• نوع الفتوى: فقه
  • عنوان الفتوى: خلطة الإبل والبقر والغنم وتأثيرها في الزكاة
  • رقم الفتوى: 4295
  • تاريخ الإضافة: 6 رجب 1441
  • السؤال
    ما تأثير الخلطة في الزكاة ؟ بمعنى اشتركت أنا وصاحب لي في الغنم لي عشرون رأساً، وله عشرون وهي مختلطة مع بعضها، فهل فيها زكاة؟ وكيف تحسب؟
  • الاجابة

    الخلطة مؤثرة في الأنعام فقط أي في الإبل والبقر والغنم، لا في بقية الأموال، فالأموال الأخرى كالدنانير والفضة والذهب، هذه لا تتأثر بالاختلاط، وكل شخص يخرج زكاته من ماله، سواء كان مجتمعاً أو متفرقاً، الاختلاط يؤثر فقط في الإبل والبقر والغنم ، وهو الصحيح من كلام أهل العلم.

    ودليله أن الجمع والتفريق مؤثر قِلّة وكثرة في الماشية ولا يؤثر في غيرها، والاختلاط يؤثر في الماشية بالنفع تارة، وبالضرر تارة أخرى، وأما في غيرها فيؤثر دائماً بالضرر على صاحب المال، فلا تعتبر في غير الماشية؛ لأنها دائماً مضرة على صاحب المال ، فما كان مجتمعاً لا يفرَّق خشية الصدقة، وما كان مفرَّقاً فلا يجمع خشية الصدقة.

    وقد جاء هذا في « صحيح البخاري » من حديث أنس قال، قال رسول الله ﷺ: «ولا يُجْمَعُ بين متفرّق، ولا يُفَرّقُ بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فيتراجعا بالسوية »([1]).

    ولتوضيح ذلك: افرض أن لزيد أربعين رأساً من الغنم، ولعمرو أربعين رأساً، ولبكر أربعين رأساً، وهي متفرّقة، فكل واحد من هؤلاء عليه شاة زكاة، فيجمعون شياههم، فيصير عددها مائة وعشرين رأساً، والمائة وعشرون هذه فيها شاة واحدة، فيسقطون عن أنفسهم شاتين، وهذا تحايل على شرع الله ولهذا نهى عنه النبي ﷺ.

    وأما الصورة الثانية، وهي تفريق المُجْتَمِعِ، أن يكون لك عشرون شاة ولي عشرون شاة مجتمعة، فتكون زكاتُها مجتمعة شاة واحدة، فإذا فرَّقناها لم يكن على أي منا شيء؛ لأن نصاب زكاة الغنم أربعون شاة كما بيناه في الفتوى رقم (4290) وهذا منهِيٌّ عنه أيضاً.

    وأما قول النبي – صلى الله عليه وسلم - : «وما كان من خليطين فيتراجعا بالسوية»([2]) مثلاً: لي ولك أربعون رأساً من الشياه مختلطة، فجاء عامل الصدقة وأخذ من هذه الشياه الأربعين المختلطة شاة واحدة - وهي زكاة نصاب الغنم -، فهذه الشاة المأخوذة زكاة للنصاب تحسب على مَنْ؟ عليك أم عليّ؟

    الجواب: أن النبي ﷺ قال في هذا: «فليتراجعا بالسويّة»، أي يدفع كل واحد النسبة التي عليه، فلو كان كل واحد منّا يملك عشرين شاة، فعلى كل منّا نصف ثمن الشاة، فإذا أخذت الشاة من شياهي آخذ منك ثمن نصف الشاة مثلاً. ولو كنت تملك الثلثين وأملك الثلث، فعليك ثلثا ثمن الشاة وعليّ الثلث.

    وأما ضابط الاجتماع والتفريق ؛ فالاجتماع نوعان، اجتماع أعيان واجتماع أوصاف.

    فأما اجتماع الأعيان: فهو الاشتراك بالتملك في أعيان بهيمة الأنعام، فلا يتميز ملك أحدهما عن الآخر.

    مثلاً: أشترك أنا وأنت في أربعين شاة، لا تتميز شياهي عن شياهك، وهذا اشتراك شيوع لا تمييز فيه، هي أربعون شاة لي ولك، ليس فيها أن تلك الشاة الحمراء مثلاً لك والبيضاء لي، بل كلها لي ولك، فهذا اجتماع أعيان.

    ويحدث في حالات الميراث، فمثلاً مات رجل وترك ولدين ذكرين وعنده أربعون رأساً من الشياه، فللأول عشرين وللثاني عشرين، لكنها غير متميزة.

    وأما الاجتماع الثاني، وهو اجتماع الأوصاف، وتكون الشياه فيها متميِّزة، فأنا وأنت مشتركون، لكن شياهك معروفة لها أوصاف معلومة وشياهي معروفة لها أوصاف وعلامات معلومة.

    فإن اجتمعت هذه الشياه، فما هو ضابط الاجتماع الذي تعدّ فيه مجتمعة أو تعد متفرقة؟

    بالنسبة لاجتماع الأعيان فلا إشكال فيها لأنها غير متميزة أصلاً.

    لكن الإشكال في اجتماع الأوصاف، متى تعدّ مجتمعة ومتى تعد متفرقة؟

    قال أهل العلم: إذا اشتركت في أشياء تعتبر مجتمعة، فما هي هذه الأشياء؟

    أن تشترك:

    1. في المُراح: وهو مأواها ليلاً، فإن كانت تأوي إلى مكان واحد تكون قد اشتركت في المُراح.
    2. في المسرح: وهو المرتع الذي ترعى فيه.
    3. في المَحْلَب: وهو الموضع الذي تُحلب فيه.
    4. في المشرب: وهو مكان شربها، بأن تسقى من ماء واحد، نهر أو عين أو بئر أو حوض أو غير ذلك.
    5. في الفَحْلِ: وهو الذكر الذي يجامع الإناث.
    6. في الراعي

    فإذا اشتركت في هذه الأوصاف الستة كانت هذه الأنعام مجتمعة لا يجوز تفريقها، وهذه الأشياء التي ذكرت فيها تخفيف مؤنة على الطرفين، لذلك اعتبرت عند التجميع والتفريق.

    فإذا كانت غنمكم مجتمعة بالأوصاف التي ذكرناها، وكانت سائمة أكثر الحول، وحال عليها الحول ففيها زكاة شاة واحدة، تقسم عليكما بالنصف. والله أعلم هذه خلاصة الفتوى 

    قال البغوي في شرح السنة (6/ 14): وقوله: «ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة»، فيه بيان أن الخلطة تجعل مال الرجلين كمال الرجل الواحد في حق الزكاة، وهي تارة تؤثر في تقليل الزكاة، وتارة في تكثيرها.
    بيان التقليل: إذا كان بين الرجلين ثمانون شاة مختلطة، فتم الحول عليها، لا تجب عليهما إلا شاة واحدة، ولو تميز نصيب كل واحد منهما كان عليهما شاتان، وكذلك إذا كان بين ثلاثة، مائة وعشرون مختلطة لا تجب عليهم إلا شاة واحدة، ولو تميزت الأنصباء، كان عليهم ثلاث شياه.
    وبيان التكثير: أن يكون بين جماعة أربعون من الغنم مختلطة عليهم فيها شاة، ولو تميز نصيب كل واحد منهم لم يكن عليه شيء. وقوله: «ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع»، نهي من جهة صاحب الشرع للساعي ورب المال جميعا، نهى رب المال عن الجمع والتفريق قصدا إلى تقليل الصدقة، ونهى الساعي عنهما قصدا إلى تكثير الصدقة، وبيانه: إذا كانت بين رجلين أربعون شاة مختلطة، فلما أظلهما الساعي، فرقاها، لئلا تجب عليهما الزكاة، أو كانت متفرقة، فأراد الساعي جمعها لتجب الزكاة، أو كانت بينهما ثمانون مختلطة، فأراد الساعي تفريقها ليأخذ شاتين، أو كانت متفرقة، فأراد أرباب المال جمعها، لئلا تجب عليهما إلا شاة واحدة، فنهوا عن ذلك، وأمروا بتقريرها على حالتها.
    وقد جاء في الحديث «لا خلاط»، والمراد منه هذا وهو أن يجمع بين المتفرق، ليتغير حكم الزكاة، ولو أنهم فرقوا أو جمعوا قبل تمام الحول كان الحكم للتفريق، ولو فعلوا بعد الحول لا يتغير به حكم الزكاة في الحول الماضي، وهذا الذي ذكرناه من ثبوت حكم الخلطة قول أكثر العلماء.
    وذهب أصحاب الرأي إلى أن الخلطة لا تغير حكم الزكاة، بل عليهم زكاة الانفراد.
    وقال مالك، وسفيان: لا حكم للخلطة حتى يكون نصيب كل واحد من الخلطاء نصابا، مثل أن يكون لكل واحد أربعون، فإن كان بين رجلين أربعون مختلطة، فلا زكاة عليهما فيها.
    ولا فرق في ثبوت حكم الخلطة عند مالك، والشافعي بين أن لا يتميز أعيان الأموال مثل أن ورثا أو اشتريا سائمة معا، فما من واحدة منها إلا وهي مشتركة بينهما، وبين أن يتميز الأعيان، بأن كان لكل واحد منهما سائمة، فخلطاها وكل واحد يعرف عين مال نفسه، وتسمى هذه الخلطة خلطة المجاورة، والأولى خلطة المشاركة.
    وروي عن عطاء، وطاوس، إذا عرف الخليطان كل واحد أموالهما، فليسا بخليطين.
    ثم الشافعي شرط في ثبوت حكم الخلطة في المجاورة أن يجتمعا في المراح، والمسرح، وموضع السقي، والحلاب، واختلاط الفحولة، فإن تفرقا في شيء منها، فليسا بخليطين.
    وقال مالك، والأوزاعي: أن يكون الراعي، والفحل، والمراح واحدا، فإن فرقهما المبيت، هذه في قرية، وهذه في قرية، فلا تبطل الخلطة.
    والخليطان في الدراهم والدنانير، والزروع والثمار يزكيان زكاة واحدة أيضا عند الشافعي، إذا بلغ مجموع أنصابهم نصابا.
    وقوله: «وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية»، فهذا في خلطة المشاركة لا يتصور، لأن المأخوذ يكون من ماليهما إلا أن لا يكون الواجب من جنس ماله، مثل أن كان بينهما خمس من الإبل، فجاء الساعي وهي في يد أحدهما، فأخذ منه شاة، رجع هو على شريكه بقيمة حصته.
    ويتصور في خلطة المجاورة مثل أن يكون بينهما أربعون شاة، لكل واحد عشرون يعرف كل واحد عين ماله، فأخذ الساعي شاة من نصيب أحدهما، رجع المأخوذ منه على شريكه بقيمة نصف شاته، وإن ظلمه الساعي، فأخذ زيادة على فرضه، لا يرجع على شريكه بتلك الزيادة، لأنه لم يظلمه. انتهى 

    وقال ابن قدامة في المغني (2/ 456): قال (وإن اختلط جماعة في خمس من الإبل، أو ثلاثين من البقر، أو أربعين من الغنم، وكان مرعاهم ومسرحهم ومبيتهم ومحلبهم وفحلهم واحدا، أخذت منهم الصدقة) وجملته: أن الخلطة في السائمة تجعل مال الرجلين كمال الرجل الواحد في الزكاة.

    سواء كانت خلطة أعيان، وهي: أن تكون الماشية مشتركة بينهما، لكل واحد منهما نصيب مشاع، مثل أن يرثا نصابا أو يشترياه، أو يوهب لهما، فيبقياه بحاله.

    أو خلطة أوصاف، وهي: أن يكون مال كل واحد منهما مميزاً، فخلطاه، واشتركا في الأوصاف التي نذكرها.

    وسواء تساويا في الشركة، أو اختلفا، مثل أن يكون لرجل شاة، ولآخر تسعة وثلاثون، أو يكون لأربعين رجلا أربعون شاة، لكل واحد منهم شاة.

    نص عليهما أحمد، وهذا قول عطاء والأوزاعي والشافعي والليث وإسحاق.

    وقال مالك: إنما تؤثر الخلطة إذا كان لكل واحد من الشركاء نصاب.

    وحكي ذلك عن الثوري وأبي ثور، واختاره ابن المنذر.

    وقال أبو حنيفة: لا أثر لها بحال؛ لأن ملك كل واحد دون النصاب، فلم يجب عليه زكاة، كما لو لم يختلط بغيره. ولأبي حنيفة فيما إذا اختلطا في نصابين، أن كل واحد منهما يملك أربعين من الغنم، فوجبت عليه شاة؛ لقوله - عليه السلام -: «في أربعين شاة شاة» . 

    ولنا: ما روى البخاري، في حديث أنس الذي ذكرنا أوله: «لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع، خشية الصدقة»، «وما كان من خليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية ».

    ولا يجيء التراجع إلا على قولنا في خلطة الأوصاف.

    وقوله: "لا يجمع بين متفرق" إنما يكون هذا إذا كان لجماعة، فإن الواحد يضم ماله بعضه إلى بعض وإن كان في أماكن، وهكذا:" لا يفرق بين مجتمع".
    ولأن للخلطة تأثيراً في تخفيف المؤنة، فجاز أن تؤثر في الزكاة كالسوم والسقي.

     وقياسهم مع مخالفة النص غير مسموع.

    إذا ثبت هذا، فإن خلطة الأوصاف يعتبر فيها اشتراكهم في خمسة أوصاف:

    المسرح، والمبيت، والمحلب، والمشرب، والفحل.

    قال أحمد: الخليطان أن يكون راعيهما واحدا، ومراحهما واحداً، وشربهما واحداً. وقد ذكر أحمد في كلامه شرطا سادسا، وهو الراعي.
    قال الخرقي: " وكان مرعاهم ومسرحهم واحدا ". فيحتمل أنه أراد بالمرعى الراعي، ليكون موافقا لقول أحمد، ولكون المرعى هو المسرح.

    قال ابن حامد: المرعى والمسرح شرط واحد، وإنما ذكر أحمد المسرح ليكون فيه راع واحد، والأصل في هذا ما روى الدارقطني، في " سننه "، بإسناده عن سعد بن أبي وقاص، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع، خشية الصدقة» والخليطان ما اجتمعا في الحوض والفحل والراعي " وروي " المرعى ".
    وبنحو من هذا قال الشافعي.

    وقال بعض أصحاب مالك: لا يعتبر في الخلطة إلا شرطان: الراعي، والمرعى؛ لقوله - عليه السلام -: " لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق ". والاجتماع يحصل بذلك، ويسمى خلطة، فاكتفي به.

    ولنا: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «والخليطان: ما اجتمعا في الحوض والراعي والفحل» فإن قيل: فلم اعتبرتم زيادة على هذا؟ قلنا: هذا تنبيه على بقية الشرائط، وإلغاء لما ذكروه، ولأن لكل واحد من هذه الأوصاف تأثيراً. فاعتبر كالمرعى.

    إذا ثبت هذا فالمبيت معروف، وهو المراح الذي تروح إليه الماشية، قال الله تعالى {حين تريحون وحين تسرحون} [النحل: 6] .

    والمسرح والمرعى واحد، وهو الذي ترعى فيه الماشية، يقال: سرحت الغنم، إذا مضت إلى المرعى، وسرحتها، أي بالتخفيف والتثقيل، ومنه قوله تعالى: {وحين تسرحون} [النحل: 6] .

    والمحلب: الموضع الذي تحلب فيه الماشية، يشترط أن يكون واحدا، ولا يفرد كل واحد منهما لحلب ماشيته موضعا، وليس المراد منه خلط اللبن في إناء واحد؛ لأن هذا ليس بمرفق، بل مشقة، لما فيه من الحاجة إلى قسم اللبن.

    ومعنى كون الفحل واحداً، أن لا تكون فحولة أحد المالين لا تطرق غيره.

    وكذلك الراعي، هو أن لا يكون لكل مال راع، ينفرد برعايته دون الآخر. 

    ويشترط أن يكون المختلطان من أهل الزكاة، فإن كان أحدهما ذمياً أو مكاتباً لم يعتد بخلطته.

     ولا تشترط نية الخلطة، وحكي عن القاضي، أنه اشترطها. ولنا، قوله - عليه السلام -: «والخليطان ما اجتمعا في الحوض والراعي والفحل» .
    ولأن النية لا تؤثر في الخلطة، فلا تؤثر في حكمها، ولأن المقصود بالخلطة من الارتفاق يحصل بدونها، فلم يتغير وجودها معه، كما لا تتغير نية السوم في الإسامة، ولا نية السقي في الزرع والثمار، ولا نية مضي الحول فيما يشترط الحول فيه. انتهى


    ([1]) أخرجه البخاري (1450).

    ([2]) تقدم تخريجه.

جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2023 موقع معهد الدين القيم