صحيح البخاري الحديث (640)

إسم الكاتب : أبو الحسن علي الرملي


  • بَابٌ: إِذَا قَالَ الإِمَامُ: مَكَانَكُمْ حَتَّى رَجَعَ انْتَظَرُوهُ

    (بابٌ: إذا قالَ الإِمامُ) للجماعة: الزموا (مَكَانَكُمْ، حَتَّى رَجَعَ) وفي رواية: "حتى نرجع"، وفي رواية: "حتى أرجع"، وفي رواية: "حتى يرجع".

    وجواب إذا: قوله (انْتَظروهُ) حتى يرجع.

    640 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ، فَسَوَّى النَّاسُ صُفُوفَهُمْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَقَدَّمَ، وَهُوَ جُنُبٌ، ثُمَّ قَالَ: «عَلَى مَكَانِكُمْ» فَرَجَعَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً، فَصَلَّى بِهِمْ.

    (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) ابن منصور الكوسج.

    قال ابن حجر: "كَذَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ غَيْرُ مَنْسُوبٍ، وَجَوَّزَ ابْنُ طَاهِرٍ، وَالْجَيَّانِيُّ أَنَّهُ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَبِهِ جَزَمَ الْمِزِّيُّ، وَكُنْتُ أُجَوِّزُ أَنَّهُ ابْنُ رَاهْوَيْهِ لِثُبُوتِهِ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ الْفِرْيَابِيِّ إِلَى أَنْ رَأَيْتُ فِي سِيَاقِهِ لَهُ مُغَايِرَةً".

    (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابي (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ، فَسَوَّى) أي فعدل (النَّاسُ صُفُوفَهُمْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إليهم من الحجرة (فَتَقَدَّمَ، وَهُوَ جُنُبٌ) قال ابن حجر: «وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْغُسْلِ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ:" فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ"، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ:" ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَغْتَسِلْ"، وَمَضَتْ فَوَائِدُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ". انتهى

    (ثُمَّ قَالَ: «عَلَى مَكَانِكُمْ») أي اثبتوا فيه ولا تتفرّقوا (فَرَجَعَ) إلى الحجرة (فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ) إلى المسجد (وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً، فَصَلَّى بِهِمْ) من غير إعادة الإقامة كما هو ظاهر السياق.

    قال ابن رجب: «قد تقدم الكلامُ في القيام قبل خروج الإمام، وانتظارِ المأمومين له قياما قبل خروجه، فأما إذا ذكر حاجةً فانصرف مِن المسجد وقال لهم: "مكانَكم حتى أرجع"؛ فإنهم ينتظرونه قياما حتى يرجع إليهم، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث".

    وقال: «وفي الرواية المذكورة في الباب الماضي، قال: "فمكثنا على هَيئتِنا حتى خرج إلينا"، وهذا يدل على أنهم انتظروه قياماً».

    وقال: «وفي رواية لمسلم –أيضا - في هذا الحديث: "فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا قام في مصلاه قبل أن يكبر، ذكر فانصرف وقال لنا: "مكانَكم".

    وهذه الرواية صريحةٌ في أنه انصرف قبل التكبير، وهو – أيضا - ظاهر رواية البخاري». انتهى

    وقد تقدمت هذه المسألة: هل كبر قبل أن ينصرف أم لم يكبر؟ والصحيح أنه لم يكبر.

    وبنى عليها العلماء فقها:

    قال ابن عبد البر: «ومن روى أو اعتقد أنه لم يكبر فقد أراح نفسه من الكلام في هذا الباب، وإنما القول والتوجيه فيه على من روى أنه كبر ثم قال لهم:" وأشار إليهم أن امكثوا".

    وقد ظن بعض شيوخنا أن في إشارته إليهم أن امكثوا دليلا على أنه إذا انصرف إليهم بنى بهم؛ لأنه لم يتكلم، وهذا جهل وغلط فاحش ولا يجوز عند أحد من العلماء أن يبني أحدٌ على ما صنع من صلاته غيرَ طاهر، ولا يخلو أمره عليه السلام إذا رجع من أحد ثلاثة أوجه:

    1. إما أن يكون بنى على التكبيرة التي كبرها وهو جنب، وبنى القومُ معهم على تكبيرهم. فإن كان هذا فهو منسوخ بالسنة والإجماع:

    أما السنة فقوله عليه السلام: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور" فكيف يبني على ما صلى وهو غير طاهر، وتكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة فكيف يجتزئ بها وقد عملها على غير طهارة، هذا لا يظنه ذو لب، ولا يقوله أحد؛ لأن علماء المسلمين مجمعون على أن الإمام وغيرَه من المصلين لا يبني أحدٌ منهم على شيء عمله في صلاته وهو على غير طهارة، وإنما اختلفوا في بناء المحدِث على ما قد صلى وهو طاهر قبل حدثه.

    وقد بينا ذلك فيما مضى من هذا الكتاب في باب بناء الراعف. والحمد لله.

    1. والوجه الآخر: أن يكون عليه السلام حين انصرف بعد غُسله استأنف صلاته، واستأنفها أصحابه معه بإحرام جديد، وأبطلوا إحرامهم وإن كانوا قد أحرموا معه، وكان لهم أن يعتدوا به لو استخلف من يتم بهم.

    فإن كان هذا؛ فليس في الحديث معنى يشكل حينئذ على مذهب مَن روى أنه كبر ثم أشار إليهم أن امكثوا ثم انصرف.

    وأما من روى أنه لم يكبر أولًا، وكبر لما انصرف -أي لما رجع إلى الصلاة-؛ فليس في روايته شيء يحتاج إلى قول، غيرَ انتظار الإمام إذا كان في الوقت سعة، وهذا أمر مجتمع على جوازه، ولا مدخل أيضا للقول فيه.

    1. والوجه الثالث: أن يكون النبي عليه السلام كبر محرما مستأنفا لصلاته، وبنى القومُ خلفه على ما مضى من إحرامهم، فهذا وإن كان فيه النكتةُ المجيزةُ لصلاة القومِ خلف الإمام الجنب لاستجزائهم بإحرامهم؛ فإنه لا يصح ولا يخرَّج على مذهب مالك؛ لأنه حينئذ يكون إحرامُ القومِ قبل إحرامِ إمامهم وهذا غير جائز عند مالك وجمهور الفقهاء، وإنما أجازه الشافعي في أحد قوليه.

    والصحيح عن الشافعي ما ذكره البويطي وغيره عنه أن إحرام المأموم لا يصح إلا بعد تكبيرة إمامه في إحرامه، ومن كبر قبل إمامه فلا صلاة له.

    لا يحتمِل الحديثُ غيرَ هذه الأوجه، ولا يخلوا من أحدها، وليس في شيء منها ما يدل على جواز صلاة المأموم الطاهر خلف الإمام الجنب على مذهب مالك، فتدبره تجده كذلك إن شاء الله.

    وأما الشافعي فيصح الاستدلال بهذا الحديث على أصله في أن صلاة القوم عنده غير مرتبطة بصلاة إمامهم؛ لأن الإمام قد تبطل صلاته وتصح صلاة من خلفه، وقد تبطل صلاة المأموم وتصح صلاة الإمام بوجوه أيضا كثيرة، فلذلك لم تكن صلاتهما مرتبطة، ولذلك لم يضرهم عنده اختلافُ نياتهم ونيتِه في صلاة واحدة؛ لأن كلًا يصلي بنفسه ولا يحتمِل فرضا عن صاحبه.

    ولذلك أجاز في أحد قوليه إحرامَ المأمومين قبل إمامهم، وإن كان لا يستحب لهم ذلك؛ لأنه مستحيل أن يدخلوا في صلاة إمامهم ولم يدخل فيها بعدُ. ولأصحابه دلائل واحتجاجات للقولين ليس كتابنا هذا موضعا لذكرها.

    وجملة قول مالك وأصحابه في إمامٍ أحرمَ بقوم فذكر أنه جنبٌ أو على غير وضوء: أنه يخرج ويقدِّمُ رجلا، فإن خرج ولم يقدم أحدا قدموا لأنفسهم مَن يتم بهم الصلاة، فإن لم يفعلوا وصلوا أفرادا أجزأتهم صلاتهم، فإن انتظروه ولم يقدموا أحدا لم تفسد صلاتُهم.

    وروى يحيى بن يحيى عن ابن نافع قال:" إذا انصرف الإمامُ ولم يُقدِّم، وأشار إليهم امكثوا - كان حقا عليهم ألا يقدموا أحدا حتى يرجع فيتم بهم".

    قال أبو عمر: قوله: "فيتم بهم" لا يصح في الجنب وغير المتوضئ، وإنما يصح فيمن أحدث.

    وأما من لم يكن على طهارة فإنه يبتدئ بهم، لا يتم. وقد أوضحنا هذا بما يغني عن تكراره». انتهى المراد.

    الحديث متفق عليه

    تحميل الملفات :-

جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم