم ولم يعلم أهم مسلمون أم مشركون انتظر وقتَ الصلاة فإذا سمع النداء لم يغزهم، وإن لم يسمع غزاهم. متفق عليه
فالأذان شعيرة من شعائر الإسلام واجبة في الحضر والسفر.
ولكن الصحيح أن هذا الوجوبَ وجوبٌ كفائي إذا قام به البعض سقط عن الباقين، فالنبي ﷺ لم يأمر به النساء في البيوت ولا من لم يصل مع الجماعة في المسجد لعذر.
وقال في حديث مالك: " فليؤذن لكم أحدُكم". وفي رواية: "فليؤذِّن لكما أحدكما".
قال ابن رشد في بداية المجتهد (1/ 114): اختلف العلماءُ في حكم الأذان: هل هو واجب أو سنة مؤكدة؟
وإن كان واجباً، فهل هو من فروض الأعيان أو من فروض الكفاية؟
فقيل عن مالك: إن الأذان هو فرضٌ على مساجد الجماعات، وقيل: سنةٌ مؤكدةٌ، ولم يره على المنفرد لا فرضًا ولا سنةً.
وقال بعضُ أهل الظاهر: هو واجب على الأعيان، وقال بعضهم: على الجماعة كانت في سفر أو في حضر، وقال بعضهم: في السفر.
واتفق الشافعي، وأبو حنيفة على أنه سنةٌ للمنفردِ، والجماعةِ إلا أنه آكد في حق الجماعة. انتهى
وقال ابن قدامة في المغني (1/ 302): وظاهر كلام الخرقي: أن الأذان سنةٌ مؤكدةٌ، وليس بواجب؛ لأنه جعل تركه مكروهاً.
وهذا قول أبي حنيفة والشافعي؛ لأنه دعاء إلى الصلاة، فأشبه قولَه: الصلاةُ جامعة.
وقال أبو بكر عبد العزيز: هو من فروض الكفايات.
وهذا قولُ أكثرِ أصحابِنا، وقولُ بعضِ أصحاب مالك.
وقال عطاء، ومجاهد، والأوزاعي: هو فرض؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر به مالكاً وصاحبَه، وداوم عليه هو وخلفاؤُه وأصحابُه، والأمر يقتضي الوجوب، ومداومته على فعله دليل على وجوبه، ولأنه من شعائر الإسلام الظاهرة، فكان فرضاً كالجهاد
فعلى قول أصحابنا؛ إذا قام به مَن تحصل به الكفاية سقط عن الباقين؛ لأن بلالاً كان يؤذن للنبي - صلى الله عليه وسلم - فيكتفي به.
وإن صلى مصلٍ بغير أذان ولا إقامة، فالصلاة صحيحةٌ على القولين؛ لما روي عن علقمة والأسود، أنهما قالا: دخلنا على عبد الله فصلى بنا، بلا أذان ولا إقامة. رواه الأثرم.
ولا أعلم أحداً خالف في ذلك إلا عطاءً، قال: ومَن نسي الإقامةَ يعيد. والأوزاعي قال مرة: يعيد ما دام في الوقت، فإن مضى الوقتُ فلا إعادة عليه. وهذا شذوذ، والصحيح قول الجمهور؛ لما ذكرنا، ولأن الإقامة أحد الأذانين، فلم تفسد الصلاة بتركها، كالآخر. انتهى
وقال ابن عبد البر بعد أن ذكر خلاف العلماء من السلف فيه:
قد أجمع العلماء على أن المسجد إذا أذَّنَ فيه واحدٌ وأقام أنه يجزئ أذانُه وإقامتُه جميعَ أهل المسجد، وأن من أدرك الإمامَ في سفر أو حضر وقد دخل في صلاته أنه يدخل معه ولا يؤذنُ ولا يقيم؛ فدل إجماعُهم في ذلك كلِّه على بطلان قول من أوجب الأذانَ على كل إنسانٍ في خاصة نفسه، مسافراً كان أو غير مسافر، ودل على أن الأذان والإقامةَ غيرُ واجبين.
ومن جهة القياس والنظر ليستا مِن الصلاة فتفسدُ الصلاةُ بتركهما.
والذي يصحُّ عندي في هذه المسألة أن الأذانَ واجبٌ فرضاً على الدار؛ أعني المِصرَ أو القريةَ، فإذا قامَ فيها قائمٌ واحدٌ أو أكثرُ بالأذانِ سقط فرضُه عن سائرهم.
ومن الفرق بين دار الكفر ودار الإسلام لمن لم يعرفها؛ الأذانُ، الدالُّ على الدار، وكلُّ قريةٍ أو مصرٍ لا يُؤذَّنُ فيه بالصلاة فأهلُه لله عز وجل عصاةٌ، ومن صلى منهم فلا إعادة عليه؛ لأن الأذان غيرُ الصلاة، ووجوبُه على الكفاية، فمن قام به سقطَ عن غيره كسائر الفروض الواجبة على الكفاية.
وأما الأذانُ للمنفرد في سفر أو حضر فسنةٌ عندي مسنونةٌ مندوبٌ إليها مأجورٌ فاعلُها عليها. وبالله التوفيق انتهى من التمهيد (13/ 280) والله أعلم.
قال العلماء: "وأما قوله -عليه الصلاة والسلام-: "أُمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة"؛ فليس في ظاهره إيجابٌ ولا ندبٌ، وإنما هو للشَّفع والوِتر، وهل الأصل واجب أم لا؟ يحتاج إلى دلالة، والرسول قد يأمر بصفات في السنة، ولا يدل أنها واجبة، بل إذا فُعلت ودخل فيها وجب أن تُفعل بصفاتها". انتهى
قال ابن رجب: "والأذان له فوائد:
منها: أنه إعلامٌ بوقت الصلاةِ أو فعلِها.
ومن هذا الوجه هو إخبارٌ بالوقت أو الفعل. ولهذا كان المؤذنُ مؤتمنًا.
ومنها: أنه إعلامٌ للغائبين عن المسجد؛ فلهذا شُرع فيه رفعُ الصوت، وسمي نداءً؛ فإن النداء هو الصوت الرفيع.
ولهذا المعنى قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن زيد: " قم فألقِهِ على بلال؛ فإنه أندى صوتاً منك".
ومنها: أنه دعاء إلى الصلاة؛ فإنه معنى قولِه: " حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح".
وقد قيل: إن قولَه تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إلى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا} [فصلت: 33] الآية: نزلت في المؤذنين، روي عن طائفة من الصحابة.
وقيل في قوله تعالى: {وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ} [القلم: 43] إنها الصلوات الخمس حين يُنادى بها.
ومنها: أنه إعلامٌ بشرائع الإسلام مِن التوحيد والتكبير والتهليل والشهادةِ بالوَحدانيةِ والرسالة". انتهى
603 - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: ذَكَرُوا النَّارَ وَالنَّاقُوسَ، فَذَكَرُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى «فَأُمِرَ بِلاَلٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ»
(حدَّثنا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ) أبو الحسن البصري الأَدَميُّ.
(حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان التَّنُّوريُّ.
(حدَّثنا خَالِدٌ) بن مهران الحَذَّاءُ.
(عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) عبد الله بن زيدٍ الجرمي.
تقدموا جميعا.
(عَنْ أَنَسٍ) بن مالكٍ رضي الله عنه (قَالَ: ذَكَرُوا) أي الصحابة عند النبي صلى الله عليه وسلم لما أرادوا أن يجعلوا لهم طريقة لجمع الناس للصلاة قبل أن يُشرع الأذان، فذكروا للنبي صلى الله عليه وسلم: (النَّارَ) يعني وقت الصلاة يشعلون نارا ويرفعونها فمن رآها علم دخول وقت الصلاة أو حضورها (وَ) ذكروا (النَّاقُوسَ) مثل الجرس الذي يعلقونها في رقبة الشاة ولكنه أكبر، ترونه في أعلى الكنائس (فَذَكَرُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى) يعني أن هذه الأشياءَ والنفخَ في البوق يفعلوها اليهود والنصارى والمجوس فلم يرض بها النبي صلى الله عليه وسلم لذلك.
يفعلها اليهود والنصارى والمجوس للدعوة إلى صلاتهم، اليهود ينفخون في البوق، فيُخرِجُ صوتاً، والبوق قرنُ حيوان مجوف ينفخون فيه، ويسمى عندهم شوفار، والنصارى بالناقوس فيُخرج صوتا كصوت الجرس.
والنار للمجوس لم يذكرهم، ولم يذكر البوق آلة اليهود. فهي رواية مختصرة.
يعني لما ذكروا له هذه الطرق وكانت لهؤلاء لم يرض بها النبي صلى الله عليه وسلم، واختار المناداة بالصلاة بصوت الإنسان.
قال ابن حجر: "كَذَا سَاقَهُ عَبْدُ الْوَارِثِ مُخْتَصَرًا، وَرِوَايَةُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْآتِيَةُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ أَوْضَحُ قَلِيلًا حَيْثُ قَالَ:" لَمَّا كَثُرَ النَّاسُ ذَكَرُوا أَنْ يَعْلَمُوا وَقْتَ الصَّلَاةِ بِشَيْءٍ يَعْرِفُونَهُ، فَذَكَرُوا أَنْ يُورُوا نَارًا أَوْ يَضْرِبُوا نَاقُوسًا".
وَأَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ رِوَايَةُ رَوْحِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ خَالِدٍ عِنْدَ أَبِي الشَّيْخِ وَلَفْظُهُ: "فَقَالُوا: "لَوِ اتَّخَذْنَا نَاقُوسًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَاكَ لِلنَّصَارَى. فَقَالُوا: لَوِ اتَّخَذْنَا بُوقًا، فَقَالَ: ذَاكَ لِلْيَهُودِ. فَقَالُوا: لَوْ رَفَعْنَا نَارًا، فَقَالَ: ذَاكَ لِلْمَجُوسِ".
فَعَلَى هَذَا فَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَارِثِ اخْتِصَارٌ كَأَنَّهُ كَانَ فِيهِ: "ذَكَرُوا النَّارَ وَالنَّاقُوسَ وَالْبُوقَ فَذَكَرُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ".
وَاللَّفُّ وَالنَّشْرُ فِيهِ مَعْكُوسٌ، فَالنَّارُ لِلْمَجُوسِ، وَالنَّاقُوسُ لِلنَّصَارَى، وَالْبُوقُ لِلْيَهُودِ.
وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ التَّنْصِيصُ عَلَى أَنَّ الْبُوقَ لِلْيَهُودِ". انتهى
قال ابن رجب: "ولا يعرف ذكر " النار" إلا في هذه الرواية، وإنما في أكثر الأحاديث ذكر الناقوس والبوق، وفي بعضها ذكر راية تنصب ليراها الناس".
وقال بعد أن ذكر الرواية الآتية التي ذكرها ابن حجر: "وهذا يدل على أن الأذانَ تأخر عن أولِ قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة حتى كَثُرَ الناسُ وانتشروا في المدينة ومِنْ حولها، واحتاجوا حينئذ إلى تعليم وقت الصلاة بشيء يعرفونه معرفةً تامة". انتهى
والرواية التي فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالناقوس أو وافق عليه وهو كاره قبل أن يشرع الأذان منكرة، الروايات الصحيحة فيها أنه رفض ذلك. والله أعلم
(فَأُمِرَ بِلَالٌ) أي: أمره النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم.
قال ابن رجب: "لا يُشك أن الآمر له هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما صرح به ابن عمر في حديثه الآتي".
وقال ابن حجر: "وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَأَهْلُ الْأُصُولِ فِي اقْتِضَاءِ هَذِهِ الصِّيغَةِ لِلرَّفْعِ، وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ مُحَقِّقِي الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا تَقْتَضِيهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ مَنْ لَهُ الْأَمْرُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي يَلْزَمُ اتِّبَاعُهُ وَهُوَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ هُنَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَنَّ التَّقْرِيرَ فِي الْعِبَادَةِ إِنَّمَا يُؤْخَذُ عَنْ تَوْقِيفٍ فَيَقْوَى جَانِبُ الرَّفْعِ جِدًّا.
وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ رَوْحِ بْنِ عَطَاءٍ الْمَذْكُورَةِ فَأَمَرَ بِلَالًا بِالنَّصْبِ، وَفَاعِلُ أَمَرَ هُوَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ بَيِّنٌ فِي سِيَاقِهِ.
وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بِلَفْظِ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِلَالًا.
قَالَ الْحَاكِمُ: صَرَّحَ بِرَفْعِهِ إِمَامُ الْحَدِيثِ بِلَا مُدَافَعَةٍ قُتَيْبَةُ.
قُلْتُ: وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ مَرْوَانَ الْمَرْوَزِيِّ، عَنْ قُتَيْبَةَ وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ.
وَطَرِيقُ يَحْيَى عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ أَيْضًا.
وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَقَدْ رَوَاهُ الْبَلَاذُرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ الْحَنَّاطِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ.
وَقَضِيَّةُ وُقُوعِ ذَلِكَ عَقِبَ الْمُشَاوَرَةِ فِي أَمْرِ النِّدَاءِ إِلَى الصَّلَاةِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْآمِرَ بِذَلِكَ هُوَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَا غَيْرُهُ كَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ حِبَّانَ". انتهى
(أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ) أي: يأتي بألفاظه مَثنًى، يعني يقول جملَه مرتين: حي على الصلاة حي على الصلاة مرتين، حي على الفلاح حي على الفلاح مرتين، إِلَّا لفظ التَّكبير في أوَّله فإنَّه أربعٌ، وورد اثنان أيضاً، وإلَّا كلمة التَّوحيد في آخره فإنَّها مفردةٌ، فالمراد: معظم الأذان مثنى كما بيَّنته الأحاديث الأخرى (وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ) يعني يجعل ألفاظها مرة مرة، يقول: حي على الصلاة مرة، وحي على الفلاح مرة، في غالبه أيضًا.
وهل هذا الأمر بصفة الأذان على هذا النحو هو أمر بالأذان؟
الجواب لا، فالتقدير: اشفع الأذان إذا أذنت، فلا يؤخذ منه وجوب الأذان على الصحيح.
وهذه راجعة إلى قاعدة أصولية في مبحث الأمر راجعوها هناك: هل الأمر بالصفة أمر بالموصوف؟
انظروا لها البحر المحيط للزركشي (1/ 307 و350- دار الكتبي الموجودة على الشاملة)، وشرح الكوكب المنير.
604 - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، كَانَ يَقُولُ: كَانَ المُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلاَةَ لَيْسَ يُنَادَى لَهَا، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ بُوقًا مِثْلَ قَرْنِ اليَهُودِ، فَقَالَ عُمَرُ: أَوَلاَ تَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنَادِي بِالصَّلاَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا بِلاَلُ قُمْ فَنَادِ بِالصَّلاَةِ»
(حدَّثنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ) المروزيُّ.
(قَالَ: حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام الصنعاني.
(قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي. ثقة يرسل ويدلس من أثبت الناس في نافع. وقد صرح بالتحديث في عدة مواضع وروي عنه من طرق.
(قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ) مولى ابن عمر.
(أَنَّ) عبد الله (ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (كَانَ يَقُولُ: كَانَ المُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ) من مكَّة مهاجرين (يَجْتَمِعُونَ) يجتمع المهاجرون والأنصار (فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلاة) أي: يقدِّرون حينها ليدركوها في الوقت (لَيْسَ يُنَادَى لَهَا) وفي رواية مسلمٍ «ليس ينادي بها أحدٌ»، يعني لم يشرع النداء للصلاة بعد، ولا يوجد عندهم طريقة للعلم بالاجتماع لها (فَتَكَلَّمُوا) أي: الصَّحابة رضي الله عنهم (يَوْمًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى) الَّذي يضربونه لوقت صلاتهم (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ بُوقًا) أي: اتَّخذوا بُوقًا (مِثْلَ قَرْنِ اليَهُودِ) الَّذي يُنفَخ فيه، فيجتمعون عند سماع صوته.
(فَقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب رضي الله عنه: (أَوَلَا تَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنَادِي بِالصَّلاة؟).
جاء في حديث عبد الله بن زيد المؤذن أن الأذان أول ما شُرِع برؤيا رآها عبد الله، لا بمشورة عمر، فكيف الجمع بين الحديثين؟ اختلف العلماء في ذلك.
الصحيح أنه أشار هنا بالنداء لا الأذان، ثم شُرع الأذان بعد ذلك. والله أعلم
أولا نذكر حديث عبد الله بن زيد كما أخرجه أبو داود من طريق ابن إسحاق، والحديث صحيح في الجملة.
قَالَ عبد الله بن زيد: لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالنَّاقُوسِ يُعْمَلُ لِيُضْرَبَ بِهِ لِلنَّاسِ لِجَمْعِ الصَّلَاةِ -هذه الجملة من الحديث منكرة كما تقدم- طَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ يَحْمِلُ نَاقُوسًا فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَتَبِيعُ النَّاقُوسَ؟ قَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ فَقُلْتُ: نَدْعُو بِهِ إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: بَلَى.
قَالَ: فَقَالَ: تَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
قَالَ: ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ قَالَ: وَتَقُولُ: إِذَا أَقَمْتَ الصَّلَاةَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
فَلَمَّا أَصْبَحْتُ، أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَخْبَرْتُهُ، بِمَا رَأَيْتُ فَقَالَ: «إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٌّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ، فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ».
فَقُمْتُ مَعَ بِلَالٍ، فَجَعَلْتُ أُلْقِيهِ عَلَيْهِ، وَيُؤَذِّنُ بِهِ.
قَالَ: فَسَمِعَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ، وَيَقُولُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ مَا رَأَى.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «فَلِلَّهِ الْحَمْدُ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَكَذَا رِوَايَةُ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ.
وَقَالَ: فِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ.
وَقَالَ مَعْمَرٌ وَيُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِيهِ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَمْ يُثَنِّيَا". انتهى
قال ابن حجر: " قال القرطبي: يَحتمِل أن يكون عبدُ الله بن زيد لما أخبر برؤياه وصدقه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بادر عمر فقال: أولا تبعثون رجلا ينادي - أي يؤذن - للرؤيا المذكورة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" قم يا بلال" فعلى هذا فالفاء في سياق حديث ابن عمر هي الفصيحة، والتقدير: "فافترقوا" فرأى عبد الله بن زيد، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقص عليه فصدقه فقال عمر.
قلت: وسياق حديثِ عبد الله بن زيد يخالف ذلك، فإن فيه أنه لما قص رؤياه على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له ألْقِها على بلال فليؤذن بها، قال:" فسمع عمرُ الصوتَ فخرج فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لقد رأيت مثل الذي رأى"، فدل على أن عمر لم يكن حاضرا لما قص عبدُ الله بن زيد رؤياه.
والظاهر أن إشارةَ عمرَ بإرسال رجلٍ يُنادي للصلاة كانت عقبَ المشاورةِ فيما يفعلونه -أي في نفس المجلس ذاك-، وأن رؤيا عبدِ الله بنِ زيد كانت بعد ذلك. والله أعلم.
وقد أخرج أبو داود بسند صحيح إلى أبي عمير بن أنس عن عمومته مِن الأنصار، قالوا: "اهتَمَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم للصلاةِ كيف يجمع الناسَ لها، فقال: انصب رايةً عند حضور وقتِ الصلاة فإذا رأوها آذنَ بعضهُم بعضا، فلم يعجبه.." الحديث.
وفيه ذكروا القُنْع - بضم القاف وسكون النون يعني البوق - وذكروا الناقوس، فانصرف عبدُ الله بن زيد وهو مهتمٌ فأري الأذان، فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وكان عمرُ رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يومًا، ثم أخبر به النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: "ما منعك أن تخبرنا؟" قال: سبقني عبدُ الله بن زيد فاستحييت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا بلال قم فانظر ما يأمرُك به عبدُ الله بن زيد فافعله". ترجم له أبو داود: بَدء الأذان، وقال أبو عمر بن عبد البر: "روى قصةَ عبد الله بن زيد جماعةٌ من الصحابة بألفاظ مختلفةٍ ومعانٍ متقاربة وهي من وجوه حسان وهذا أحسنها.
قلت: وهذا لا يخالفه ما تقدم أن عبد الله بن زيد لمّا قص منامَه فسمع عمرُ الأذان فجاء فقال: قد رأيت؛ لأنه يحمل على أنه لم يخبر بذلك عقب إخبار عبد الله بل متراخيا عنه؛ لقوله:" ما منعك أن تخبرنا" أي عقب إخبار عبد الله، فاعتذر بالاستحياء، فدل على أنه لم يخبر بذلك على الفور، وليس في حديث أبي عمير التصريحُ بأن عمر كان حاضرا عند قص عبد الله رؤياه، بخلاف ما وقع في روايته التي ذَكَر بها: "فسمع عمر الصوت فخرج، فقال.." فإنه صريح في أنه لم يكن حاضرا عند قص عبد الله، والله أعلم". انتهى
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: يَا بِلَالُ، قُمْ فَنَادِ بِالصَّلاة) قال ابن حجر: "في رواية الإسماعيلي: "فأذن بالصلاة" قال عياض: "المراد الإعلامُ المحضِ بحضور وقتها لا خصوصُ الأذان المشروع.
وأغرب القاضي أبو بكر بنُ العربي فحمل قولَه: "أَذِّن" على الأذان المشروع، وطعن في صحة حديث ابن عمر وقال: "عجبا لأبي عيسى كيف صححه. والمعروف أن شرعَ الأذان إنما كان برؤيا عبد الله بن زيد". انتهى.
ولا تُدفع الأحاديثُ الصحيحةُ بمثل هذا مع إمكان الجمع كما قدمناه، وقد قال ابن منده في حديث ابن عمر: "إنه مجمع على صحته". انتهى
وقال: "وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْأَذَانَ إِنَّمَا شُرِعَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، فَإِنَّهُ نَفَى النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ ذَلِكَ مُطْلَقًا.
وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: "يَا بِلَالُ قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ" كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ رُؤْيَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، وَسِيَاقُ حَدِيثهِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ".
ثم قال: ((فَائِدَتَانِ): الْأُولَى: وَرَدَتْ أَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَذَانَ شُرِعَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ...) فذكر عدة أحاديث، ثم قال: (وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ. وَقَدْ جَزَمَ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي بِغَيْرِ أَذَانٍ مُنْذُ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ بِمَكَّةَ إِلَى أَنْ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَإِلَى أَنْ وَقَعَ التَّشَاوُرُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ثُمَّ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ. انْتَهَى.
وَقَدْ حَاوَلَ السُّهَيْلِيُّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا فَتَكَلَّفَ وَتَعَسَّفَ، وَالْأَخْذُ بِمَا صَحَّ أَوْلَى...".
وقال: "(الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ): قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: أَعْرَضَ الْبُخَارِيُّ عَنِ التَّصْرِيحِ بِحُكْمِ الْأَذَانِ لِعَدَمِ إِفْصَاحِ الْآثَارِ الْوَارِدَةِ فِيهِ عَنْ حُكْمٍ مُعَيَّنٍ، فَأَثْبَتَ مَشْرُوعِيَّتَهُ وَسَلِمَ مِنَ الِاعْتِرَاضِ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ، وَمَنْشَأُ الِاخْتِلَافِ أَنَّ مَبْدَأَ الْأَذَانِ لَمَّا كَانَ عَنْ مَشُورَةٍ أَوْقَعَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ أَصْحَابِهِ حَتَّى اسْتَقَرَّ بِرُؤْيَا بَعْضِهِمْ فَأَقَرَّهُ كَانَ ذَلِكَ بِالْمَنْدُوبَاتِ أَشْبَهَ، ثُمَّ لَمَّا وَاظَبَ عَلَى تَقْرِيرِهِ وَلَمْ يُنْقَلُ أَنَّهُ تَرَكَهُ وَلَا أَمَرَ بِتَرْكِهِ وَلَا رَخَّصَ فِي تَرْكِهِ كَانَ ذَلِكَ بِالْوَاجِبَاتِ أَشْبَهَ. انْتَهَى. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى". انتهى
حديث الباب متفق عليه
جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم