• نوع الفتوى: عقيدة
  • عنوان الفتوى: حكم التقليد
  • رقم الفتوى: 1540
  • السؤال
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخنا حفظك الله، لو تكرمت علينا بمقالة عن حكم التقليد بالنسبة لطالب العلم، وللعامي في أمور الاعتقاد، والأمور الفقهية، ومتى يكون التقليد مذموماً ؟ وهل يكون جاهلية فقط في الشرك ؟ وهل يجب عند التقليد أن يذكر الدليل؟
  • الاجابة

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته 
    وبعد؛ فاعلم أولاً أن هذا الباب حصل فيه تخبط كثير من قبل بعض العلماء في كتب الأصول، ونتج عن ذلك انحراف كبير عما كان عليه السلف الصالح رضي الله عنهم، فغلا البعض فأوجب التقليد وأغلق باب الاجتهاد مطلقاً، وقصر البعض الآخر فحرم التقليد مطلقاً.
    والصحيح التفصيل: 
    فيقال المسائل الشرعية قسمان: 
    قسم يجب فيه الاتباع، ولا يجوز الخروج فيه عما كان عليه السلف الصالح رضي الله عنهم، لا يجوز لمجتهد ولا لمقلد؛ لوجود أدلة واضحة وصريحة فيه ولاتفاق السلف عليه، وهذا القسم هو كل مسألة ورد فيها نص صحيح صريح في الكتاب والسنة، وكان عليها السلف الصالح رضي الله عنهم من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، فيشمل ذلك العقيدة وغيرها، وهذه المسائل لا يعذر أحد في مخالفتها لا مجتهد ولا غيره، لأنه مأمور فيها بالاتباع لا بالاجتهاد، أمرنا بالاتباع في هذه المسائل، ولم نؤمر بالاجتهاد فيها فقد بُين الأمر واتضح، انظر الفتوى رقم (1433).

    وأما القسم الثاني فهو المسائل التي لا يوجد فيها أدلة صحيحة صريحة، واختلف فيها السلف رضي الله عنهم
    هذه يجوز للمجتهد فيها أن يرجح القول الصواب بناء على الأدلة، ولا يخرج عن أقوال السلف رضي الله عنهم؛ لأن ما لم يكن في زمنهم ديناً، فلن يكون بعدهم ديناً، بل بدعة محدثة.

    هذا التقسيم هو الذي كان عليه السلف الصالح رضي الله عنهم

    قال ابن أبي زيد القيرواني رحمه الله في الجامع (ص121): ومن قول أهل السنة: أنه لا يُعذر من وداه اجتهاده إلى بدعة؛ لأن الخوارج اجتهدوا في التأويل فلم يُعذروا، إذ خرجوا بتأويلهم عن الصحابة، فسماهم عليه السلام مارقين من الدين، وجعل المجتهد في الأحكام مأجورًا وإن أخطأ. انتهى

    يشير إلى حديثين جعلهما أصلاً، يدلان على أن المسائل قسمان.

    الأول: حديث الخوارج، أخرجه البخاري(6933)، ومسلم (1064)، عن عبد الرحمن بن أبي نعم، قال: سمعت أبا سعيد الخدري، يقول: بعث علي بن أبي طالب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن، بذهبة في أديم مقروظ لم تحصل من ترابها، قال: فقسمها بين أربعة نفر: بين عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، وزيد الخيل، والرابع إما علقمة بن علاثة، وإما عامر بن الطفيل، فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء، قال: فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «ألا تأمنوني؟ وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحا ومساء» قال: فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال: يا رسول الله، اتق الله، فقال: «ويلك أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله» قال: ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ فقال: «لا، لعله أن يكون يصلي» قال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم» قال: ثم نظر إليه وهو مقف، فقال: «إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله، رطبا لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» قال: أظنه قال: «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود».

    والثاني حديث اجتهاد الحاكم، أخرجه البخاري(7352)، ومسلم(1716)، عن عمرو بن العاص، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر».

    وكذلك الصحابة كانوا يفرقون بين هذه المسائل فاختلف تصرفهم مع الخوارج والقدرية والشيعة فأنكروا عليهم إنكاراً شديداً وضللوهم، بينما اختلفوا فيما بينهم في مسائل فقهية ولم ينكروا ذلك كإنكارهم على الخوارج والقدرية والشيعة.

    وكذلك تجد في كتب الاعتقاد التي تنقل مذهب السلف ما يدل على ما قاله ابن أبي زيد رحمه الله.

    وأما المقلد فإذا كان من عامة الناس، لا معرفة له بالأدلة ولا يفهمها، فهذا واجبه أن يبحث عن عالم يرتضيه في علمه ودينه، ويعلم منه أنه لا يخرج عن هذا المنهج، فيأخذ بقوله ويتبعه عليه، ولا يلزم أن يذكر له الدليل، لا لأن شيخه قال به، بل لأنه يظن في شيخه أنه يتحرى الحق ويتبع الأدلة والمنهج الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام ومن اتبعهم بإحسان.
    لقول الله تبارك وتعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}[النحل: 43]

    وكذلك الحال لطالب العلم الذي لم يصل إلى درجة الاجتهاد، ولكن يوجد بعض المسائل الواضحة نسبياً بإمكان طالب العلم المتقدم، أن يدرك خطأ شيخه في اجتهاده إذا أخطأ، من خلال كلام غيره ممن يثق بهم من الشيوخ، فعندها يلزمه أن يعمل بما يعتقد أنه الحق، والله أعلم

    ويكون التقليد مذموماً متى تبين الحق الذي يحبه الله ويرضاه للشخص وبقي على الباطل تعصباً لقائله، أو كان قادراً على الاجتهاد وعنده متسع من الوقت له فتركه وقلد غيره.

    تكلم الشيخ الشنقيطي في أضواء البيان بكلام واف كاف نافع إن شاء الله، عن ثلاث مسائل مهمة، وهي: حكم تدبر القرآن لغير المجتهد، والاجتهاد ، والتقليد، عند تفسير قوله تعالى{أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها}[محمد: 24] المسألة الأولى (7/ 258)، والمسألة الثانية (7/ 298) ذكر أنه بينها في موضع آخر، والمسألة الثالثة (7/ 304- دار الفكر). 

    وقال في أضواء البيان (3/ 146): 

    أخذ بعض أهل العلم من هذه الآية الكريمة -يعني قوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم..}[الإسراء: 36]- منع التقليد، قالوا: لأنه اتباع غير العلم.
    قال مقيده عفا الله عنه: لا شك أن التقليد الأعمى الذي ذم الله به الكفار في آيات من كتابه تدل هذه الآية وغيرها من الآيات على منعه، وكفر متبعه؛ كقوله: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون} [5: 104] وقوله: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون} [5: 104] ، وقوله: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير} [31: 21] ، وقوله: {أم آتيناهم كتاباً من قبله فهم به مستمسكون بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم} [21: 24] ، وقوله: {قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا} الآية [14: 10] إلى غير ذلك من الآيات.

    أما استدلال بعض الظاهرية كابن حزم ومن تبعه بهذه الآية التي نحن بصددها وأمثالها من الآيات على منع الاجتهاد في الشرع مطلقاً، وتضليل القائل به، ومنع التقليد من أصله؛ فهو من وضع القرآن في غير موضعه، وتفسيره بغير معناه، كما هو كثير في الظاهرية ؛ لأن مشروعية سؤال الجاهل للعالم وعمله بفتياه أمر معلوم من الدين بالضرورة، ومعلوم أنه كان العامي يسأل بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيفتيه فيعمل بفتياه، ولم ينكر ذلك أحد من المسلمين؛ كما أنه من المعلوم أن المسألة إن لم يوجد فيها نص من كتاب الله أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فاجتهاد العالم حينئذ بقدر طاقته في تفهم كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ليعرف حكم المسكوت عنه من المنطوق به؛ لا وجه لمنعه، وكان جارياً بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينكره أحد من المسلمين. وسنوضح غاية الإيضاح إن شاء الله تعالى «في سورة الأنبياء والحشر» مسألة الاجتهاد في الشرع، واستنباط حكم المسكوت عنه من المنطوق به بإلحاقه به، قياساً كان الإلحاق أو غيره، ونبين أدلة ذلك، ونوضح رد شبه المخالفين كالظاهرية والنظام، ومن قال بقولهم في احتجاجهم بأحاديث وآيات من كتاب الله على دعواهم، وبشبه عقلية حتى يتضح بطلان جميع ذلك.

    وسنذكر هنا طرفاً قليلاً من ذلك يعرف به صحة القول بالاجتهاد والقياس فيما لا نص فيه، وأن إلحاق النظير بنظيره المنصوص عليه غير مخالف للشرع الكريم...انتهى ثم ذكر أدلة جواز الاجتهاد في مسائل القسم الثاني. والله أعلم 
     

جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2019 موقع معهد الدين القيم