إسم الكاتب : أبو الحسن علي الرملي
(بَابُ قَوْلِ الرَّجُلِ: فَاتَتْنَا الصَّلاَةُ) هل يكره أم لا؟
وَكَرِهَ ابْنُ سِيرِينَ أَنْ يَقُولَ: «فَاتَتْنَا الصَّلاَةُ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: لَمْ نُدْرِكْ.
(وَكَرِهَ) محمد (ابْنُ سِيرِينَ أَنْ يَقُولَ) الرَّجل: (فَاتَتْنَا الصَّلَاةُ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ) بدل ذلك: (لَمْ نُدْرِكْ) الصلاة.
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: ثنا أزهر السمان عن ابن عون قال: "كان محمدٌ يكره أن يقولَ فاتتنا الصلاة، ويقول: لم أدرك مع بني فلان الصلاة". انتهى. وإسناده صحيح.
قال بعض الشراح: «ووجه كراهية ذلك عند ابن سيرين: نسبة الفوات إلى الصلاة، بخلاف لم ندرك فإنَّه منسوبٌ إلى المصلي».
وسيأتي ما قاله ابن رجب.
قال الإمام البخاري رحمه الله مضعفًا قول ابن سيرين: (وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في قوله الآتي: "وما فاتكم" (أَصَحُّ) يعني هو الصحيح، استعمل أفعل التفضيل في غير بابه، وهذا مستعمل في اللغة، قلنا هذا؛ لأنه إذا قلنا استعمل أفعل التفضيل للتفضيل لزم أن يكون قول ابن سيرين صحيحًا، وقولُ النبي صلى الله عليه وسلم أصح منه، وليس كذلك.
ففاتننا بمعنى لم ندرك، ولا يوجد دليل يمنع من استعمال لفظ فاتتنا، بل الدليل ثبت باستعماله.
فابن سيرين قاله اجتهادا، وخالف النص الذي استعمل فيه النبي صلى الله عليه وسلم لفظ الفوات فدل على الجواز، ومن خالف النص لا يكون قوله صحيحا، ولا قول لأحد مع ثبوت النص الشرعي.
وعزا بعض أهل العلم قول البخاري للجمهور.
635 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ سَمِعَ جَلَبَةَ رِجَالٍ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: «مَا شَأْنُكُمْ؟» قَالُوا: اسْتَعْجَلْنَا إِلَى الصَّلاَةِ؟ قَالَ: «فَلاَ تَفْعَلُوا إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا».
(حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين.
(قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بن عبد الرَّحمن النَّحويُّ.
(عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ.
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ) الأنصاري.
رجاله كلهم ثقات تقدموا.
(عَنْ أَبِيهِ) أبي قتادة الحارث بن ربعيٍّ الأنصاريِّ رضي الله عنه (قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ سَمِعَ جَلَبَةَ رِجَالٍ) أي: أصواتهم حال حركاتهم (فَلَمَّا صَلَّى) عليه الصلاة والسلام (قَالَ: «مَا شَأْنُكُمْ؟») أي: ما حالكم حيث وقع منكم الجلبة؟ (قَالُوا: اسْتَعْجَلْنَا إِلَى الصَّلاَةِ؟ قَالَ) عليه الصلاة والسلام (فَلاَ تَفْعَلُوا) أي: لا تستعجلوا (إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلاَةَ) صلاة الجماعة (فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ) أي: عليكم بالتَّأنِّي والهينة (فَمَا أَدْرَكْتُمْ) مع الإمام من الصَّلاة (فَصَلُّوا) معه (وَمَا فَاتَكُمْ) منها (فَأَتِمُّوا) أي: أكملوا وحدكم.
قال ابن بطّال: " قوله: (وما فاتكم، فأتموا) يقتضي جواز قول الرجل: فاتتنا الصلاة، ولا وجه لقول ابن سيرين. وفيه: الأمر بالسكينة في الإقبال إلى الصلاة، وترك الإسراع إليها".
قال ابن رجب: "مقصود البخاري بهذا الباب: أن يردَّ ما حكاه عن ابن سيرين؛ أنه كره أن يقول: "فاتتنا الصلاة"، ويقول: "لم ندركها"، من ذلك بقول -كذا ولعلها: وذلك لقول- النبي صلى الله عليه وسلم: "وما فاتكم"، فسمَّى القدر المسبوق به مع الإمام فائتاً، مع قوله صلى الله عليه وسلم: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها"، فكيف بما لم يدرك مع الإمام من صلاته شيئاً، فإنه أولى أن يسمى فائتاً.
والظاهر: أن ابن سيرين إنما يَكره أن يقول: "فاتتنا الصلاة"؛ بأنها فاتته حقيقة.
وقد يُفرَّق بين أن تفوته بعذر كنوم ونسيان، أو بغير عذر، فإن كان بعذر لم تفُت أيضاً؛ لإمكان التدارك بالقضاء.
وقد تقدم قول النبي صلى الله عليه وسلم: " الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله" والكلام عليه مستوفى..".
وقال: "وكان ابن سيرين لشدة ورعه يتورع في منطقه، ويتحفظ فيه، ويكره أن يتكلم بما فيه نوع توسع أو تجوّز، وإن كان سائغاً في لغة العرب..". انتهى المراد.
الحديث متفق عليه
جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم