هل يجوز عند الجماع أن أفرغ الحيوان المنوي خارج رحم الزوجة لمنع الحمل؟ وهل يجوز استخدام التقنيات الحديثة لمنع الحمل؟
هذا الفعل يسمى في الشرع العَزْلُ، وهو: أن يخرج ذَكَرَهُ من فرج المرأة قبل الإنزال لمنع الحمل.
وخلاصة الفتوى يجوز ذلك، وكذلك يجوز استعمال أدوية منع الحمل ووضع ما يسمونه باللولب عند الحاجة كمرض مثلا أو تعب، إذا لم يكن بها ضرر على المرأة، ولم يكن المقصود منها منع الحمل مطلقاً. انتهى
وأما من أراد التفصيل فقد اختلف أهل العلم في حُكْم العزل؛ لورود أدلة متعارضة فيه؛ منها:
حديث جابر- رضي الله عنه - قال: كنّا نعزل والقرآن ينزل... ([1]).
ومنها: حديث أبي سعيد الخدري في الصحيحين؛ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق، فأصبنا سبياً من سبي العرب، فاشتهينا النساء، واشتدت علينا العزبة وأحببنا العزل، فأردنا أن نعزل، وقلنا نعزل ورسول الله ﷺ بين أظهرنا قبل أن نسأله؟! فسألناه عن ذلك، فقال: «ما عليكم أن لا تفعلوا، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة»([2]).
هذه الأحاديث تدل على جواز العزل.
وأما ما أخرجه مسلم من حديث جذامة بنت وهب الأسدية؛ أنهم سألوا رسول الله ﷺ عن العزل؛ فقال: «ذلك الوأد الخفي»([3])؛ فيدل على عدم الجواز، والوأد هو دفن الطفل الصغير في التراب، كان أهل الجاهلية يفعلونه إما خشية الفقر أو خشية العار إن كانت بنتاً، وهو الوأد الظاهر، وأما العزل فهو الوأد الخفي ، فشبَّه الأول بالثاني، مع أن الأول قتل والثاني لاقتل فيه.
وبناء على اختلاف هذه الأحاديث اختلف العلماء في حكم العزل.
والراجح: جواز العزل لما دلّت عليه الأحاديث التي في الصحيحين، وأما حديث جذامة فمحمول على الكراهة، وحمله البعض على أنه تنفير من فعل أهل الجاهلية الذين كانوا يَئِدونَ أبناءهم، مع أن بين الوأدين فرق كبير ، ولأهل العلم طرق كثيرة في تأويل هذا الحديث، ولا يبعد أن يكون المعنى الذي ذكره النبي ﷺ هنا إنما أراد به من فعل هذا خشية الإملاق – أي الفقر - الذي كان أهل الجاهلية يئدون أبناءهم-أي يدفنونهم أحياء - لأجله.
وأما استعمال أدوية منع الحمل فقال ابن باز رحمه الله:
"استعمال حبوب منع الحمل هذا على كل حال فيه تفصيل، إن دعت لها الحاجة؛ لأن الزوجة تحمل هذا على هذا، ويضرها ذلك؛ فلا بأس باستعمال الحبوب مع العناية بعدم ضررها، وأن يكون ذلك عن إشراف الطبيب، وعن معرفة تتعاطى ذلك، ما تحتاج إليه حتى يمضي مدة كسنة، أو سنتين، أو أكثر، ثم تدع الحبوب حتى تحمل، وحتى تنتفع هي وزوجها، والمسلمون، فلا ينبغي أن تكون الحبوب مستمرة؛ بل بقدر الحاجة فقط، أو لكونها مريضة يضرها الحمل إذا حملت لا تلد إلا بعمليات، ومضرة، فتأخذ الحبوب لأجل هذه المضرة العظيمة، أو لأسباب أخرى شرعية.
أما اعتيادها مطلقًا فلا ينبغي ذلك، بل هذا يضر المجتمع، ويضر الحكمة التي بينها الله -جل وعلا- على لسان رسوله محمد -عليه الصلاة والسلام- في الحث على الاستكثار من الأولاد؛ لتكثير الأمة، فإن الكفار، والمشركين يحبون أن يكثر هذا في الناس، يحبون أن يكثر فيهم تعاطي الحبوب؛ حتى يقل نسل المسلمين، وحتى يقل عددهم، وحتى يكثر عدد أعدائهم، هذا مطلوب للكفار، فلا ينبغي للمسلم أن يحقق طلبات الكفار باستعمال هذه الحبوب التي تضر المجتمع، وتقلل النسل، وتقلل أمة المسلمين، والله المستعان".
وقال: "عند الضرورة لا بأس بأخذ الحبوب مؤقتًا، إذا كان هناك مرض، وتعب للرحم بسبب الولادة، أو إجراء عملية؛ فلا مانع من أخذ الحبوب وقتًا دون وقت، كوقت الرضاع سنة أو سنتين؛ حتى يستريح الرحم بعض الراحة، فهذا يحتاج إلى مراجعة الأطباء العارفين، واتفاق مع الزوج في ذلك، إذا اتفقتما وصار هناك ضرر فيوقت، تؤخذ الحبوب بقدر محدود؛ حتى يزول الأثر الذي يحصل به الضرر". انتهى
([1]) أخرجه البخاري (5207)، ومسلم (1440).
([2]) أخرجه البخاري (4138)، ومسلم (1438).
([3]) أخرجه مسلم (1442).
جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم