شرح صحيح البخاري ح4

إسم الكاتب : أبو الحسن علي الرملي


  • الحديث الرابع:

    قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيَّ، قَالَ: وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: " بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي، فَإِذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَرُعِبْتُ مِنْهُ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِيفَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ} [المدثر: 2] إِلَى قَوْلِهِ {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 5]. فَحَمِيَ الوَحْيُ وَتَتَابَعَ.

    تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَتَابَعَهُ هِلاَلُ بْنُ رَدَّادٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ يُونُسُ، وَمَعْمَرٌ بَوَادِرُهُ

     

    (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزهري، إمام تقدم.

    (وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهري المدني، اسمه كنيته.

    ثقة فقيه، بحر، إمام، حافظ، كثير الحديث، تابعي.

    كان مولده سنة بضع وعشرين، توفي بالمدينة سنة أربع وتسعين أو مائة وأربع، روى له الجماعة.

    قول ابن شهاب الزهري: "وأخبرني أبو سلمة...": (إنما أتى بحرف العطف؛ ليعلم أنه معطوف على ما سبق؛ كأنه قال: أخبرني عروة بكذا، وأخبرني أبو سلمة بكذا، وأخطأ من زعم أن هذا معلق، وإن كانت صورته صورة التعليق، ولو لم يكن في ذلك إلا ثبوت الواو العاطفة؛ فإنها دالة على تقدم شيء عطفته، وقد تقدم قوله: عن ابن شهاب عن عروة فساق الحديث إلى آخره، ثم قال: قال ابن شهاب؛ أي: بالسند المذكور، وأخبرني أبو سلمة بخبر آخر؛ وهو كذا) انتهى

    وسيأتي عند البخاري موصولاً عن عبد الله بن يوسف، عن الليث، عن عقيل به.

    (أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيَّ) هو جابر بن عَبْد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري، السَّلَمي، صحابي بن صحابي، شهد العقبة الثانية مع أبيه وهو صغير، ولم يشهد الأولى.

    وفي شهوده غزوة بدر روايتان، وغزا مع النبي صلى الله عليه وسلم عدة غزوات، كان من المكثرين الحفاظ للسنن، وكُفَّ بصره في آخر عمره، وتوفي بعد السبعين، وهو ابن أربع وتسعين. روى له الجماعة.

    (قَالَ: وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ) أي: في حال التحديث عن المدة التي انقطع فيها الوحي عن النزول، كما قالت عائشة: "ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي".

    دل قوله "عن فترة الوحي" وقوله "الملك الذي جاءني بحراء" على تأخر نزول سورة المدثر عن اقرأ.

    (فَقَالَ) أي النبي صلى الله عليه وسلم (فِي حَدِيثِهِ)

    (بَيْنَا أَنَا أَمْشِي) بينا ظرف زمان، أي: أثناء الوقت الذي كنت فيه أمشي.

    (إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) الملك هو جبريل عليه السلام

    (فَرُعِبْتُ مِنْهُ) أي: فزعت وخفت.

    (فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي) أي: غطوني.

    (فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ} إِلَى قَوْلِهِ {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ}) أي: فنزلت: {يا أيها المدثر} المتغطي بثيابه {قُمِ فَأَنْذِرْ} قومك الذين أشركوا بالله، وعبدوا غيره، خوفهم عذاب الله.

    {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} وربك يا محمد فعظم بعبادته والرغبة إليه في حاجاتك دون غيره من الآلهة والأنداد.

    {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} طهر نفسك من الإثم.

    {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} والأوثان فاهجر عبادتها، واترك خدمتها.

    قوله: {فَحَمِيَ الوَحْيُ وَتَتَابَعَ} أي: قوي واشتدَّ وجاء كثيراً.

    في بعض روايات البخاري: "وتواتر" والتواتر مجيء الشيء يتلو بعضه بعضاً من غير تخلل.

    (تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، وَأَبُو صَالِحٍ) الضمير يعود على يحيى بن بكير؛ فيكون الرواة عن الليث ثلاثة؛ يحيى بن بكير وعبد الله بن يوسف وأبو صالح.

    عبد الله بن يوسف هو التنيسي ثقة، تقدم، ومن تقدم أذكر حاله باختصار دون تفصيل، فأقول ثقة وأعني يحتج به سواء كان حافظا أو ثقة أو صدوقاً، وأقول في الضعيف ضعيف، وأفصل عند الحاجة.

    وأبو صالح: هو عَبد اللَّهِ بن صالح بن مُحَمَّدِ بن مسلم الجهني، مولاهم، أَبُو صَالِح المِصْرِي كاتب الليث بْن سعد، الراجح أنه ضعيف يصلح في الشواهد والمتابعات، لا يرتقي إلى الاحتجاج به، ولا يقال فيه كذاب أو متروك. والله أعلم
    أخرج له البخاري تعليقاً، وأبو داود والترمذي وابن ماجه.

    قوله: (وَتَابَعَهُ هِلاَلُ بْنُ رَدَّادٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ) تابع هلال بن ردَّاد عُقيلاً عن الزهري.

    وهلال بن رداد شامي مجهول الحال، تفرد بالرواية عنه ابنه، ولكن الذهلي أثنى عليه من وجه، وعلق له البخاري، قال فيه الذهبي: مجهول، ومرة: لا يدرى من هو، وقال ابن حجر: مقبول، أي إن توبع وإلا فلا.

    لم يخرج له أحد من أصحاب الكتب الستة، والبخاري ذكره هنا في صحيحه فقط. والله أعلم

    ووصل هذه المعلقات، وتخريجها ذكره الحافظ ابن حجر في شرحه فلا داعي للإطالة بذكرها.

    قوله: (وَقَالَ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ: بَوَادِرُهُ) أي أن أصحاب الزهري رووا هذا الحديث فوافقوا عُقيلاً عليه؛ لكنهم اختلفوا؛ فروى عنه عُقيل: "يَرْجُفُ فُؤادُهُ"، وتابعه على ذلك هلالُ بنُ رَدَّاد، وروى عنه يونسُ ومعمرٌ: "ترجُفُ بَوَادِرُهُ "، جمعُ بادِرَة؛ وهي اللَّحمة التي بينَ المنكِب والعُنُق تضطربُ عندَ فزعِ الإنسان.

    (يونس) هو ابن يزيد بن أبي النَّجاد الأيلي، مولى معاوية بن أبي سفيان.

    ثقة له منكرات، وهو من أثبت الناس في الزهري.

    من أتباع التابعين، مات سنة بضع وخمسين ومائة. روى له الجماعة.

    (معمر) هو ابن راشد الأزدي مولاهم، البصري سكن اليمن.

    لما دخل صنعاء كرهوا أن يخرج من بين أظهرهم، فقال لهم رجل: قيدوه. فزوجوه.

    ثقة ثبت فقيه ورع، من أثبت الناس في الزهري، رواية البصريين عنه فيها ضعف، وكذلك روايته عن أهل العراق، قال أحمد في رواية الأثرم: حديث عبد الرزاق عن معمر أحب إلي من حديث هؤلاء البصريين، كان يتعاهد كتبه وينظر، يعني باليمن، وكان يحدثهم بخطأ بالبصرة.

    وقال يعقوب بن شيبة: سماع أهل البصرة من معمر، حيث قدم عليهم فيه اضطراب؛ لأن كتبه لم تكن معه.

     وقال أبو حاتم: ما حدث معمر بن راشد بالبصرة ففيه أغاليط، وهو صالح الحديث، وقال أبو بكر بن أبي خيثمة سمعت يحيى بن معين يقول: إذا حدثك معمر عن العراقيين فخالفه – وفي نسخة: فخفه- إلا عن الزهري وابن طاووس؛ فإن حديثه عنهما مستقيم، فأما أهل الكوفة وأهل البصرة فلا، وما عمل في حديث الأعمش شيئاً، ومعمر أثبت في الزهري من ابن عيينة. قال ابن معين: وحديث معمر عن ثابت وعاصم بن أبي النَّجود وهشام بن عروة، وهذا الضرب مضطرب كثير الأوهام.

    من أتباع التابعين، مات سنة أربع وخمسين ومائة. روى له الجماعة

    قال ابن حجر: في رواية: "يَرْجُفُ فُؤادُهُ"، ورواية: "ترجُفُ بَوَادِرُهُ": (فالروايتان مستويتان في أصل المعنى؛ لأن كلًّا منهما دال على الفزع).

    هذا الحديث متفق عليه من حديث الزهري وقد رواه عنه جمع في الصحيحين وغيرهما، وتوبع الزهري عليه عند مسلم وغيره.

     

    تحميل الملفات :-

جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم