شرح صحيح البخاري ح(454,455)

إسم الكاتب : فضيلة الشيخ أبو الحسن علي الرملي حفظه االله تعالى


  • بَابُ أَصْحَابِ الحِرَابِ فِي المَسْجِدِ

    (بَابُ) جوازِ دخولِ (أَصْحَابِ الحِرابِ في المَسْجِدِ) ونِصالُ حِرابِهم مشهورةٌ غير مكفوفة.

    والحِرابُ بالكسر جمع حَرْبة بفتحها.

    يشير البخاري إلى تخصيص الحديث المتقدم الذي فيه الأمر بالأخذ على نِصال السهام.

    والفرق بينهما أن هذه يمكن الانتباه لها والحذر من أن تخدش أحدا، والأخرى بخلافها.

    قال ابن حجر: "وَأَظُنُّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ إِلَى تَخْصِيصِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ فِي النَّهْيِ عَنِ الْمُرُورِ فِي الْمَسْجِدِ بِالنَّصْلِ غَيْرِ مَغْمُودٍ.

     وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ التَّحَفُّظَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَهِيَ صُورَةُ اللَّعِبِ بِالْحِرَابِ سَهْلٌ، بِخِلَافِ مُجَرَّدِ الْمُرُورِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَقَعُ بَغْتَةً فَلَا يُتَحَفَّظُ مِنْهُ".

    454 - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا عَلَى بَابِ حُجْرَتِي وَالحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ فِي المَسْجِدِ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ، أَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ»

     

    (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن يحيى الأويسي المدني.

    (قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري.

    (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) المدني، مؤدبُ ولدِ عمر بن عبد العزيز.

    (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم بن شهاب الزهري.

    (قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوام (أَنَّ) خالته (عَائِشَةَ) رضي الله عنها (قَالَتْ: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا عَلَى بَابِ حُجْرَتِي، وَالحَبَشَةُ) يقال الحَبَش والحَبَشة، وهم: جنس من السودان (يَلْعَبُونَ فِي المَسْجِدِ) في يوم عيد، كما في رواية عند البخاري (وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ، أَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ).

     

    455 - زَادَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ»

    (زَادَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) بن عبد الله بن المنذر الأسدي الحِزامي. صدوق، وهو شيخ البخاري، وروايته هذه معلقة، والذي زاده إبراهيم في الحديث هو لفظ "بحرابهم"، ولم يتفرد بهذه الزيادة، بل زادها هو وغيره كما عند مسلم 892 وغيره (حَدَّثَنَا) وعند مسلم أخبرني: (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله بن وهب، قال: (أَخْبَرَنِي يُونُسُ) بن يزيد الأيلي (عَنْ ابْنِ شِهَابٍ) الزهري (عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (قَالَتْ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ».

    هذه اللفظة الأخيرة هي التي زادها ابن المنذر في رواية يونس، وبها تحصل المطابقة بين الترجمة والحديث.

    قال ابن رجب: "وإنما ذَكرَ هنا رواية إبراهيمَ بن المنذر تعليقاً؛ لزيادته في الحديث: ذِكرَ الحراب".

    وذكر من تابع إبراهيمَ بن المنذر عليها، وذكر طرق الحديث وألفاظه، وقال: "والمقصود من هذا الحديث: جواز اللعب بآلات الحرب في المساجد؛ فإن ذلك من باب التمرين على الجهاد، فيكون من العبادات.

    ويؤخذ من هذا: جواز تعلم الرمي ونحوه في المساجد، ما لم يخشَ الأذى بذلك لمن في المسجد، كما تقدم في الأمر بالإمساك على نصال السهام في المسجد لئلا تصيب مسلماً، ولهذا لم تجر عادةُ المسلمين بالرمي في المساجد.

    وقد قال الأوزاعي: كان عمر بن عبد العزيز يكره النصال بالعشي، فقيل له: لم؟ قال: لعمارة المساجد.

    ولكن أن كان مسجداً مهجوراً ليس فيه أحد، أو كان المسجد مغلقاً ليس فيه إلا من يتعلم الرمي فلا يمنع جوازه حينئذ. والله أعلم.

    وحكى القاضي عياض، عن بعض شيوخه، أنه قال: إنما يمنع في المساجد من عمل الصنائع التي يختص بنفعها آحاد الناس وتكتسب به، فأما الصنائع التي يشمل نفعها المسلمين في دينهم كالمُثاقفة -أي التدرب على الملاعبة بالسيف-، وإصلاح آلات الجهاد مما لا امتهان للمسجد في عمله فلا بأس به. والله أعلم". انتهى

    وقال قوام السنة الأصبهاني:

    "فِيهِ جَوَازُ النَّظَرِ إِلَى اللَّهْوِ الْمُبَاحِ.

    وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى حُسْنِ خُلُقِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.

    وَفِيهِ دَلَالَةُ كَرَمِ مُعَاشَرَتِهِ لِأَهْلِهِ، إِذْ وَقَفَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِعَائِشَةَ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى اللَّعِبِ". انتهى

    وَفيه أيضاً فَضْلُ عَائِشَةَ وَعَظِيمُ مَحَلِّهَا عِنْدَهُ.

    قَالَ النَّوَوِيُّ: "أَمَّا النَّظَرُ بِشَهْوَةٍ وَعِنْدَ خَشْيَةِ الْفِتْنَةِ فَحَرَامٌ اتِّفَاقًا".

    وقَالَ عِيَاضٌ: وَفِيهِ جَوَازُ نَظَرِ النِّسَاءِ إِلَى فِعْلِ الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُكْرَهُ لَهُنَّ النَّظَرُ إِلَى الْمَحَاسِنِ وَالِاسْتِلْذَاذِ بِذَلِكَ، وَمِنْ تَرَاجِمِ الْبُخَارِيِّ عَلَيْهِ: بَابُ نَظَرِ الْمَرْأَةِ إِلَى الْحَبَشِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ غَيْرِ رِيبَةٍ". انتهى

    وهذا أحسن ما قيل في المسألة، وستأتي في موضعها إن شاء الله.

    الحديث متفق عليه.

    تحميل الملفات :-

جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم