• نوع الفتوى: عقيدة
  • عنوان الفتوى: هجر أهل البدع
  • رقم الفتوى: 1712
  • السؤال
    لماذا يجب علينا هجر أهل البدع؟
  • الاجابة

    الهجر عند السلف يكون لسببين:

    الأول: للتأديب والزجر، ويسمى عند العلماء (الهجر التأديبي) لردعه وزجره عمّا وقع فيه من بدعة أو فسق فليس خاصاً بالمبتدع، ودليل ذلك حديث كعب بن مالك رضي الله عنه(1)، الذي هجره النبي صلى الله عليه وسلم واثنين معه عندما عصوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فهو هجر تأديبي على هذا الفعل.

    وهذا الهجر يعرف العلماء متى يكون نافعاً، ومتى لا يكون.

    والثاني: يكون لحفظ الدين من الشبهات، ويسمى عند العلماء (الهجر الوقائي) وهذا الهجر لحفظ دينك من شبهات المبتدع فالقلب ضعيف والشبهة خطافة والشيطان يزينها، هذا الهجر يكون لرؤوس المبتدعة الذين عندهم شبهات يلقونها على الناس، فهؤلاء هجرهم واجب؛ لأنك لا تأمن على نفسك أن يغمسوك في بدعهم، فهذا الغمس في البدعة، وتلقّي القلب لها، وتشرُّبها، لم يأمن أئمة السلف على أنفسهم منه، لم يأمنوا على أنفسهم أن تدخل البدع في قلوبهم وتشربها، فما بالك بحالنا نحن؟ لأننا أضعف منهم إيماناً وعقلاً.

    فلا يجوز قول: أنا أجلس إلى المبتدع، فما وجدت عنده من خير أخذته، وما وجدت من باطل رددته؛ فإنك عندما يأتيك الباطل ربما لا تستطيع أن تردَّه كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: " من سمع بالدجّال فلينأ عنه، فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه؛ مما يبعث به من الشبهات" أو "لما يُبعث به من الشبهات"(2)، فيأتيه وهو واثق من إيمانه، فعندما يأتي ويرى الشبهات التي مع الدجال ويسمعها؛ ينغمس في شبهاته.

    وهذا الحديث دليل على وجوب مجانبة أي شيء فيه شبهة تفتنك في دينك؛ فأي شبهة تفتنك في دينك؛ يجب عليك أن تبتعد عنها، ولا تُحسن الظنَّ بنفسك أبداً؛ فقلوب العباد ضعيفة تتقلب، وهي بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فلا تدري عن نفسك أن تتشرب هذه البدعة، فتخسر دينك.

    وهذا الدليل الذي ذكرناه في الدجال؛ هو دليل الهجر الوقائي، وإجماع السلف حاصل عليه، نقله الصابوني والبغوي وغيرهما.

    وهذا الهجر عندهم دائم لا ينقطع إلا بتوبة المبتدع.

     ولا يكون لأي أحدٍ، يعني لا يهجر كل من وقع في بدعة، فشخص لا يفهم شيئاً في العلم ولا يدري ما هي الشبهة، ولا يعرف كيف يلقيها؛ مثل هذا لا يتحقق فيه هذا الكلام؛ إنما الكلام ينطبق على رؤوس أهل البدع، ينطبق على أصحاب الشبهات، فإذا كان الشخص من رؤوس أهل البدع، أو ممن ينظّر للبدعة ويلقي الشبهات؛ فهذا هجره واجب. والله أعلم

    قال الآجري في الشريعة مبيناً منهج السلف في ذلك (5/ 2540): باب ذكر هجرة أهل البدع والأهواء، قال محمد بن الحسين رحمه الله: ينبغي لكل من تمسك بما رسمناه في كتابنا هذا وهو كتاب الشريعة أن يهجر جميع أهل الأهواء من الخوارج والقدرية والمرجئة والجهمية، وكل من ينسب إلى المعتزلة، وجميع الروافض ، وجميع النواصب، وكل من نسبه أئمة المسلمين أنه مبتدع بدعة ضلالة، وصح عنه ذلك، فلا ينبغي أن يكلم ولا يسلم عليه، ولا يجالس ولا يصلى خلفه، ولا يزوج ولا يتزوج إليه من عرفه، ولا يشاركه ولا يعامله ولا يناظره ولا يجادله، بل يذله بالهوان له، وإذا لقيته في طريق أخذت في غيرها إن أمكنك. فإن قال: فلم لا أناظره وأجادله وأرد عليه قوله؟ . قيل له: لا يؤمن عليك أن تناظره وتسمع منه كلاماً يفسد عليك قلبك ويخدعك بباطله الذي زين له الشيطان فتهلك أنت؛ إلا أن يضطرك الأمر إلى مناظرته وإثبات الحجة عليه بحضرة سلطان أو ما أشبهه لإثبات الحجة عليه، فأما لغير ذلك فلا، وهذا الذي ذكرته لك فقول من تقدم من أئمة المسلمين، وموافق لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم..انتهى

    وقال أبو عثمان الصابوني في شرح عقيدة السلف(ص 449 و455): "ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم ولا يصحبونهم، ولا يسمعون كلامهم ولا يجالسونهم، ولا يجادلونهم في الدين ولا يناظرونهم، ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مرت بالآذان وقرت في القلوب ضرت، وجرت إليها من الوساوس والخطرات الفاسدة ما جرت، وفيه أنزل الله عز وجل قوله: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [الأنعام:68]".
    وقال (ص520): "وهذه الجمل التي أثبتها في هذا الجزء كانت معتقد جميعهم، لم يخالف فيها بعضهم بعضاً، بل أجمعوا عليها كلها، واتفقوا مع ذلك على القول بقهر أهل البدع وإذلالهم وإخزائهم وإبعادهم وإقصائهم والتباعد منهم ومن مصاحبتهم ومعاشرتهم، والتقرب إلى الله عز وجل بمجانبتهم ومهاجرتهم". انتهى

    وقال البغوي في شرح السنة (1/ 227): وقد مضت الصحابة والتابعون وأتباعهم، وعلماء السنة على هذا مجمعين متفقين على معاداة أهل البدعة، ومهاجرتهم. انتهى

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    (1) أخرجه البخاري (4418)، ومسلم (2769).

    (2) أخرجه أبو داود (4319).

جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2019 موقع معهد الدين القيم