• نوع الفتوى: فقه
  • عنوان الفتوى: فسخ الزواج بسبب العيب
  • رقم الفتوى: 4699
  • تاريخ الإضافة: 5 رمضان 1441
  • السؤال

    إذا وجد الرجل في زوجته عيباً بعد الزواج، هل له فسخ النكاح؟ وكذلك المرأة؟

  • الاجابة

    نعم يجوز للرجل والمرأة فسخ النكاح بالعيب الكبير.

    هذا مذهب الكثير من علماء الإسلام؛ يجوِّزون فسخ النكاح بالعيب، إلا أنهم اتفقوا على أن العيب الصغير لا يُفسخ به النكاح.

    والعيب: كل ما يَفُوت به غرض الزوج أو الزوجة من النكاح.

    فقسم أهل العلم العيب إلى قسمين:

    فوات صفة كمال، وجود صفة نقص منفرة.

    فحُسْنُ الخُلُقِ مثلاً صفة كمال؛ إذا وُجدت في الرجل يعتبر كاملاً، وإذا نقصت يعتبر ناقص الكمال.

    لكن الجَبَّ - مثلاً - وهو قطع الذكر؛ صفة نقص منفرة ومؤثرة في النكاح.

    فالعيب الذي يفوِّت صفة كمال لا خيار فيه إلا بالشرط، أي إلا إذا اشترط في عقد النكاح أن لا يكون.

    والعيب الذي يوجد صفة نقص منفرة؛ فيه الخيار للزوج والزوجة؛ فيُفسخ النكاح بسبب فوت هذه الصفة إن أرادا.

    وضابط العيب الذي يُفسخ النكاح به؛ هو كل عيبٍ ينفِّر الزوج الآخر منه، ولا يحصل به مقصود النكاح من الرحمة والمودة.

    هذا الضابط هو الذي ذكره ابن القيم - رحمه الله – فيما يوجب الخيار ويجوز به فسخ النكاح.

    مثال ذلك:

    رجل تزوج امرأة وكان مجبوب الذكر- يعني مقطوع الذكر- فلا قدرة له على الجماع، هذا عيب مؤثر ينفر الزوجة عن زوجها، ولا يحصل به مقصود النكاح، فمثل هذا يكون للمرأة فيه الخيار- بعد أن تعلم بالعيب - لها الخيار بين الاستمرار في عقد النكاح وفسخ العقد.

    فسخ النكاح؛ هو: فك عقدة النكاح.

    مثال آخر: وجود مرض منفر في المرأة، فللرجل أن يفسخ النكاح بعد أن يعلم بالعيب.

    وكذا لو كان العيب في الرجل، فللمرأة الفسخ، ولها المهر كاملاً إن دخل بها، ونصف المهر إن لم يدخل بها.

    وإذا كان العيب في المرأة فلها المهر كاملاً إن دخل بها، ونصف المهر إن لم يدخل بها؛ إذا لم تكن هي من غشه؛ فإن كانت هي التي غشّته فلا تعطى المهر؛ لأنها هي التي أوقعت الغش عليه فلا حق لها في هذه الحالة.

    فإن كان الغش من غيرها؛ فيرجع الزوج على من غشه بالمهر، فتعطى المرأة مهرها، ويستحقه الزوج ويطلبه ممن غشه.

    يعني فلنقل بأن الولي هو الذي غش الزوج ففي هذه الحالة يفسخ النكاح، ويعطي المرأة مهرها، ويرجع بالمهر الذي أعطاه للمرأة على الولي الذي غشه، بمعنى أنه يأخذ المهر من الولي الذي غشّه.

    استدلوا على الفسخ بالعيب في النكاح بحديث ابن عمر أو زيد بن كعب([1]) ولا يصح ، ولكنه ثابت عن عمر رضي الله عنه من قوله([2]). والله أعلم هذه خلاصة الفتوى 

    قال ابن عبد البر في الاستذكار (5/ 422): "أجمعوا على أن النكاح لا ترد فيه المرأة بعيب صغير، خلاف البيوع". انتهى

    وقال ابن قدامة في المغني (7/ 184): خيار الفسخ يثبت لكل واحد من الزوجين لعيب يجده في صاحبه في الجملة.

    روي ذلك عن عمر بن الخطاب، وابنه، وابن عباس. وبه قال جابر بن زيد، والشافعي، وإسحاق.

    وروي عن علي: لا ترد الحرة بعيب. وبه قال النخعي، والثوري، وأصحاب الرأي. وعن ابن مسعود: لا ينفسخ النكاح بعيب. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، إلا أن يكون الرجل مجبوبا أو عنينا، فإن للمرأة الخيار، فإن اختارت الفراق، فرق الحاكم بينهما بطلقة، ولا يكون فسخا؛ لأن وجود العيب لا يقتضي فسخ النكاح، كالعمى والزمانة وسائر العيوب.

    ولنا أن المختلف فيه عيب يمنع الوطء، فأثبت الخيار، كالجب والعنة، ولأن المرأة أحد العوضين في عقد النكاح، فجاز ردها بالعيب، كالصداق، أو أحد العوضين في عقد النكاح، فجاز رده بالعيب، أو أحد الزوجين، فثبت له الخيار بالعيب في الآخر كالمرأة. وأما غير هذه العيوب، فلا يمنع المقصود بعقد النكاح، وهو الوطء، بخلاف العيوب المختلف فيها
    فإن قيل: فالجنون والجذام والبرص لا يمنع الوطء. قلنا: بل يمنعه؛ فإن ذلك يوجب نفرة تمنع قربانه بالكلية ومسه، ويخاف منه التعدي إلى نفسه ونسله، والمجنون يخاف منه الجناية، فصار كالمانع الحسي. انتهى

    قال ابن تيمية : وترد المرأة بكل عيب ينفر عن كمال الاستمتاع. انتهى المستدرك على مجموع الفتاوى (4/ 178).

    وقال ابن القيم في زاد المعاد (5/ 165): فاختلف الفقهاء في ذلك، فقال داود وابن حزم ومن وافقهما: لا يفسخ النكاح بعيب البتة، وقال أبو حنيفة: لا يفسخ إلا بالجب والعنة خاصة.
    وقال الشافعي ومالك: يفسخ بالجنون والبرص والجذام والقرن والجب والعنة خاصة، وزاد الإمام أحمد عليهما: أن تكون المرأة فتقاء منخرقة ما بين السبيلين، ولأصحابه في نتن الفرج والفم وانخراق مخرجي البول والمني في الفرج، والقروح السيالة فيه والبواسير والناصور والاستحاضة، واستطلاق البول والنجو والخصي وهو قطع البيضتين، والسل وهو سل البيضتين والوجء وهو رضهما، وكون أحدهما خنثى مشكلا، والعيب الذي بصاحبه مثله من العيوب السبعة، والعيب الحادث بعد العقد وجهان.
    وذهب بعض أصحاب الشافعي: إلى رد المرأة بكل عيب ترد به الجارية في البيع، وأكثرهم لا يعرف هذا الوجه ولا مظنته ولا من قاله. وممن حكاه أبوعاصم العباداني في كتاب طبقات أصحاب الشافعي، وهذا القول هو القياس أو قول ابن حزم ومن وافقه.
    وأما الاقتصار على عيبين أو ستة أو سبعة أو ثمانية دون ما هو أولى منها أو مساو لها، فلا وجه له فالعمى والخرس والطرش وكونها مقطوعة اليدين، أو الرجلين أو إحداهما أو كون الرجل كذلك من أعظم المنفرات، والسكوت عنه من أقبح التدليس والغش، وهو مناف للدين، والإطلاق إنما ينصرف إلى السلامة فهو كالمشروط عرفا، وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه " لمن تزوج امرأة وهو لا يولد له: أخبرها أنك عقيم وخيرها " فماذا يقول رضي الله عنه في العيوب التي هذا عندها كمال لا نقص؟! .
    والقياس أن كل عيب ينفر الزوج الآخر منه ولا يحصل به مقصود النكاح من الرحمة والمودة يوجب الخيار وهو أولى من البيع، كما أن الشروط المشترطة في النكاح أولى بالوفاء من شروط البيع، وما ألزم الله ورسوله مغرورا قط ولا مغبونا بما غر به وغبن به، ومن تدبر مقاصد الشرع في مصادره وموارده وعدله وحكمته وما اشتمل عليه من المصالح لم يخف عليه رجحان هذا القول وقربه من قواعد الشريعة.
    وقد روى يحيى بن سعيد الأنصاري عن ابن المسيب قال قال عمر: (أيما امرأة زوجت وبها جنون أو جذام أو برص فدخل بها ثم اطلع على ذلك فلها مهرها بمسيسه إياها وعلى الولي الصداق بما دلس كما غره) .
    ورد هذا بأن ابن المسيب لم يسمع من عمر من باب الهذيان البارد المخالف لإجماع أهل الحديث قاطبة، قال الإمام أحمد: إذا لم يقبل سعيد بن المسيب عن عمر، فمن يقبل. وأئمة الإسلام وجمهورهم يحتجون بقول سعيد بن المسيب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف بروايته عن عمر رضي الله عنه، وكان عبد الله بن عمر يرسل إلى سعيد يسأله عن قضايا عمر، فيفتي بها، ولم يطعن أحد قط من أهل عصره ولا من بعدهم ممن له في الإسلام قول معتبر في رواية سعيد بن المسيب عن عمر ولا عبرة بغيرهم.
    وروى الشعبي عن علي: (أيما امرأة نكحت وبها برص أو جنون أو جذام أو قرن فزوجها بالخيار ما لم يمسها إن شاء أمسك وإن شاء طلق وإن مسها فلها المهر بما استحل من فرجها) .
    وقال وكيع: عن سفيان الثوري عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن عمر قال: (إذا تزوجها برصاء أو عمياء فدخل بها فلها الصداق ويرجع به على من غره) .
    وهذا يدل على أن عمر لم يذكر تلك العيوب المتقدمة على وجه الاختصاص والحصر دون ما عداها، وكذلك حكم قاضي الإسلام - حقا - الذي يضرب المثل بعلمه ودينه وحكمه: شريح. قال عبد الرزاق: عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين خاصم رجل إلى شريح، فقال: إن هؤلاء قالوا لي: إنا نزوجك بأحسن الناس، فجاءوني بامرأة عمشاء، فقال شريح: إن كان دلس لك بعيب لم يجز، فتأمل هذا القضاء، وقوله: إن كان دلس لك بعيب. كيف يقتضي أن كل عيب دلست به المرأة فللزوج الرد به؟ وقال الزهري: يرد النكاح من كل داء عضال.
    ومن تأمل فتاوى الصحابة والسلف علم أنهم لم يخصوا الرد بعيب دون عيب إلا رواية رويت عن عمر رضي الله عنه (لا ترد النساء إلا من العيوب الأربعة: الجنون والجذام والبرص والداء في الفرج) وهذه الرواية لا نعلم لها إسنادا أكثر من أصبغ عن ابن وهب عن عمر وعلي. روي عن ابن عباس ذلك بإسناد متصل، ذكره سفيان عن عمرو بن دينار عنه. هذا كله إذا أطلق الزوج. انتهى


    ([1]) أخرجه أحمد(16032)، وسعيد بن منصور(829)، وأبو يعلى الموصلي (5699)، والبيهقي في الكبرى (7/ 348)، ونقل عن البخاري تضعيفه، انظر إرواء الغليل (1912) للألباني.

    ([2]) الموطأ (3/ 752) للإمام مالك.

جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2022 موقع معهد الدين القيم