إسم الكاتب : فضيلة الشيخ أبو الحسن علي الرملي حفظه االله
باب أمور الإيمان
وَقَوْلِهِ: {قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 1] الآيَةَ.
(أمور الإيمان) أي: خصاله وشعبه، أي هذا باب خصال الإيمان، يريد به بيان خصال الإيمان، وأن الإيمان ذو شعب.
قال أهل العلم: وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الْآيَة ومناسبتهالِحَدِيثِ الْبَابِ تَظْهَرُ: مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْإِيمَانِ فَتَلَا عَلَيْهِ:{لَيْسَ الْبِرَّ..}إِلَى آخِرِهَا"وهو مرسل، ولكن قال الآجري: وبهذا الحديث وغيره يحتج أحمد بن حنبل في كتاب الإيمان أنه قول وعمل، وجاء به من طرق. وذكره من طريق آخر.
وَوَجْهُهُ أيضاً: أَنَّ الْآيَةَ حَصَرَتِ التَّقْوَى عَلَى أَصْحَابِ هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَالْمُرَادُ الْمُتَّقُونَ مِنَ الشِّرْكِ وَالْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ؛ فَإِذَا فَعَلُوا وَتَرَكُوا؛ فَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْكَامِلُونَ.
فهذا يدل على أن العمل من الإيمان، وأن الإيمان خصال، وما ذكر في هذه الآية من خصال الإيمان.
وأئمة السلف يستدلون بهذه الآية على أن الإيمان قول وعمل، ذُكر هذا في كتب عقيدة السلف كالسنة للخلال والشريعة والإبانة الكبرى وأصول السنة لابن أبي زمنين.
(وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {لَيْسَ البِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِب})قال أهل العلم: البر: كل عمل خير يفضي بصاحبه إلى الجنة، أي كل عمل صالح يوصلك إلى الجنة.
أن تولوا أي أن تصرفوا وجوهكم.
قِبلَ: أي مقابل أو نحو وجهة المشرق والمغرب.
ومعنى الآية باختصار: البر الذي هو فعل الخير والقربة، هو طاعة الله بفعل ما ذكر في الآية، وليس في التوجه إلى المشرق أو المغرب في الصلاة إذا لم يكن ذلك عن أمر الله تبارك وتعالى، بل طاعة الله هو البر سواء وجهك إلى المشرق أو المغرب، فطاعة الله والانقياد لأمره هو المراد، وليس مجرد الجهة التي تتجه إليها.
قال ابن كثير: فإن الله تعالى لما أمر المؤمنين أولاً بالتوجه إلى بيت المقدس ثم حولهم إلى الكعبة، شق ذلك على نفوس طائفة من أهل الكتاب وبعض المسلمين، فأنزل الله تعالى بيان حكمته في ذلك وهو أن المراد: إنما هو طاعة الله عز وجل، وامتثال أوامره، والتوجه حيثما وجه واتباع ما شرع، فهذا هو البر والتقوى والإيمان الكامل، وليس في لزوم التوجه إلى جهة من المشرق أو المغرب بر ولا طاعة إن لم يكن عن أمر الله وشرعه، ولهذا قال {لَيْسَ البِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ، وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ..} الآية، كما قال في الأضاحي والهدايا {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} [الحج: 37]. انتهى
{وَلَكِنَّ البِرَّ} الذي يجب الاهتمام به، برُّ{مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} أي صدق واستسلم وانقاد لله تبارك وتعالى، آمن بالله يدخل في ذلك الإيمان بوجوده وبربوبيته وأنه وحده الخالق الرازق المدبر لهذا الكون، وألوهيته، أنه وحده الذي يستحق العبادة، وأسمائه وصفاته، نثبت له ما أثبت لنفسه من الأسماء والصفات، وننفي عنه ما نفى عن نفسه {وَاليَوْمِ الآخِرِ}هو يوم القيامة {وَالمَلاَئِكَةِ} جمع ملَك؛ وهم عالَم غيبي خلقهم الله سبحانه وتعالى من نور، وذللهم لعبادته، وهم لا يستكبرون عن عبادته، ويفعلون ما يؤمرون {وَالكِتَابِ}؛ المراد به الجنس؛ فيشمل كل كتاب أنزله الله عز وجل على كل رسول {وَالنَّبِيِّينَ} يدخل فيهم الرسل.
{وَآتَى} أي وأعطى {المَالَعَلَى حُبِّهِ}أي مع حبه، أي ينفق من المال مع محبته له، يعطيه لـ{ذَوِي القُرْبَى}أي أصحاب القرابة {وَاليَتَامَى} جمع يتيم؛ وهو من مات أبوه قبل بلوغه من ذكر، أو أنثى{وَالمَسَاكِينَ} جمع مسكين، وهو الذي لا يملك من المال ما يكفيه ويكفي من ينفق عليه، ولا فرق هنا بين المسكين والفقير، المعنى واحد{وَابْنَ السَّبِيلِ} المسافر المنقطع به السفر، أي ليس معه ما يوصله إلى بلده{وَالسَّائِلِينَ}جمع سائل؛ وهو المستجدي الذي يطلب أن تعطيه مالاً{وَفِي الرِّقَابِ} أي في إعتاق الرقاب{وَأَقَامَ الصَّلاَةَ} هذه معطوفة على {آمن} فيكون التقدير: وَلَكِنَّ البِرَّ من آمن بالله، وفعل وفعل، ومن أقام الصلاة؛ و {الصلاة} المراد بها الفرض، والنفل؛ وإقامتها: المداومة عليها والإتيان بها كما شرعت.
{وَآتَى الزَّكَاةَ} أي أعطى زكاة ماله المفروضة لمستحقيها
{وَالمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا} والذين لا ينقضون العهد بعد المعاهدة، ولكن يوفون به ويتمونه على ما عاهدوا عليه من عاهدوه عليه.
{وَالصَّابِرِينَ} «الصبر» في اللغة الحبس، وأما في الشرع فإنه حبس النفس على طاعة الله، أو عن معصيته، أو على أقداره المؤلمة.
{فِي البَأْسَاءِ}شدة الفقر {وَالضَّرَّاءِ}المرض {وَحِينَ البَأْسِ}شدة القتل.
{أُولَئِكَ} أي كل من اتصف بهذه الصفات{الَّذِينَ صَدَقُوا} أي صدَقوا الله، وصدقوا عباده بوفائهم بالعهد، وإيتاء الزكاة، وغير ذلك؛ والصدق هو مطابقة الشيء للواقع؛ فالمخبر بشيء إذا كان خبره موافقاً للواقع صار صادقاً؛ والعامل الذي يعمل بالطاعة إذا كانت صادرة عن إخلاص، واتباع؛ صار عمله صادقاً؛ لأنه ينبئ عما في قلبه إنباءً صادقاً.
{وَأُولَئِكَ هُمُالمُتَّقُونَ} أي القائمون بالتقوى؛ و «التقوى» هي اتخاذ الوقاية من عذاب الله عز وجل بفعل أوامره، واجتناب نواهيه؛ وهذا أجمع ما قيل في تعريف التقوى.
فكل ما في ذكر في هذه الآية من خصال الإيمان، ويدخل في ذلك عمل الجوارح، فهذا يدل على أن الإيمان خصال وأن أعمال الجوارح من الإيمان، وليس شئياً واحداًليست منه أعمال الجوارح، كما تدعيه المرجئة.
(وَقَوْلِهِ: {قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ...} [المؤمنون: 1] الآيَةَ)
{قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ..}هكذا بِلَا واو العطف، وَالْحَذْفُ جَائِزٌ وَالتَّقْدِير: وَقَولِ الله {قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ}، وَثَبَتَ الْمَحْذُوفُ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وابن عساكر.
ومعنى قوله: الآية، يجوز فِيهَا: النصب، على معنى:اقرأ الْآيَةَ، ويجوز الرّفْع، على معنى: الْآيَةُ بِتَمَامِهَا، على أَنه مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر.
والمعنىمع إتمام ما بعدها، فالاستدلال غير مقتصر على ما ذُكر، ولكن العلماء يختصرون بهذه الطريقة.
والمراد من قوله تعالى في سورة المؤمنون {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11)}.
{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} أي: قد فازوا بخيري الدنيا والآخرة، فالفلاح هو: الفوز بالمطلوب المحبوب، والنجاة من المرهوب {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} الذين من صفاتهم أنهم في صلاتهم خاشعون، الخشوع في الصلاة: هو حضور القلب بين يدي الله تعالى، وتأملالمصلي بما يقوله ويفعله{وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} والذين هم تاركون لكل ما لا خير فيه من الأقوال والأفعال {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} والذين هم مُطَهِّرون لنفوسهم وأموالهم بأداء زكاة أموالهم على اختلاف أجناسها {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} مما حرَّم الله من الزنى واللواط وكل الفواحش {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} إلا على زوجاتهم أو ما ملكت أيمانهم من الإماء، فلا لوم عليهم ولا حرج في جماعهن والاستمتاع بهن؛ لأن الله تعالى أحلَّهن {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} فمن طلب التمتع بغير زوجته أو أمَتِه فهو من المجاوزين الحلال إلى الحرام، وقد عرَّض نفسه لعقاب الله وسخطه {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} والذين هم حافظون لكل ما اؤتمنوا عليه، موفُّون بكل عهودهم {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} والذين هم يداومون على أداء صلاتهم في أوقاتها على هيئتها المشروعة، الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ} هؤلاء المؤمنون هم الوارثون الجنة {الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} الذين يرثون أعلى منازل الجنة وأوسطها، وهي أفضلها منزلاً، هم فيها خالدون، لا ينقطع نعيمهم ولا يزول.
فعلم منها أن الإيمان الذي به الفلاح والنجاة؛ الإيمان الذي فيه هذه الأعمال المذكورة.
ففي هذه الآياتبيان شعب الإيمان.
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الجُعْفِيُّ) هوعَبد اللَّهِ بْن مُحَمَّد بْن عَبد اللَّهِ بن جَعْفَر بن اليمان الجعفي، أَبُو جَعْفَر الْبُخَارِيّ، المعروف بالمسندي؛لِكَثْرَةِ اعتِنَائِه بِالأَحَادِيْثِ المُسْنَدَةِ.
قال أَبُو حاتم: صدوق.وذكره ابنُ حِبَّان فِي كتاب "الثقات"، وقال:وكَانَ متقنا.وَقَال أَحْمَد بْن سيار الْمَرْوَزِيّ: وهُوَ من المعروفين من أهل العدالة والصدق، صاحب سنة وجماعة، عرف بالإتقان والضبط.
وَقَالَ الحَاكِمُ: هُوَ إِمَامُ الحَدِيْثِ فِي عَصْرِهِ بِمَا وَرَاءَ النَّهرِ بِلَا مُدَافَعَةٍ، وَهُوَ أُسْتَاذُ البُخَارِيِّ. انتهى
فهو ثقة حافظ.
من الذين أخذوا عن أتباع التابعين.
قال الإمام البخاري: مَاتَسنة تسع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، يَوْم الْخَمِيس، لست لَيَال بَقينَ من ذِي الْقعدَة. انتهى روى له البخاري والترمذي.
والبخاري يروي عن أربعة من شيوخه، يقال لهم: عبد الله بن محمد، وهم من نوع المتفق والمفترق.
المسندي هذا، وأبو بكر بن أبي شيبة، صاحب المصنف، اسمه عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي، وعبد الله بن محمد بن أبي الأسود أبو بكر البصري، وعبد الله بن محمد بن أسماء أبو عبد الرحمن البصري، كلهم ثقات.
وبقول البخاري:"الجعفي"؛ بين أيهم المراد. ونفرق بينهم بشيوخهم.
(أَبُو عَامِرٍ العَقَدِيُّ) عَبد المَلِك بن عَمْرو القيسي، أبو عامر العَقَدي البَصْرِيّ.
ثقة. يروي عن أتباع التابعين. مات سنة أربع أو خمس ومائتين.
روى له الجماعة.
(سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ) الْقُرَشِيّ التَّيْمِيّ مولاهم، أَبُو مُحَمَّد وأبو أيوب المدني.
ثقة،من أتباع التابعين.
مات سنة سبع وسبعين ومائة. روى له الجماعة.
(عَبْدِ اللَّه بْنِ دِينَارٍ) القرشي العَدَوي مولاهم، أَبُو عَبْد الرحمن المدني، مولى عَبد اللَّهِ بْن عُمَر بْن الخطاب.
ثقة، تابعي.
مَاتَ سنة سبع وعشرين ومائة.
روى له الجماعة.
(أَبو صَالِحٍ) ذكوان السمان الزيات المدني، مَولَى جُويْريةَ بِنتِ الأَحمَسِ الغَطَفانيُّ، كان يجلب السمن والزيت إِلَى الكوفة، وهو والد سهيل بْن أَبي صالح.
تابعي. ثقة ثبت،قال أبو داود: سألت ابنَ معين: مَن كان الثبت في أبي هريرة؟ فقال:"ابنُ المسيب، وأبو صالح، وابن سيرين، والمقبري، والأعرج، وأبو رافع". انتهى
مات سنة إحدى ومائة بالمدينة.
روى له الجماعة.
(أَبِي هُرَيْرَةَ)الصحابي الجليل، أبو هريرة الدوسي اليماني، صاحب رَسُول اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وحافظ الصحابة. اختلف في اسمه واسم أبيه، ذهب كثير من أهل العلم إلى أنه: عبد الرحمن بن صخر. وليس فيه شيء صحيح.
روى عنه جمع من الصحابة والتابعين.
أسلم عام خيبر سنة سبع.
قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللهُمَّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هَذَا - يَعْنِي أَبَا هُرَيْرَةَ - وَأُمَّهُ إِلَى عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ، وَحَبِّبْ إِلَيْهِمِ الْمُؤْمِنِينَ» قال أبو هريرة: فَمَا خُلِقَ مُؤْمِنٌ يَسْمَعُ بِي وَلَا يَرَانِي إِلَّا أَحَبَّنِي.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يَبْسُطْ ثَوْبَهُ فَلَنْ يَنْسَى شَيْئًا سَمِعَهُ مِنِّي» قال أبو هريرة: فَبَسَطْتُ ثَوْبِي حَتَّى قَضَى حَدِيثَهُ، ثُمَّ ضَمَمْتُهُ إِلَيَّ، فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ.
وقال ابن عمر: أبو هريرة خير مني وأعلم.
وقَالَ: لِأَبِي هُرَيْرَةَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْتَ كُنْتَ أَلْزَمَنَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَحْفَظَنَا لِحَدِيثِهِ».
مات سنة سبع، وقيل ثمان، وقيل تسع وخمسين، وهو ابن ثمان وسبعين سنة.
روى له الجماعة.
هذه الإسناد كله مدنيون إلا المسندي والعقدي.
وفيه تابعي يروي عن تابعي، وهو عبد الله بن دينار عن أبي صالح.
(الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً)
(البِضْعُ): في العدد من الثلاث إلى التسع.
(والشعبة) القطعة، الجزء من الشيء، والمراد: الخَصْلة أو الجزء.
والحديث أخرجه مسلم قال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّبنفس الإسناد، بلفظ: "بضع وسبعون".
وأخرجه من طريق سُهَيْلٍ بن أبي صالح، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً".
وفي رواية سهيل خارج الصحيح الجزم بسبعين.
وفي طرق الحديث ألفاظ أخرى وخلاف في العدد.
أصح ما قيل في ذلك، ما قاله ابن رجب رحمه الله، قال: "وأما الاختلاف في لفظ الحديث: فالأظهر أنه من الرواة كما جاء التصريح في بعضه بأنه شك من سهيل بن أبي صالح.
وزعم بعض الناس أن النبي صلي الله عليه وسلم كان يذكر هذا العدد بحسب ما ينزل من خصال الإيمان، فكلما نزلت خصلة منها ضمها إلى ما تقدم وزادها عليها. وفي ذلك نظر". انتهى والله أعلم
قَال البيهقي: " وَهَذَا شَّكٌّ وَقَعَ مِنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ فِي بِضْعٍ وَسِتِّينَ أَوْ فِي بِضْعٍ وَسَبْعِينَ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ: بِضْعٌ وَسِتُّونَ لَمْ يَشُكَّ فِيهِ، وَرِوَايَتُهُ أَصَحُّ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، غَيْرَ أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ عَنْ سُهَيْلٍ رَوَاهُ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ " قَالَ: " بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى وَالْعَظْمِ عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ ". انتهى
اختلف العلماء في الترجيح بينها فبعضهم رجح بضع وستون كما أخرجه البخاري، وبعضهم رجح بضع وسبعون كما أخرجه مسلم.
قال ابن رجب: وتبويب البخاري على خصال الإيمان والإسلام والدين من أوله إلى آخره وما خرّج فيه من الأحاديث وما استشهد به من الآيات والآثار الموقوفة إذا عدت خصالُه وأضيف إليه أضدادُ ما ذكره في أبواب خصال النفاق والكفر؛ بلغ ذلك فوق السبعين - أيضاً - والله أعلم.
وقد تكلم الراغب في كتاب " الذريعة " له على حصرها في هذا العدد ذكره ابن عبد البر وغيره.
فإن قيل: فأهل الحديث والسنة عندهم أن كل طاعة فهي داخلة في الإيمان، سواء كانت من أعمال الجوارح أو القلوب أو من الأقوال، وسواء في ذلك الفرائض والنوافل، هذا قول الجمهور الأعظم منهم، وحينئذ فهذا لا ينحصر في بضع وسبعين، بل يزيد على ذلك زيادة كثيرة، بل هي غير منحصرة. قيل: يمكن أن يجاب عن هذا بأجوبة:
أحدها: أن يقال: إن عد خصال الإيمان عند قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان منحصرا في هذا العدد ثم حدثت زيادة فيه بعد ذلك حتى كملت خصال الإيمان في آخر حياة النبي صلي الله عليه وسلم.
والثاني: أن تكون خصال الإيمان كلُّها تنحصر في بضع وسبعين نوعا، وإن كان أفراد كل نوع تتعد كثيرا، وربما كان بعضها لا ينحصر. وهذا أشبه. وإن كان الوقوف على ذلك يعسر أو يتعذر.
والثالث: أن ذكر السبعين على وجه التكثير للعدد، لا على وجه الحصر كما في قوله تعالى {إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ} [التوبة: 80] والمراد تكثير التعداد من غير حصوله هذا في العدد، ويكون ذكره للبضع يُشعر بذلك كأنه يقول: هو يزيد على السبعين المقتضية لتكثير العدد وتضعيفه. وهذا ذَكره أهل الحديث من المتقدمين، وفيه نظر.
والرابع: أن هذه البضع وسبعين هي أشرف خصال الإيمان وأعلاها وهو الذي تدعو إليه الحاجة منها.
قال ابن حامد من أصحابنا: والبضع في اللغة: من الثلاث إلى التسع، هذا هو المشهور، ومن قال: ما بين اثنين إلى عشر فالظاهر إنما أراد ذلك ولم يدخل الاثنين والعشر في العدد. وقيل من أربع إلى تسع. وقيل: مابين الثلاث والعشر.
والظاهر أنه هو الذي قبله باعتبار إخراج الثلاث والعشر منه. وكذا قال بعضهم: ما بين الثلاث إلى ما دون العشرة، وعلى هذا فلا يستعمل في الثلاث ولا في العشر، والله أعلم. انتهى
(وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ)(الْحَياء) خُلُقٌ يبعث عَلى اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق.
والحياء الذي يحمل صاحبه على الخير، ويبعده عن الشر، هذا محمود، وهو المقصود أنه من الإيمان، أما الحياء الذي يمنع الإنسانمن فعل الخير، وطلب العلم، والسؤال عما أشكل عليه، فهذا حياء مذموم؛ لأنه خجل.
أخرج الشيخان عن ابن عمر قال: إنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ"
قال ابن رجب: وقد ورد في بعض روايات " صحيح مسلم " عدُّ بعض هذه الخصال، ولفظه: "أعلاها: قول لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان"؛ فأشار إلى أن خصال الإيمان منها قول باللسان، ومنها ما هو عمل بالجوارح، ومنها ما هو قائم بالقلب، ولم يزد في شيء من هذه الروايات على هذه الخصال.
قال بعض العلماء: تكلف جماعة حَصر هذه الشعب بطريق الاجتهاد، وفي الحكم بكون ذلك هو المراد صعوبةٌ، ولا يقدح عدم معرفة حصر ذلك على التفصيل في الإِيمان.
ممن ذكرها ابن بطة في الإبانة، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، وابن حبان، والبيهقي في شعب الإيمان.
والحديث يبين لنا أن الإيمان شعب وأجزاء، منها ما ذكر في الآيات وفي طرق هذا الحديث.
والسلف يحتجون به على أن أعمال الجوارح من الإيمان وأن الإيمان شعب، كما هو في كتب العقيدة السلفية.
قال الإمام أحمد بن حنبل: هذا الحديث شديد على المرجئة، وحجة عليهم.
وقال أبو إسحاق الفزاري: " يقولون: إن فرائض الله على عباده ليس من الإيمان، وإن الإيمان قد يُطلبُ بلا عمل، وإن الناسَ لا يتفاضلون في إيمانهم، وإنَّ برَّهم وفاجرَهم في الإيمان سواء.
وما هكذا جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنه بلغنا أنه قال: «الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون، أولها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» وقال تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَمَا وَصَّيۡنَا بِهِۦٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓۖ أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۚ} [الشورى: 13] ، والدين: هو التصديق، وهو الإيمان والعمل، فوصف الله عز وجل الدين قولا وعملا، فقال: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِۗ} [التوبة: 11] ، والتوبة من الشرك، وهو الإيمان، والصلاة والزكاة عمل كما قال الأوزاعي: لا يستقيم الإيمانُ إلا بالقول، ولا يستقيمُ الإيمانُ والقولُ إلا بالعمل، ولا يستقيم الإيمانُ والقولُ والعملُ إلا بنية موافقة للسنة، فكان من مضى ممن سلف لا يفرقون بين الإيمان والعمل، العمل من الإيمان، والإيمان من العمل، وإنما الإيمان اسمٌ جامعٌ، كما جمعَ هذه الأديانَ اسمُها، وتصديقه العمل، فمن آمن بلسانه وعرف بقلبه وصدق ذلك بعمله؛ فذلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ومن قال بلسانه ولم يعرف بقلبه ولم يصدق بعمله؛ لم يقبل منه، وكان في الآخرة من الخاسرين". انتهى
وقال الفضيل بن عياض رحمه الله: يقول أهل البدع: الإيمان: الإقرار بلا عمل، والإيمان واحد، وإنما يتفاضل الناس بالأعمال، ولا يتفاضلون بالإيمان.
ومن قال ذلك فقد خالف الأثر ورَدَّ على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قوله؛ لأن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها: لا إله إلا اللَّه وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان
وتفسير من يقول: الإيمان لا يتفاضل، يقول: إن الفرائض ليست من الإيمان. فميَّز أهل البدع العملَ من الإيمان، وقالوا: إن فرائض اللَّه ليست من الإيمان.
ومن قال ذلك فقد أعظم الفرية، أخاف أن يكون جاحدًا للفرائض، رادًّا على اللَّه عز وجل أمره...إلخ
والحديث متفق عليه، قال ابن منده في كتاب الإيمان: «هَذَا حَدِيثٌ مُجْمَعٌ عَلَى صِحَّتِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَامِرٍ، وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ: ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، وَسُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ".
ورواه عبد الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ به.
وتابع معمرا على روايته هذه وُهَيْبٌ، وبِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ يَعْنِي السَّلِيمِيَّ الْعَابِدَ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ به، وغيرهما.
وهو وهم، والمحفوظ عن سفيان الثوريعن سهيل عن عبد الله بن دينار كرواية سليمان بن بلال.
قال الدارقطني: وَالصَّحِيحُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وفي المنتخب من علل الخلال:أخبرنا زُهَيْرٌ: نا مُهَنَّأٌ: قَالَ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ، قُلْتُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ سُهَيْلِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ بَابًا، أَفْضَلُهَا شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إلا الله، وأدناه إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ"؟
فَقَالَ أَحْمَدُ: إِنَّمَا هُوَ عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قُلْتُ: ممَّن الْخَطَأُ: مِنْ مَعْمَرٍ أَوْ مِنْ سهيل؟
قال: لا أدري. انتهى
ورواه بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. كذا عند أحمد وعلقه الترمذي.
وعند الطبراني بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ عِمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قال ابن منده: وَرَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَسُهَيْلٌ سَمِعَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ. انتهى
ورواه مُفَضَّل بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
ورواه الأوزاعي، عن محمد بن عجلان، عن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة.
وروي بأوجه أخرى راجعوها في العلل للدارقطني.
وكل هذا ضعيف، الحديث لا يصح إلا من طريق عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة.
وهي الطريق التي اختارها الحفاظ وصححوها، ووافقهم البخاري ومسلم عليها. والله أعلم
وما قاله العقيلي في كتابه الضعفاء بناء على مذهبه في عبد الله بن دينار، والحفاظ يخالفونه في هذا، يقبلون رواية الثقات عنه، وقد ذكر قوله ابن رجب في شرح العلل وفي فتح الباري ورده هناك.
جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم