إسم الكاتب : فضيلة الشيخ أبو الحسن علي الرملي حفظه االله تعالى
بَابُ الخَدَمِ لِلْمَسْجِدِ
أي هذا (بَابُ) في بيان أمر (الخَدَمِ) جمع خادم، أي من ينظف المسجد ويخدمه ويعتني به، والخادم يطلق على الذكر والأنثى (لِلْمَسْجِدِ) وفي نسخة: "في المسجد".
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا لِلْمَسْجِدِ يَخْدُمُهَا»
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا لِلْمَسْجِدِ يَخْدُمُهَا)
يعني في تفسير قوله تعالى {إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}
قال ابن عباس: (مُحَرَّرًا لِلْمَسْجِدِ) الأقصى (يَخْدُمُها) أي المساجد، وفي نسخة: يخدمه؛ أي المسجد، فلا أشغله بشيءٍ غيره.
أي: جعلتُ لك الذي في بطني محرراً، أي خالصاً مفرغاً للعبادة ولخدمة بيتك، لا أشغله بشيء من الدنيا، نذراً مني لك، والنذر ما يوجبه الإنسان على نفسه.
وأثر ابن عباس هذا قال ابن رجب فيه: "هذا من رواية عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
وقاله - أيضا -: مجاهد، وعكرمة، وقتادة، والربيع بن أنس وغيرهم". انتهى
وقال ابن حجر: "هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِمَعْنَاهُ".
وقال: (مُحَرَّرًا) أَيْ: مُعْتَقًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ فِي شَرْعِهِمْ صِحَّةُ النَّذْرِ فِي أَوْلَادِهِمْ، وَكَأَنَّ غَرَضَ الْبُخَارِيِّ الْإِشَارَةُ بِإِيرَادِ هَذَا إِلَى أَنَّ تَعْظِيمِ الْمَسْجِدِ بِالْخِدْمَةِ كَانَ مَشْرُوعًا عِنْدَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ حَتَّى إنَّ بَعْضَهُمْ وَقَعَ مِنْهُ نَذْرُ وَلَدِهِ لِخِدْمَتِهِ.
وَمُنَاسَبَةُ ذَلِكَ لِحَدِيثِ الْبَابِ مِنْ جِهَةِ صِحَّةِ تَبَرُّعِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ بِإِقَامَةِ نَفْسِهَا لِخِدْمَةِ الْمَسْجِدِ لِتَقْرِيرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَهَا عَلَى ذَلِكَ". انتهى
460 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ وَاقِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ امْرَأَةً - أَوْ رَجُلًا - كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ - وَلاَ أُرَاهُ إِلَّا امْرَأَةً - فَذَكَرَ حَدِيثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَنَّهُ صَلَّى عَلَى قَبْرِهَا»
(حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ وَاقِدٍ) -نسب إلى جده- وهو أحمد بن عبد الملك بن واقد الحَرَّاني، أبو يحيى الأسدي مولاهم.
يروي عن أتباع التابعين. ثقة صاحب سنة. مات سنة إحدى وعشرين ومائتين. روى له البخاري والنسائي وابن ماجه.
وثقه جمع من الحفاظ والأئمة.
قال أَبُو الْحَسَن الميموني: سألت أَحْمَد بْن حنبل عَنْهُ فَقَالَ: "قد كَانَ عندنا، ورأيته كيِّساً، وما رأيت بأساً، رأيته حافظاً لحديثه وما رأيت إِلَاّ خَيْرًا، وهو صاحب سنة".
قال: فقلت: أهل حران يُسيئون الثناءَ عَلَيْهِ.
قال: "أهل حرّان قَلّما يرضون عَنْ إنسان، هو يغشى السلطان بسبب ضيعةٍ لَهُ".
قال: فرأيت أمره عند أَبِي عَبد اللَّهِ حسناً يتكلم فيه بكلام حسن.
في كلام الإمام أحمد فوائد حديثية معروفة عند المحدثين:
منها أن بعض من يتكلم في الرجال عنده شدة ومبالغة وربما غلو.
وهذا النوع يعرفه العلماء المعتدلون الذين يتقيدون بما كان عليه السلف من منهج ويتبعونه، ويحكمون على الرجال بناء عليه لا بالهوى ولا بالتمييع.
وشدته هذه إما بسبب اجتهاد خاطئ في بعض القواعد، أو في تطبيقها كأن يعطي بعض المسائل أكبر مما تستحق.
ومنها الإشارة إلى سبب الكلام في أحمد بن واقد وهو الدخول على السلطان.
ومنها أنه لم ينكر أصل الطعن في الرجل بسبب دخوله على السلطان، ولكن بين أن له عذرا في دخوله عليه، وعذره به، وهذا يعني أنه لا يطعن على كل من دخل على سلطان، فلابد من معرفة سبب ذلك، فيوجد أسباب يعذر بها الرجل إذا دخل على السلطان.
وذلك لأن الدخول على السلطان منع حفظا للدين وبمنع الوقوع في فتنته فهي عظيمة، لكن توجد بعض الأسباب تضطر الرجل إلى الدخول عليه.
منها: أن يأمره السلطان بالحضور إليه والدخول عليه.
ومنها: أنه إذا لم يدخل على السلطان ويكلمه في أمر أدى ذلك إلى مفسدة أعظم من امتناعه من الدخول عليه.
ومنها: قدرته على الإنكار عليه مع أمنه من فتنته. وعلى هذا يحمل دخول من دخل من السلف على السلاطين. والله أعلم
(قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم البصري.
(عَنْ ثَابِتٍ) البُناني.
(عَنْ أَبِي رَافِعٍ) نُفيع (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّ امْرَأَةً - أَوْ رَجُلًا - كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ) قال أبو رافع: (وَلاَ أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة، أي: لا أظنُّه (إِلَّا امْرَأَةً – فَذَكَرَ) أبو هريرة (حَدِيثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَنَّهُ صَلَّى عَلَى قَبْرِهَا»).
قال ابن رجب: "وقد سبقَ الحديثُ قريبًا بتمامه مع الكلام عليه.
وإنما خرَّج هاهنا منه ما يَدخل في هذا الباب، وهو: أن هذه المرأةَ كانت تَقُمُّ المسجدَ، وتقوم بخدمتِه وتنظيفِهِ وإخراجِ القمامةِ منه".
الحديث متفق عليه وقد تقدم قريباً.
جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم