إسم الكاتب : أبو الحسن علي الرملي
بَابٌ: هَلْ يَخْرُجُ مِنَ المَسْجِدِ لِعِلَّةٍ؟
(بَابٌ: هَلْ يَخْرُجُ) الرجل (مِنَ المَسْجِدِ) بعد إقامة الصلاة (لِعِلَّةٍ) مثل الحدث.
نعم يخرج كما دلّ عليه حديث الباب.
أما حديث أَبِي الشَّعْثَاءِ قَالَ: «كُنَّا قُعُودًا فِي الْمَسْجِدِ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْمَسْجِدِ يَمْشِي فَأَتْبَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ بَصَرَهُ حَتَّى خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم"؛ فمخصوص بمن ليست له ضرورة.
639 - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ، وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ، حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ، انْتَظَرْنَا أَنْ يُكَبِّرَ، انْصَرَفَ، قَالَ: «عَلَى مَكَانِكُمْ» فَمَكَثْنَا عَلَى هَيْئَتِنَا، حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا يَنْطِفُ رَأْسُهُ مَاءً، وَقَدِ اغْتَسَلَ.
(حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن يحيى القرشي الأويسي.
(قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) الزهري.
(عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) ابن عبد الرحمن الزهري (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ) من الحجرة (وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ، وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ) أي سوّيت (حَتَّى إِذَا قَامَ) عليه الصلاة والسلام (فِي مُصَلَّاهُ، انْتَظَرْنَا أَنْ يُكَبِّرَ) تكبيرة الإحرام (انْصَرَفَ) إلى الحجرة قبل أن يُكَبِّر (قَالَ) وفي رواية: "وقال": (عَلَى مَكَانِكُمْ) أي: اثبتوا على مكانكم (فَمَكَثْنَا عَلَى هَيْئَتِنَا) أي: على الصورة التي كنا عليها من القيام في الصفوف المسواة (حَتَّى خَرَجَ) عليه الصلاة والسلام (إِلَيْنَا) من الحجرة (يَنْطِفُ) أي: يقطر (رَأْسُهُ مَاءً، وَقَدِ اغْتَسَلَ).
وقد تقدم عند المصنف في باب إذا ذكر في المسجد أنه جنب (275) وسيأتي في الباب التالي.
روى هذا الحديث أسامة بن زيد الليثي وهو ضعيف وخالف الثقات فيه، عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، عن ابن ثوبان، عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى الصلاة، فلما كبر انصرف، وأومأ إليهم: أن كما أنتم، ثم خرج فاغتسل، ثم جاء ورأسه يقطر، فصلى بهم، فلما صلى قال: " إني كنت جنبا فنسيت أن أغتسل».
أخرجه أحمد وابن ماجه وغيرهما.
فزاد فيه زيادتين منكرتين في حديث أبي هريرة:
الأولى: قوله: "فلما كبر انصرف". وورد نحو هذا في غير حديث أبي هريرة، المحفوظ في حديث أبي هريرة أنه انصرف قبل أن يكبر.
والثانية قوله:" إني كنت جنبا فنسيت أن أغتسل". وكذلك ورد نحوها في غير حديث أبي هريرة.
قال ابن رجب في حديث أسامة هذا: «وأسامة بن زيد هو الليثي، وليس بذلك الحافظ».
قال البيهقي في سننه: "رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ حَرْمَلَةَ، وَبِمَعْنَاهُ رَوَاهُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوَ رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ.
وَرِوَايَةُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ ثَوْبَانَ عَنْهُ إِلَّا أَنَّ مَعَ رِوَايَةِ ابْنِ ثَوْبَانَ عَنْهُ رِوَايَةَ أَبِي بَكْرَةَ مُسْنَدَةً، وَرِوَايَةَ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ وَابْنِ سِيرِينَ مُرْسَلَةً، وَرُوِي أَيْضًا عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ".
وذهب بعض أهل العلم إلى ضعف حديث أبي بكرة وكلِّ الأحاديث التي فيها أنه كبر ثم انصرف، وصححها أخرون، واختلفوا في كيفية الجمع بينها وبين حديث أبي هريرة هذا.
قال ابن رجب: «وفي رواية لمسلم –أيضا - في هذا الحديث: "فـأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا قام في مصلاه قبل أن يكبر، ذكر فانصرف، وقال لنا: "مكانكم".
وهذه الرواية صريحة في أنه انصرف قبل التكبير، وهو – أيضا - ظاهر رواية البخاري.
قال الحسن بن ثوّاب: قيل لأبي عبد الله – يعني: أحمد بن حنبل - وأنا أسمع: النبي صلى الله عليه وسلم حين أومأ إليهم ان امكثوا، فدخل فتوضأ ثم خرج، أكان كبر؟ فقال: يُروى أنه كبر، وحديث أبي سلمة لما أخذ القوم أماكنهم من الصف، قال لهم: "امكثوا"، ثم خرج فكبر.
فبين أحمد أن حديث أبي سلمة عن أبي هريرة يدل على أنه لم يكن كبر، وأما قوله: "يروى أنه كبر"، فيدل على أن ذلك قد روي، وأنه مخالف لحديث أبي سلمة عن أبي هريرة، وأن حديث أبي سلمة أصح، وعليه العمل".
وخرج حديث أبي بكرة وغيره وقال:
" وهذه كلها مرسلات، وحديث الحسن، عن أبي بكرة في معنى المرسل؛ لأن الحسن لم يسمع من أبي بكرة عند الإمام أحمد والأكثرين من المتقدمين". انتهى المراد.
وقال ابن حجر: «زاد مسلم من طريق يونس، عن الزهري:" قبل أن يكبر فانصرف".
وقد تقدم في باب:" إذا ذكر في المسجد أنه جنب" من أبواب الغسل من وجه آخر عن يونس بلفظ:" فلما قام في مصلاه ذكر".
ففيه دليل على أنه انصرف قبل أن يدخل في الصلاة، وهو معارِض لما رواه أبو داود، وابن حبان عن أبي بكرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل في صلاة الفجر، فكبر ثم أومأ إليهم.
ولمالك من طريق عطاء بن يسار مرسلا أنه صلى الله عليه وسلم كبر في صلاة من الصلوات ثم أشار بيده أن امكثوا.
ويمكن الجمع بينهما بحمل قوله: "كبر على أراد أن يكبر"، أو بأنهما واقعتان، أبداه عياض والقرطبي احتمالا، وقال النووي: إنه الأظهر. وجزم به ابن حبان كعادته.
فإن ثبت وإلا فما في الصحيح أصح". انتهى
القول بانهما حادثتان بعيد، والصواب -إن صح حديث أبي بكرة وما في معناه- الترجيح، وحديث أبي هريرة الذي فيه أنه لم يكبر أصح، وعليه العمل. والله أعلم
وقال ابن رجب: «مقصود البخاري بهذا الباب: أنه يجوز لمن كان في المسجد بعد الأذان أو بعدَ الإقامةِ أن يخرج منه لعذر.
والعذر نوعان:
أحدهما: ما يحتاج إلى الخروج معه من المسجد، ثم يعود لإدراك الصلاة فيه، مثلُ أن يذكرَ أنه على غير طهارةٍ، أو يَنتقضَ وضوؤُه حينئذ، أو يُدافعَه الأخبثان فيخرجُ للطهارة ثم يعود، فيلحق الصلاةَ في المسجد.
وعلى هذا دل حديث أبي هريرة المخرَّج في هذا الباب.
والثاني: أن يكون العذرُ مانعاً من الصلاة في المسجد؛ كبدعة إمامه ونحوِه، فيجوز الخروج منه – أيضًا - للصلاة في غيره، كما فعل ابن عمر رضي الله عنه.
روى أبو داود من حديث أبي يحيى القتات، عن مجاهد، قال: كنت مع ابن عمر، فثوَّب رجلٌ في الظهر أو العصر، فقال: اخرج بنا؛ فإن هذه بدعة.
وأبو يحيى هذا، مختلف فيه.
وقد استدل طائفةٌ من أصحابنا بهذا الحديث، وأخذوا به.
وأما الخروج بعد الأذان لغير عذر، فمنهي عنه عند أكثر العلماء.
قال سعد بن أبي وقاص وسعيد بن المسيب: إذا أذن المؤذن وأنت في المسجد، فلا تخرج حتى تصلي.
قال ابن المسيب: يقال: لا يفعله إلا منافق.
قال: وبلغنا أنَّ مَن خرج بين الأذان والإقامة لغير الوضوء أنه سيُصاب. ذكره مالك في "الموطأ" عنه.
قال أصحابنا: لا يجوز ذلك. وقال أصحاب الشافعي: هو مكروه.
قال الترمذي في "جامعه": العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومَن بعدهم ألا يخرج أحدٌ من المسجد بعد الأذان، إلا مِن عذرٍ: أن يكون على غير وضوء، أو أمرٌ لا بد منه.
ويروى عن إبراهيم النخعي، أنه قال: يخرج ما لم يأخذِ المؤذن في الإقامة.
قال أبو عيسى الترمذي: وهذا عندنا لمن له عذر في الخروج منه".
والمروي عن إبراهيم في هذا: ما رواه مغيرة، عن إبراهيم، قال: إذا سمعت الإقامة وأنت في المسجد فلا تخرج.
فمفهومه: جواز الخروج قبل الإقامة.
وقد حمله الترمذي على العذر، ويشهد لذلك: ما رواه وكيع، عن عقبة أبي المغيرة، قال: دخلنا مسجد إبراهيم وقد صلينا العصر، وأذن المؤذن، فأردنا أن نخرج، فقال إبراهيم: صلوا".
وقال: "وهذا كله إذا أذن المؤذن في وقت الصلاة، فإذا أذن قبل الوقت، فإن كان لغير الفجر فلا عبرة بهذا الأذان؛ لأنه غير مشروع، وإن كان للفجر فيجوز الخروج من المسجد بعد الأذان قبل طلوع الفجر للمؤذن. نص عليه الإمام أحمد.
وغير المؤذن في معناه؛ فإن حكم المؤذن في الخروج بعد الأذان من المسجد كحكم غيره في النهي عند أكثر العلماء، ونص عليه أحمد، وإسحاق، وقال: لا نعلم أحداً من السلف فعل خلاف ذلك.
ورخص فقهاء أهل الكوفة، منهم: سفيان وغيره في أن يخرج المؤذن من المسجد بعد أذانه للأكل في بيته". انتهى
الحديث متفق عليه
جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم