إسم الكاتب : فضيلة الشيخ أبو الحسن علي الرملي حفظه االله تعالى
بَابُ الأَسِيرِ - أَوِ الغَرِيمِ - يُرْبَطُ فِي المَسْجِدِ
(بابُ الأَسِيرِ أوِ الغَريمِ يُرْبَطُ في المَسْجِدِ) أي هذا الباب معقود لبيان جواز ذلك.
و (أو) للتنويع.
وفي نسخة: الأسير والغريم. بواو العطف.
والأسير، قال ابن فارس في مقاييس اللغة: "(أَسَرَ) الْهَمْزَةُ وَالسِّينُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَقِيَاسٌ مُطَّرِدٌ، وَهُوَ الْحَبْسُ، وَهُوَ الْإِمْسَاكُ.
مِنْ ذَلِكَ الْأَسِيرُ، وَكَانُوا يَشُدُّونَهُ بِالْقِدِّ -يعني القيد- وَهُوَ الْإِسَارُ، فَسُمِّيَ كُلُّ أَخِيذٍ وَإِنْ لَمْ يُؤْسَرْ أَسِيرًا". انتهى
والغريم يطلق على الذي عليه الدين، وهو المراد هنا.
ويطلق أيضا على الذي له الدين.
قال ابن الانباري في الأضداد: "والغريم حرف من الأَضداد؛ فالْغَرِيم: الَّذي له الدَّيْن، والغريم: الَّذي عليه الدَّيْن". انتهى
461 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا رَوْحٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ البَارِحَةَ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلاَةَ، فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي "، قَالَ رَوْحٌ: «فَرَدَّهُ خَاسِئًا»
(حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن راهويه.
(قَالَ: أَخْبَرَنَا رَوْحٌ) بن عُبادة القيسي.
(وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر؛ كلاهما (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجاج، أبو بسطام.
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ) القرشي الجُمحي مولاهم.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِنَّ عِفْرِيتًا) العفريت من الرجال: النَّافِذ فِي الْأَمر، المُبالغُ فِيهِ، مَعَ خُبْث ودهاء. كذا في تهذيب اللغة.
العفريت (مِنَ) جنس (الجِنِّ) وليس من جنس الإنس، والجن قالوا سُمِّيت الجن بذلك لاجتِنانها، أي: استِتارها.
وهم مخلوقات خفية من مخلوقات الله عز وجل، مخلوقون من نار، وهم مكلفون ومعاقبون إن فرطوا، وفيهم الصالحون والفاسقون، وهم يتناسلون، ولهم قدرة على التشكل بهيئات غير هيئاتهم الحقيقية.
(تَفَلَّتَ) العفريت (عَلَيَّ) أي تعرّض لي فلتة أي فجأة في سرعة ليغلبني على صلاتي.
قال ابن الملقن: "ومعنى: ("تفلت علي"): تعرض علي فلتة أي: فجأة، وفي مسلم: (يفتك) بدل (تفلت)، وهو الأخذ في غفلة وخديعة وسرعة، وهو المراد بقوله في البخاري: "أو كلمةً نحوها"، قال ابن قرقول: يفتِك بضم التاء وكسرها، والفتك هنا تصحيف من: "تفلت" كما في البخاري أي: توثب وأسرع لإضراري، والجمع: فلتات". انتهى.
(البَارِحَةَ) هي أقرب ليلة مضت (أَوْ) قال عليه السلام (كَلِمَةً نَحْوَهَا) قال بعض الشراح: أي كقوله في باب ما يجوز من العمل في الصلاة: "إِنَّ الشَّيْطَانَ عَرَضَ لِي فَشَدَّ عَلَيَّ". وعند مسلم: "إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ جَعَلَ يَفْتِكُ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ". انتهى
(لِيَقْطَعَ) أي فعل ذلك ليقطع (عَلَيَّ الصَّلاَةَ، فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ) أي أسطوانة من أساطينه (حَتَّى تُصْبِحُوا) تدخلوا في الصباح (وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي) في الإسلام العام (سُلَيْمَانَ) بن داود عليهما السلام ({رَبِّ) أي يا رب (هَبْ لِي) أعطني (مُلْكًا) خاصاً بي (لاَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي}) لا يكون لأحد من الناس بعدي، فتركه عليه الصلاة والسلام مع القدرة عليه؛ لأجل هذه الدعوة.
(قَالَ رَوْحٌ) بن عبادة في روايته دون رواية رفيقه محمد بن جعفر، هذا الظاهر («فَرَدَّهُ) عليه الصلاة والسلام؛ أي: رَدَّ العفريت (خَاسِئًا) أي: ذليلا صاغرا مطرودا.
قال ابن حجر: "وَظَاهِرُهُ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي رِوَايَةِ رَوْحٍ دُونَ رَفِيقِهِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، لَكِنْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ وَحْدَهُ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ أَيْضًا: "فَرَدَّهُ خَاسِئًا"، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ النَّضْرِ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ: فَرَدَّهُ اللَّهُ خَاسِئًا". انتهى
واستنبط من الحديث إباحةُ ربط الأسير في المسجد، وربطِ الغريم بالقياس عليه.
قال ابن بطال: "وفي هذا الحديث إباحة ربط الأسير في المسجد، قال المهلب: فيه ربط من خشي هروبه لحقٍّ عليه أو دينٍ والتوثق منه في المسجد وغيره".
قال ابن الملقن: "واعلم أن في بعض نسخ البخاري بعد هذا الباب: "الاغتسال إذا أسلم"، وعليه مشى ابن بطال في "شرحه" ونحن أيضا.
وفي بعضها ذكرُ الحديث الذي فيه مِن غير تبويب، وهو مطابق لما بوب له من ربط الأسير مطابقة ظاهرة؛ لأن ثمامة كان أسيرًا وغريمًا للصحابة لما جاءوا به.
قال ابن المنير: ويجوز أن يكون البخاري سلك عادته في الاستدلال بالخفي والإعراض عن الجلي (اكتفاء) بسبق الأفهام إليه". انتهى المراد.
وما يتعلق بالجن ورؤيتهم سيأتي في موضعه إن شاء الله.
الحديث متفق عليه
جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم