سماع الجن لقراءة رسول الله بعد رجوعه من الطائف

إسم الكاتب : أبو الحسن علي الرملي


  • من صحيح السيرة النبوية:

    46- قال ابن كثيرة في السيرة النبوية: فصل: وقد ذكر محمد بن إسحاق سماع الجن لقراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك مرجعه من الطائف حين بات بنخلة وصلى بأصحابه الصبح، فاستمع الجن الذين صرفوا إليه قراءته هنالك.

    قال ابن إسحاق: وكانوا سبعة نفر، وأنزل الله تعالى فيهم قوله: " وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن ".

    قلت: وقد تكلمنا على ذلك مستقصى في التفسير، وتقدم قطعة من ذلك، والله أعلم.

    قلت: ونحن نذكر ما ذكره في تفسيره مختصراً من مختصر أحمد شاكر بشيء من التصرف قليل:

    روى الإمام أحمد والحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه "دلائل النبوة" عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن ولا رآهم، انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب. قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها وانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء. فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها يبتغون ما هذا الذي حال بينهم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك النفر الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بنخلة عامدا إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا -والله-الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم، قالوا: يا قومنا، إنا سمعنا قرآنا عجبا، يهدي إلى الرشد فآمنا به، ولن نشرك بربنا أحدا، وأنزل الله على نبيه: {قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن} [الجن: 1] ، وإنما أوحي إليه قول الجن.

    رواه البخاري بنحوه، وأخرجه مسلم. ورواه الترمذي والنسائي.

    وروى الإمام أحمد أيضاً عن ابن عباس، قال: كان الجن يستمعون الوحي، فيسمعون الكلمة فيزيدون فيها عشراً، فيكون ما سمعوا حقاً وما زادوا باطلاً وكانت النجوم لا يرمى بها قبل ذلك، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحدهم لا يأتي مقعده إلا رمي بشهاب يحرق ما أصاب، فشكوا ذلك إلى إبليس فقال: ما هذا إلا من أمر قد حدث. فبث جنوده، فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بين جبلي نخلة، فأتوه فأخبروه، فقال: هذا الحدث الذي حدث في الأرض.

    ورواه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حسن صحيح.

    وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن زر عن عبد الله بن مسعود قال: هبطوا على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا: أنصتوا. قال: صه، وكانوا تسعة أحدهم زوبعة، فأنزل الله عز وجل: {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين} إلى: {ضلال مبين}(1). فهذا مع الأول من رواية ابن عباس يقتضي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشعر بحضورهم في هذه المرة وإنما استمعوا قراءته، ثم رجعوا إلى قومهم، ثم بعد ذلك وفدوا إليه أرسالاً؛ قوماً بعد قوم، وفوجاً بعد فوج.

    فأما ما رواه البخاري ومسلم عن معن بن عبد الرحمن قال: سمعت أبي قال: سألت مسروقاً: من آذن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة استمعوا القرآن؟ فقال: حدثني أبوك -يعني ابن مسعود -أنه آذنته بهم شجرة؛ فيحتمل أن يكون هذا في المرة الأولى، ويكون إثباتاً مقدماً على نفي ابن عباس، ويحتمل أن يكون هذا في بعض المرات المتأخرات، والله أعلم.

    ويحتمل أن يكون في الأولى ولكن لم يشعر بهم حال استماعهم حتى آذنته بهم الشجرة، أي: أعلمته باستماعهم، والله أعلم.

    قال الحافظ البيهقي: وهذا الذي حكاه ابن عباس رضي الله عنهما، إنما هو في أول ما سمعت الجن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلمت حاله، وفي ذلك الوقت لم يقرأ عليهم ولم يرهم، ثم بعد ذلك أتاه داعي الجن فقرأ عليهم القرآن، ودعاهم إلى الله، عز وجل، كما رواه عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه.

    ذكر الرواية عنه بذلك:

    روى الإمام أحمد عن علقمة قال: قلت لعبد الله بن مسعود: هل صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن منكم أحد؟ فقال: ما صحبه منا أحد، ولكنا فقدناه ذات ليلة بمكة، فقلنا: اغتيل؟ استطير؟ ما فعل؟ قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما كان في وجه الصبح -أو قال: في السحر-إذا نحن به يجيء من قبل حراء، فقلنا: يا رسول الله -فذكروا له الذي كانوا فيه-فقال: "إنه أتاني داعي الجن، فأتيتهم فقرأت عليهم". قال: فانطلق، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم -قال: وقال الشعبي: سألوه الزاد-قال عامر: سألوه بمكة، وكانوا من جن الجزيرة، فقال: "كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما كان عليه لحماً، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم -قال-فلا تستنجوا بهما، فإنهما زاد إخوانكم من الجن".

    وهكذا رواه مسلم نحوه.

    وروى مسلم أيضاً عن عامر قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود، رضي الله عنه، شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود؛ فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال: لا ولكنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير؟ اغتيل؟ قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، قال: فقلنا: يا رسول الله، فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم. فقال: "أتاني داعي الجن، فذهبت معهم، فقرأت عليهم القرآن". قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد فقال: "كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم". قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم".

    فهذه تدل على أنه صلى الله عليه وسلم ذهب إلى الجن قصدا، فتلا عليهم القرآن، ودعاهم إلى الله، عز وجل، وشرع الله لهم على لسانه ما هم محتاجون إليه في ذلك الوقت. وقد يحتمل أن أول مرة سمعوه يقرأ القرآن ولم يشعر بهم، كما قاله ابن عباس، رضي الله عنهما، ثم بعد ذلك وفدوا إليه كما رواه ابن مسعود. وأما ابن مسعود فإنه لم يكن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حال مخاطبته الجن ودعائه إياهم، وإنما كان بعيداً منه، ولم يخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم أحد سواه، ومع هذا لم يشهد حال المخاطبة، هذه طريقة البيهقي.

    وقد يحتمل أن يكون أول مرة خرج إليهم لم يكن معه ابن مسعود ولا غيره، ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى، والله أعلم.

    وقد روى الحافظ أبو بكر البيهقي عن سعيد بن عمرو، قال: كان أبو هريرة يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم بإداوة لوضوئه وحاجته، فأدركه يوماً فقال: "من هذا؟ " قال: أنا أبو هريرة قال: "ائتني بأحجار أستنج بها، ولا تأتني بعظم ولا روثة". فأتيته بأحجار في ثوبي، فوضعتها إلى جنبه حتى إذا فرغ وقام اتبعته، فقلت: يا رسول الله، ما بال العظم والروثة؟ قال: "أتاني وفد جن نصيبين، فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم ألا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوه طعاما".

    أخرجه البخاري قريباً منه.

    فهذا يدل مع ما تقدم على أنهم وفدوا عليه بعد ذلك.

    وقد روى عن ابن عباس غير ما ذكر عنه أولاً من وجه جيد.

    فروى ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن} الآية، قال: كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلاً إلى قومهم.

    فهذا يدل على أنه قد روى القصتين.

    ومما يدل على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر قال: ما سمعت عمر يقول لشيء قط: "إني لأظنه كذا" إلا كان كما يظن، بينما عمر بن الخطاب جالس إذ مر به رجل جميل، فقال: لقد أخطأ ظني -أو: إن هذا على دينه في الجاهلية-أو لقد كان كاهنهم- عليّ بالرجل، فدعي له، فقال له ذلك، فقال: ما رأيت كاليوم استقبل له رجل مسلم. قال: فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني. قال: كنت كاهنهم في الجاهلية. قال: فما أعجب ما جاءتك به جنيتك. قال: بينما أنا يوماً في السوق جاءتني أعرف فيها الفزع، فقالت:

    ألم تَر الجِنَّ وإبلاسَهَا(2) ... ويَأسَها مِن بعدِ إِنكاسِهَا

    ولحُوقَها بالقِلاصِ وأحلاَسِها

    قال عمر: صدق، بينما أنا نائم عند آلهتهم، إذ جاء رجل بعجل فذبحه، فصرخ به صارخ، لم أسمع صارخاً قط أشد صوتاً منه يقول: يا جليح، أمر نجيح، رجل فصيح يقول: "لا إله إلا الله" فوثب القوم، فقلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا؟ ثم نادى يا جليح، أمر نجيح، رجل فصيح يقول: "لا إله إلا الله". فقمت، فما نشبنا أن قيل: هذا نبي.

    هذا سياق البخاري، وقد رواه البيهقي من حديث ابن وهب، بنحوه، ثم قال: "وظاهر هذه الرواية يوهم أن عمر بنفسه سمع الصارخ يصرخ من العجل الذي ذبح، وكذلك هو صريح في رواية ضعيفة عن عمر في إسلامه، وسائر الروايات تدل على أن هذا الكاهن هو الذي أخبر بذلك عن رؤيته وسماعه، والله أعلم.

    وهذا الذي قاله البيهقي هو المتجه وهذا الرجل هو سواد بن قارب، وقد ذكرت هذا مستقصى في سيرة عمر رضي الله عنه، فمن أراده فليأخذه من ثم، ولله الحمد والمنة.

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    1. ضعيف، فالصحيح فيه الإرسال، انظر أحاديث معلة ظاهرها الصحة لشيخنا الوادعي (ص286).
    2. أي: صيرورتها مثل إبليس حائراً بائراً. وقوله: "من بعد إنكَاسها"؛ أي: من بعد انقلابها على رأسها، ويروى: "من بعد إيناسها"؛ أي: بعد أن كانت تأنس إلى ما تسمع. (ولحوقها) بالنصب عطفاً على "إبلاسها"، أو بالجر عطفاً على "إنكاسها"، أي: ولحوق الجن. (بالقلاص): جمع قلوص: الناقة الشابة. و (أحلاسها): جمع حلس، وهو كساء يجعل تحت رحل الإبل على ظهورها، ويروى بدل الشطر الأخير: "ورحلها العيس بأحلاسها"، والعيس -بكسر العين-: الإبل، والمراد بيان ظهور النبيّ العربي - صلى الله عليه وسلم -، ومتابعة الجن للعرب، إذ هو رسول الثقلين. (الجليح): الوقح، المكاشف بالعداوة. و (النجيح): من النجاح، وهو الظفر بالبغية. انتهى من مختصر صحيح البخاري.

    كتبه أبو الحسن علي الرملي

    28/ 12/ 1440 هجري

جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2019 موقع معهد الدين القيم