موت خديجة رضي الله عنها

إسم الكاتب : أبو الحسن علي الرملي


  • من صحيح السيرة النبوية:

    42- قال ابن كثيرة في السيرة النبوية: فصل في موت خديجة بنت خويلد وذكر شيء من فضائلها ومناقبها رضي الله عنها وأرضاها، وجعل جنات الفردوس منقلبها ومثواها. وقد فعل ذلك لا محالة بخبر الصادق المصدوق، حيث بشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب. انتهى

    صح عن عروة بن الزبير والزهري أن خديجة توفيت قبل أن تفرض الصلاة، أي قبل الإسراء.

    قال ابن كثير في مسند الفاروق: وفي «الصحيح»: أن خديجة ماتت قبل أن تُفرَضَ الصلاة، وهو المشهور عند العلماء: أن الإسراء كان بعد موت خديجة رضي الله عنها وأرضاها. انتهى

    وسأذكر ما قاله ابن كثير في السيرة في هذا الفصل باختصار وتصرف: وقال محمد بن إسحاق: ماتت خديجة وأبو طالب في عام واحد.

    وقال البيهقي: بلغني أن خديجة توفيت بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام.

    ذكره عبد الله بن منده في كتاب المعرفة، وشيخنا أبو عبد الله الحافظ.

    قال البيهقي: وزعم الواقدي أن خديجة وأبا طالب ماتا قبل الهجرة بثلاث سنين عام خرجوا من الشعب، وأن خديجة توفيت قبل أبي طالب بخمس وثلاثين ليلة.

    قلت: مرادهم قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء.

    وكان الأنسب بنا أن نذكر وفاة أبي طالب وخديجة قبل الإسراء، كما ذكره البيهقي وغير واحد، ولكن أخرنا ذلك عن الإسراء لمقصد ستطلع عليه بعد ذلك، فإن الكلام به ينتظم ويتسق الباب.

    كما تقف على ذلك إن شاء الله.

    وعن أبي هريرة، قال: أتى جبرائيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام، أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب. متفق عليه.

    وعن إسماعيل، قال: قلت لعبد الله بن أبى أوفى: بشر النبي صلى الله عليه وسلم خديجة؟ قال: نعم، ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب. متفق عليه

    قال السهيلي: وإنما بشرها " ببيت في الجنة من قصب "، يعني قصب اللؤلؤ، لأنها حازت قصب السبق إلى الإيمان " لا صخب فيه ولا نصب " لأنها لم ترفع صوتها على النبي صلى الله عليه وسلم ولم تتعبه يوما من الدهر، فلم تصخب عليه يوما ولا آذته أبدا.

    وأخرجاه في الصحيحين، من حديث هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما غرت على امرأة للنبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة - وهلكت قبل أن يتزوجني - لما كنت أسمعه يذكرها.

    وأمره الله أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب، وإن كان ليذبح الشاة فيهدي في خلائلها منها ما يسعهن.

    لفظ البخاري.

    وفي لفظ عن عائشة: ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة، من كثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها، وتزوجني بعدها بثلاث سنين، وأمره ربه، أو جبرائيل، أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب.

    وفي لفظ له قالت: ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة، وما رأيتها، ولكن كان يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة فيقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة! فيقول: " إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد ".

    وأخرج البخاري عن عائشة قالت: استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرف استئذان خديجة، فارتاع فقال: اللهم هالة! فغرت فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر قد أبدلك الله خيرا منها. متفق عليه

    وهذا ظاهر في التقرير على أن عائشة خير من خديجة، إما فضلاً وإما عشرة، إذ لم ينكر عليها ولا رد عليها ذلك، كما هو ظاهر سياق البخاري رحمه الله.

    ولكن أخرج الإمام أحمد عن عائشة قالت: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خديجة فأطنب في الثناء عليها، فأدركني ما يدرك النساء من الغيرة، فقلت: لقد أعقبك الله يا رسول الله من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين.

    قال: فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم تغيرا لم أره تغير عند شيء قط إلا عند نزول الوحي أو عند المخيلة حتى يعلم رحمة أو عذابا.

    وكذا رواه عن بهز بن أسد، وعثمان بن مسلم، كلاهما عن حماد بن سلمة، عن عبد الملك بن عمير به.

    وزاد بعد قوله: " حمراء الشدقين ": " هلكت في الدهر الاول ".

    قال: قالت: فتمعر وجهه تمعرا ما كنت أراه إلا عند نزول الوحي أو عند المخيلة حتى ينظر رحمة أو عذابا.

    تفرد به أحمد.

    وهذا إسناد جيد.

    وقال الامام أحمد أيضا: عن ابن إسحاق، أخبرنا مجالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر خديجة أثنى عليها بأحسن الثناء.

    قالت: فغرت يوما فقلت: ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدقين، قد أبدلك الله خيرا منها.

    قال: " ما أبدلني الله خيرا منها(1)، وقد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني أذ كذبني الناس ، وآستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء ".

    تفرد به أحمد أيضا.

    وإسناده لا بأس به.

    ومجالد روى له مسلم متابعة، وفيه كلام مشهور.

    والله أعلم.

    ولعل هذا، أعني قوله: " ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء " كان قبل أن يولد إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم من مارية، وقبل مقدمها بالكلية وهذا متعين فإن جميع أولاد النبي صلى الله عليه وسلم، كما تقدم وكما سيأتي، من خديجة إلا إبراهيم، فمن مارية القبطية المصرية رضي الله عنها.

    وقد استدل بهذا الحديث جماعة من أهل العلم على تفضيل خديجة على عائشة رضي الله عنها وأرضاها.

    وتكلم آخرون في إسناده.

    وتأوله آخرون على أنها كانت خيرا عشرة، وهو محتمل أو ظاهر، وسببه أن عائشة تمت بشبابها وحسنها وجميل عشرتها، وليس مرادها بقولها: " قد أبدلك الله خيرا منها " أنها تزكي نفسها وتفضلها على خديجة، فإن هذا أمر مرجعه إلى الله عز وجل، كما قال: { فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى} وقال تعالى: { ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم، بل الله يزكى من يشاء} الآية.

    وهذه مسألة وقع النزاع فيها بين العلماء قديما وحديثا(2)، وبجانبها طرق يقتصر عليها أهل التشيع وغيرهم، لا يعدلون بخديجة أحدا من النساء: لسلام الرب عليها، وكون ولد النبي صلى الله عليه وسلم جميعهم، إلا إبراهيم، منها، وكونه لم يتزوج عليها حتى ماتت إكراما لها وتقدير إسلامها، وكونها من الصديقات، ولها مقام صدق في أول البعثة، وبذلت نفسها ومالها لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وأما أهل السنة فمنهم من يغلو أيضا ويثبت لكل واحدة منهما من الفضائل ما هو معروف، ولكن تحملهم قوة التسنن على تفضيل عائشة لكونها ابنة الصديق، ولكونها أعلم من خديجة، فإنه لم يكن في الأمم مثل عائشة في حفظها وعلمها وفصاحتها وعقلها، ولم يكن الرسول يحب أحدا من نسائه كمحبته إياها، ونزلت براءتها من فوق سبع سموات، وروت بعده عنه عليه السلام علما جما كثيرا طيبا مباركا فيه، حتى قد ذكر كثير من الناس الحديث المشهور " خذوا شطر دينكم عن الحميراء ".

    الحق أن كلا منهما لها من الفضائل ما لو نظر الناظر فيه لبهره وحيره.

    والأحسن التوقف في ذلك إلى الله عز وجل.

    ومن ظهر له دليل يقطع به، أو يغلب على ظنه في هذا الباب، فذاك الذي يجب عليه أن يقول بما عنده من العلم.

    ومن حصل له توقف في هذه المسألة أو في غيرها، فالطريق الأقوم والمسلك الأسلم أن يقول: الله أعلم.

    وقد روى الامام أحمد والبخاري ومسلم الترمذي والنسائي، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد " أي خير زمانهما.

    وروى شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أبيه قرة بن إياس، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا ثلاث: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ".

    رواه ابن مردويه في تفسيره، وهذا إسناد صحيح إلى شعبة بعده.

    قالوا: والقدر المشترك بين الثلاث نسوة، آسية ومريم وخديجة، أن كلا منهن كفلت نبيا مرسلا، وأحسنت الصحبة في كفالتها وصدقته حين بعث.

    ومريم كفلت ولدها أتم كفالة وأعظمها وصدقته حين أرسل.

    وخديجة رغبت في تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم بها وبذلت في ذلك أموالها، كما تقدم، وصدقته حين نزل عليه الوحي من الله عزوجل.

    وقوله: " وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " هو ثابت في الصحيحين من طريق شعبة أيضا، عن عمرو بن مرة، عن مرة الطيب الهمداني، عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " والثريد هو الخبر واللحم جميعا، وهو أفخر طعام العرب.

    كما قال بعض الشعراء:

    إذا ما الخبز تأدمه بلحم... فذاك أمانة الله الثريد.

    ويحمل قوله: " وفضل عائشة على النساء " أن يكون محفوظا فيعم النساء المذكورات وغيرهن، ويحتمل أن يكون عاما فيما عداهن ويبقى الكلام فيها وفيهن موقوفا يحتمل التسوية بينهن، فيحتاج من رجح واحدة منهن على غيرها إلى دليل من خارج. انتهى والله أعلم.

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    (1) قال الألباني في الضعيفة (13/ 485) بعد أن بين ضعف هذه الرواية: وأنكر ما في الحديث قوله: "ما أبدلني الله خيراً منها"؛ وذلك لأمرين:

    الأول: أنه لم يرد في شيء من الطرق، وبخاصة طريق عروة عنها؛ فقد

    أخرجها البخاري (7/34/3831) ، ومسلم (7/134) من طريقين عن علي بن مسهر عن هشام عن أبيه عن عائشة ... قالت:

    "فغرت، فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشِّدقين،

    هلكت في الدهر، قد أبدلك الله خيراً منها".

    نحوه في "مسند أحمد" (6/150 و 154) من طريق حماد بن سلمة عن

    عبد الملك بن عمير عن موسى بن طلحة عن عائشة، وفيه بعد قوله: "الدهر": قالت: فتمعر وجهه تمعراً ما كنت أراه إلا عند نزول الوحي، أو عند المخيلة حتى ينظر أرحمة أم عذاب؟

    قلت: ففي هذين الطريقين الصحيحين إقراره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعائشة على قولها: "قد أبدلك الله خيراً منها"، وذلك، لأنها تعني في السن كما يدل عليه السياق، ويؤيده أنها صرحت بذلك في طريقين آخرين عنها عند الطبراني (23/13/21 و 14/23) ، أحدهما عن ابن مسعود عنها، وتقدم قريباً. والطريق الآخر: عن ابن أبي نجيح عنها. وهو مخرج في "الصحيحة" (1/ رقم216) شاهداً.

    والأمر الآخر: إذا تبين أن الخيرية التي أرادتها عائشة رضي الله تعالى عنها

    إنما هي السِّن، وليس السلوك؛ فهي حقيقة واقعة معروفة، فلا يتصور أن ينكرها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليها. فهذا يؤكد أن هذه الزيادة منكرة، ولذلك استغلها الرافضي في الطعن في عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا؛ لأنها صريحة في إنكاره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليها.

    وقد رد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في فصل خاص عقده لذلك بيَّن فيه فضل عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بأحاديث ذكرها، منها قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام ". متفق عليه، وهو مخرج في "مختصر الشمائل " (148) وغيره، ثم تأول حديث الترجمة - بعد أن أشار لضعفه - بتأويل آخر فقال: "إن صح - معناه: ما أبدلني بخير لي منها، لأن خديجة نفعته في أول الإسلام نفعاً لم يقم غيرها فيه مقامها؛ فكانت خيراً له من هذا الوجه ... " إلخ كلامه، فراجعه (4/301 - 308)، وما ذكرته قبل مما دل عليه السياق وبعض الروايات أولى على فرض صحة هذه الجملة من الحديث. والله أعلم.

    ثم رأيت ابن كثير قال في "البداية" (3/128) عقب الحديث:

    "تفرد به أحمد، وإسناده لا بأس به، ومجالد روى له مسلم متابعة، وفيه

    كلام مشهور. والله أعلم، ولعل قوله: "ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء".

    كان قبل أن يولد إبراهيم ابن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من مارية، وقبل مقدمها بالكلية، وهذا متعين؛ فإن جميع أولاد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما تقدم من خديجة إلا إبراهيم فمن مارية القبطية المصرية رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا". انتهى

     

    (2) لأهل السنة في تفضيل خديجة على عائشة أو العكس ثلاثة أقوال: 1- عائشة أفضل من خديجة. 2- خديجة أفضل من عائشة. 3- التوقف وهو الذي اختاره ابن كثير. قال ابن القيم في جلاء الأفهام (ص263- عالم الفوائد) بعد ذكره لخديجة رضي الله عنها: واختلف في تفضيلها على عائشة رضي الله عنها على ثلاثة أقوال، ثالثها الوقف.

    وسألت شيخنا ابن تيمية رحمه الله فقال: اختص كل واحدة منها بخاصة، فخديجة كان تأثيرها في أول الإسلام، وكانت تسلي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتثبته وتسكنه وتبذل دونه مالها، فأدركت عزة الإسلام واحتملت الأذى في الله وفي رسوله، وكانت نصرتها للرسول صلى الله عليه وسلم في أعظم أوقات الحاجة؛ فلها من النصرة والبذل ما ليس لغيرها. وعائشة رضي الله عنها تأثيرها في آخر الإسلام، فلها من التفقه في الدين وتبليغه إلى الأمة، وانتفاع بنيها بما أدت إليهم من العلم ما ليس لغيرها هذا معنى كلامه. انتهى والله أعلم

     


    كتبه أبو الحسن علي الرملي

    16/ 10/ 1440

     

جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2019 موقع معهد الدين القيم