إسم الكاتب : أبو الحسن علي الرملي
بَابُ الأَذَانِ لِلْمُسَافِرِ، إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً، وَالإِقَامَةِ، وَكَذَلِكَ بِعَرَفَةَ وَجَمْعٍ، وَقَوْلِ المُؤَذِّنِ: الصَّلاَةُ فِي الرِّحَالِ، فِي اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ أَوِ المَطِيرَةِ.
(بابُ) مشروعية (الأَذَانِ لِلْمُسَافِرِ) بالإفراد، والألف واللَّام للجنس، وفي رواية: «لِلْمُسَافِرِين» (إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً).
(وَ) مشروعية (الإِقَامَةِ) إقامة الصلاة (وَكَذَلِكَ) الأذان (بِعَرَفَةَ) بجبل عرفة (وَجَمْعٍ) وهو المزدلفة (وَقَوْلِ المُؤَذِّنِ) بالجرِّ أيضًا عطفًا على «الإقامة»: (الصَّلَاةُ) أي: أدُّوها، أو بالرَّفع مبتدٌأ خبره: (فِي الرِّحَالِ) أي: الصَّلاة تُصلَّى في الرِّحال، جمع «رحْلٍ» (فِي اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ أَوِ) اللَّيلة (المَطِيرَةِ).
اختلف العلماء في الأذان والإقامة في السفر.
قال الأصبهاني تبعا لغيره: "اسْتَحَبَّتْ طَائِفَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ أَنْ يُؤَذِّنَ الْمُسَافِرُ وَيُقِيمَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَهُوَ قَوْلُ الأَكْثَرِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هُوَ بِالخِيَارِ، إِنْ شَاءَ أَذَّنَ، وَإِنْ شَاءَ أَقَامَ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُرْوَةَ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيِّ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه: "أَنَّهُ كَانَ يُقِيمُ فِي السَّفَرِ لِكُلِّ صَلَاةٍ إِلَّا الصُّبْحَ، فَإِنَّهُ كَانَ يُؤَذِّنُ لَهَا وَيُقِيمُ".
وَقَالَ عَطَاءٌ: "إِذَا كُنْتَ فِي سَفَرٍ وَلَمْ تُؤَذِّنْ وَلَمْ تُقِمْ فَأَعِدِ الصَّلَاةَ"، وَحُجَّتُهُ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم لِلرَّجُلَيْنِ: (أَذِّنَا وَأَقِيمَا)".
وَالعُلَمَاء عَلَى قَوْلٍ خِلَافَ قَوْلِ عَطَاءٍ؛ لأَنَّ الإِيجَابَ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (أَذِّنَا وَأَقِيمَا) أَرَادَ الفَضْلَ بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: (أَذِّنَا)، وَالوَاحِدُ يُجْزِئُ.
وَأَحَادِيثُ هَذَا البَابِ مَحْمُولَةٌ عِنْدَ العُلَمَاءِ عَلَى الاسْتِحْبَابِ". انتهى
629 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ المُهَاجِرِ أَبِي الحَسَنِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَأَرَادَ المُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: «أَبْرِدْ»، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: «أَبْرِدْ»، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: «أَبْرِدْ» حَتَّى سَاوَى الظِّلُّ التُّلُولَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ».
(حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الأزدي الفراهيدي (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ المُهَاجِرِ أَبِي الحَسَنِ) التيمي الكوفي (عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) الجُهني (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) رضي الله عنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَأَرَادَ المُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ) عليه الصلاة والسلام («أَبْرِدْ») يعني أخر الأذان إلى وقت البرد، حين تنكسر شدة الحر (ثُمَّ أَرَادَ) المؤذِّن (أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ) عليه الصلاة والسلام («أَبْرِدْ»، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: «أَبْرِدْ» حَتَّى سَاوَى الظِّلُّ التُّلُولَ) هي كل مرتفِعٍ مجتمِعٍ على الأرض من تراب ورمل أو نحو ذلك، أي: صار الظِّلُ مساويَ التَّلِّ، أي: مثله (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ») أي من سطوعها وهيجانها وغليانها.
في هذا دليل واضح على الأذان في السفر.
الحديث متفق عليه، تقدم برقم (535).
630 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ، قَالَ: أَتَى رَجُلاَنِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدَانِ السَّفَرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَنْتُمَا خَرَجْتُمَا، فَأَذِّنَا، ثُمَّ أَقِيمَا، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا»
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابي (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثوري (عَنْ خَالِدٍ) بن مِهران (الحَذَّاءِ). وفي مستخرج أبي عوانة: "حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ".
(عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ) عبد الله بن زيد الجرمي (عَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ) رضي الله عنه (قَالَ: أَتَى رَجُلاَنِ) هما مالك بن الحويرث ورفيقه (النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدَانِ السَّفَرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لهما: («إِذَا أَنْتُمَا خَرَجْتُمَا) للسَّفر (فَأَذِّنَا) أي: من أحبَّ منكما أن يؤذِّن فليؤذِّن، قال الشراح: "وليس المراد ظاهره من أنَّهما يؤذِّنان معًا، وإنَّما صُرِف عن ظاهره؛ لقوله في الحديث السَّابق: «فليؤذِّن لكم أحدكم» ولا يُقال: المراد أنَّ كلًّا منهما يؤذِّن على حدةٍ؛ لأنَّ أذان الواحد يكفي الجماعة.
نعم إذا احتِيج إلى التَّعدُّد لتباعد أقطار البلد أذَّن كلُّ واحدٍ في جهةٍ.
وقال الإمام الشَّافعيُّ رحمة الله عليه في «الأمِّ»: وأحبُّ أن يؤذِّن مؤذِّنٌ بعد مؤذِّنٍ، ولا تؤذِّن جماعةٌ معًا، وإن كان المسجد كبيرًا فلا بأس أن يؤذِّن في كلِّ جهةٍ منه مؤذِّنٌ يُسْمِع من يليه في وقتٍ واحدٍ". انتهى
(ثُمَّ أَقِيمَا، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا)
دلالته على مشروعية الأذان والإقامة في السفر ظاهرة.
الحديث متفق عليه تقدم برقم (628)
631 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، أَتَيْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحِيمًا رَفِيقًا، فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَهَيْنَا أَهْلَنَا - أَوْ قَدِ اشْتَقْنَا - سَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا بَعْدَنَا، فَأَخْبَرْنَاهُ، قَالَ: «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ، فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ - وَذَكَرَ أَشْيَاءَ أَحْفَظُهَا أَوْ لاَ أَحْفَظُهَا - وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ»
هذه طريق أخرى لحديث مالك:
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) أبو موسى العَنَزِيُّ.
(قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد البصريُّ.
(قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) ابن أبي تميمة السَّختيانيُّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) عبد الله بن زيدٍ الجرمي (قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ) بن الحويرث (أَتَيْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ) جمع شابٍّ (مُتَقَارِبُونَ) في السِّنِّ (فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَحِيمًا رَفِيقًا) من الرِّفق، وفي رواية: «رقيقًا»، أي: رقيق القلب (فَلَمَّا ظَنَّ) عليه الصلاة والسلام (أَنَّا قَدِ اشْتَهَيْنَا أَهْلَنَا- أَوْ قَدِ اشْتَقْنَا) بالشَّكِّ من الرَّاوي (سَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا بَعْدَنَا، فَأَخْبَرْنَاهُ قَالَ) عليه الصلاة والسلام (ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ) وفي روايةٍ: «أهاليكم» (فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ) شرائع الإسلام (وَمُرُوهُمْ) بما أمرتكم (وَذَكَرَ أَشْيَاءَ أَحْفَظُهَا أَوْ لَا أَحْفَظُهَا) شكٌّ من الرَّاوي (وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ) ليس قاصرًا على وصولهم إلى أهليهم، بل يعمُّ جميع أحوالهم منذ خروجهم من عنده، كما تقدم.
فيه: ما بوب له وهو مشروعية الأذان والإقامة للمسافر.
وفيه التخلق بخلق الرحمة والرفق، ورحمة من يتولى أمره من الناس والرفق بهم.
وفيه السفر لطلب العلم.
ووجوب تعليم الأهل ما يحتاجونه من أمور دينهم، وأمرهم بذلك.
والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في صلاته.
وفيه: الحث على الجماعة في السفر، وأنها تحصل بإمام ومأموم.
632 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، قَالَ: أَذَّنَ ابْنُ عُمَرَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ بِضَجْنَانَ، ثُمَّ قَالَ: صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِهِ: «أَلاَ صَلُّوا فِي الرِّحَالِ» فِي اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ، أَوِ المَطِيرَةِ فِي السَّفَرِ
(حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بن مسرهدٍ.
(قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى) بن سعيد القطان.
(عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) العمري.
(قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ) مولى ابن عمر.
(قَالَ: أَذَّنَ ابْنُ عُمَرَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ بِضَجْنَانَ) جبل صغير قريب من مكة (ثُمَّ قَالَ) أي: ابن عمر، وفي صحيح مسلم: «فَقَالَ فِي آخِرِ نِدَائِهِ: أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ» (صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ) أراد بها البيوت. يقال لبيت الإنسان، ومسكنه، ومنزله: رحله، والجمع: رحال.
(فَأَخْبَرَنَا) أي: ابن عمر (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ، ثُمَّ يَقُولُ) عطفًا على «يؤذِّنُ» (عَلَى إِثْرِهِ) أي بعد فراغه من الأذان، قال ابن حجر: «صريح في أن القول المذكور كان بعد فراغ الأذان»: (أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ، فِي اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ أَوِ المَطِيرَةِ فِي السَّفَرِ) و "أو" ليست للشك بل للتَّنويع.
قوله "في السفر" صحيحة محفوظة.
ورواية مالك مطلقة، وأما من قال في المدينة فروايته منكرة.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، وَعُبَيْدِ اللهِ، قَالَ فِيهِ: "فِي السَّفَرِ فِي اللَّيْلَةِ الْقَرَّةِ أَوِ الْمَطِيرَةِ». انتهى
ورواية مالك في الصحيحين: "أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ، فَقَالَ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ، ثُمَّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ ذَاتُ مَطَرٍ، يَقُولُ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ».
قال ابن حجر عند قوله "فِي السَّفَرِ": «ظاهره اختصاص ذلك بالسفر، ورواية مالك عن نافع الآتية في أبواب صلاة الجماعة مطلقة، وبها أخذ الجمهور، لكن قاعدة حمل المطلق على المقيد تقتضي أن يختص ذلك بالمسافر مطلقا، ويلحق به من تلحقه بذلك مشقة في الحضر دون من لا تلحقه، والله أعلم".
وقال: «(أو) للتنويع لا للشك، وفي صحيح أبي عوانة:" ليلةٍ باردة، أو ذاتِ مطر، أو ذاتِ ريح". ودل ذلك على أن كلا من الثلاثة عذرٌ في التأخر عن الجماعة.
ونقل ابن بطال فيه الإجماع، لكن المعروف عند الشافعية: أن الريح عذر في الليل فقط، وظاهر الحديث اختصاص الثلاثة بالليل، لكن في السنن من طريق ابن إسحاق عن نافع في هذا الحديث:" في الليلة المطيرة، والغَداة القَرَّة".
وفيها بإسناد صحيح من حديث أبي المليح عن أبيه أنهم مُطروا يوما، فرخص لهم.
ولم أر في شيء من الأحاديث الترخص بعذر الريح في النهار صريحا، لكن القيام يقتضي إلحاقَه، وقد نقله ابن الرفعة وجها". انتهى
قال ابن رجب: ««ولا نعلم ذكر المدينة فِي حَدِيْث ابن عُمَر فِي هذه الرواية، ورواية عُبَيْدِ الله أصح.
وأكثر أهل العلم عَلَى أن المطر والطين عذر يباح مَعَهُ التخلف عَن حضور الجمعة والجماعات، ليلاً ونهاراً». انتهى
وستأتي هذه المسألة إن شاء الله.
في الحديث دليل على مشروعية الأذان، وقول:" صلوا في الرحال" في السفر.
الحديث متفق عليه
633 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيْسِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالأَبْطَحِ، فَجَاءَهُ بِلاَلٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلاَةِ ثُمَّ خَرَجَ بِلاَلٌ بِالعَنَزَةِ حَتَّى رَكَزَهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالأَبْطَحِ، وَأَقَامَ الصَّلاَةَ»
(حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الكوسج.
(قَالَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ) المخزومي.
(قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيْسِ) عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود.
(عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ) السُّوائي.
(عَنْ أَبِيهِ) أبي جحيفة وهب بن عبد الله السُّوائيِّ رضي الله عنه (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِالأَبْطَحِ) قال الشراح: "هو موضع معروف على باب مكة". فهو مسافر، وفي رواية عند مسلم: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِمَكَّةَ، وَهُوَ بِالْأَبْطَحِ» (فَجَاءَهُ بِلَالٌ) المؤذِّن (فَآذَنَهُ) أي: أعلمه (بِالصَّلَاةِ، ثُمَّ خَرَجَ بِلَالٌ بِالعَنَزَةِ) عصًا أقصرُ مِن الرُّمح لها سِنانٌ (حَتَّى رَكَزَهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم) أي أمامه (بِالأَبْطَحِ) ركزها أمامه حتى تكون سترةً (وَأَقَامَ) بلالٌ (الصَّلَاةَ).
ففيه دليل على مشروعية الأذان والإقامة في السفر.
الحديث متفق عليه
جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم