صحيح البخاري الحديث (644)

إسم الكاتب : أبيو الحسن علي الرملي


  • بَابُ وُجُوبِ صَلاَةِ الجَمَاعَةِ

    (بَابُ وُجُوبِ صَلاَةِ الجَمَاعَةِ) على الرجال في المسجد؛ إلا من له عذر.

    وَقَالَ الحَسَنُ: «إِنْ مَنَعَتْهُ أُمُّهُ عَنِ العِشَاءِ فِي الجَمَاعَةِ شَفَقَةً لَمْ يُطِعْهَا»

    (وَقَالَ الحَسَنُ) البصري: («إِنْ مَنَعَتْهُ أُمُّهُ عَنِ العِشَاءِ فِي الجَمَاعَةِ شَفَقَةً أي رحمة به وخوفا عليه (لَمْ يُطِعْهَا»)

    قال ابن حجر في تغليق التعليق: قَالَ الْحُسَيْن بن الْحسن الْمروزِي فِي كتاب الصّيام: ثَنَا الْمُعْتَمِر عَن هِشَام عَن الْحسن، فِي الرجل يَصُوم فتأمره أمه أَن يفْطر قَالَ: فليفطر وَلَا قَضَاء عَلَيْهِ، وَله أجر الصَّوْم وَأجر الْبر.

    قيل: فَإِنَّهَا تنهاه أَن يُصَلِّي الْعشَاء فِي جمَاعَة؟ قَالَ: لَيْسَ ذَلِك لَهَا هَذِه فَرِيضَة». انتهى وذكر إسناده هو إلى الحسين بن الحسن.

    وقال في الفتح: "«هكذا بتَّ الحكمَ في هذه المسألة، وكأن ذلك لقوة دليلها عنده، لكن أطلق الوجوبَ، وهو أعمُّ مِن كونه وجوبَ عين أو كفاية، إلا أن الأثر الذي ذكره عن الحسن يشعر بكونه يريد أنه وجوبُ عين؛ لِمَا عُرف مِن عادته أنه يستعمل الآثارَ في التراجم لتوضيحها وتكميلها وتعيينِ أحدِ الاحتمالات في حديث الباب.

    وبهذا يجاب من اعترض عليه بأن قول الحسن يُستدلُّ له لا به.

    ولم ينبه أحدٌ مِن الشراح على مَن وصل أثر الحسن، وقد وجدته بمعناه وأتم منه وأصرح، في كتاب الصيام للحسين بن الحسن المروزي بإسناد صحيح عن الحسن في رجل يصوم - يعني تطوعا - فتأمره أمه أن يفطر، قال: فليفطر ولا قضاء عليه، وله أجرُ الصوم وأجرُ البر. قيل: فتنهاه أن يصلي العشاءَ في جماعة؟ قال: ليس ذلك لها، هذه فريضة»". انتهى

    وقال ابن رجب: «مقصود البخاري بهذا الباب: أن الجماعة واجبةٌ للصلاة، ومَن تركها لغير عذر، وصلى منفردا فقد ترك واجبا، وهذا قول كثير من السلف، منهم: الحسن، وما حكاه البخاري عنه يدل على ذلك.

    وقد روي عن الحسن التصريحُ بتعليل ذلك بأن الجماعة فريضة، فروى إبراهيم الحربي في "كتاب البر": نا عبيد الله بن عمر - هو: القواريري -: نا معتمر: نا هشام، قال: سئل الحسن عن الرجل تأمره أمه أن يفطر تطوعا؟ قال: يفطر، ولا قضاء عليه. قلت: تنهاه أن يصلي العشاء في جماعة؟ قال: ليس لها ذلك؛ هذه فريضة»". انتهى

    وقول ابن حجر: "ولم ينبه أحدٌ مِن الشراح على مَن وصل أثر الحسن، وقد وجدته بمعناه وأتم منه وأصرح..".

    يدل على أن ابن حجر لم يقف على كلام ابن رجب رحمه الله فقد سبقه إلى ذلك.

     

    644 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ، فَيُحْطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاَةِ، فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ، أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا، أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ، لَشَهِدَ العِشَاءَ».

    (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) زاد مسلمٌ: «فَقَدَ ناسًا في بعض الصَّلوات» (قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) حلف بالله، فالذي نفسه ونفوس الخلق جميعا بيده يتصرف فيها كيف يشاء هو الله تبارك وتعالى.

    فيه إثبات صفة اليد للَّه عز وجل من غير تمثيل، يد تليق بجلاله وعظمته، لا تشبه صفات المخلوقين، فهو كالقول في سائر الصفات، وهو عز وجل منزّه عن مشابهة الخلق في كل شيء، موصوف بصفات الكمال اللائقة به عز وجل.

    حرّف بعض الشراح من الجهمية صفة اليد في هذا الحديث؛ كالقسطلاني فقال: "بيده": أي: بتقديره وتدبيرهِ.

    وأهل السنة والجماعة، أهل الحديث، ومنهم أئمة السلف جميعا يثبتون لله اليد الحقيقية التي تليق به، ولا تماثل أيدي المخلوقين، فيجمعون بين الإيمان بما أخبر به الله عن نفسه، وهو أعلم بنفسه وأعظم تنزيها لنفسه منا، وما أخبر عنه نبيه صلى الله عليه وسلم، ولا يكفرون به، ولا يردون على الله قوله؛ يجمعون بين هذا وبين تنزيهه عن مماثلة خلقه.

    قال الترمذي رحمه الله: «وَقَدْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا يُشْبِهُ هَذَا مِنَ الرِّوَايَاتِ مِنَ الصِّفَاتِ وَنُزُولِ الرَّبِّ تبارك وتعالى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قَالُوا: "قَدْ ثَبَتَتِ الرِّوَايَاتُ فِي هَذَا، وَيُؤْمَنُ بِهَا وَلَا يُتَوَهَّمُ وَلَا يُقَالُ كَيْفَ؟

    هَكَذَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ: "أَمِرُّوهَا بِلَا كَيْفٍ". وَهَكَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَأَمَّا الْجَهْمِيَّةُ فَأَنْكَرَتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَقَالُوا: "هَذَا تَشْبِيهٌ".

    وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ عز وجل فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ: الْيَدَ وَالسَّمْعَ وَالْبَصَرَ، فَتَأَوَّلَتِ الْجَهْمِيَّةُ هَذِهِ الْآيَاتِ فَفَسَّرُوهَا عَلَى غَيْرِ مَا فَسَّرَ أَهْلُ الْعِلْمِ، وَقَالُوا: "إِنَّ اللهَ لَمْ يَخْلُقْ آدَمَ بِيَدِهِ! وَقَالُوا: إِنَّ مَعْنَى الْيَدِ هَهُنَا الْقُوَّةُ".

    وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: إِنَّمَا يَكُونُ التَّشْبِيهُ إِذَا قَالَ: "يَدٌ كَيَدٍ أَوْ مِثْلُ يَدٍ، أَوْ سَمْعٌ كَسَمْعٍ أَوْ مِثْلُ سَمْعٍ، فَإِذَا قَالَ سَمْعٌ كَسَمْعٍ أَوْ مِثْلُ سَمْعٍ فَهَذَا التَّشْبِيهُ. وَأَمَّا إِذَا قَالَ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: يَدٌ وَسَمْعٌ وَبَصَرٌ، وَلَا يَقُولُ كَيْفَ، وَلَا يَقُولُ مِثْلُ سَمْعٍ وَلَا كَسَمْعٍ، فَهَذَا لَا يَكُونُ تَشْبِيهًا، وَهُوَ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}». انتهى

    وقد عقد ابن خزيمة في كتاب التوحيد أبوابا في إثبات هذه الصفة لله وذكر أدلتها من الكتاب والسنة، ورد على الجهمية فيها.

    تنبيه الجهمية هو الاسم المستعمل عند السلف ومن تبعهم من أئمة الحديث لجميع المتكلمين أهل الرأي من أتباع الجهم بن صفوان والمعتزلة والأشاعرة والماتُرِيدية وغيرِهم.

    قال عليه الصلاة والسلام: (لَقَدْ هَمَمْتُ) أي قصدت وعزمت على (أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ) أي يُجمَع.

    قال ابن سيده في المحكم وغيره: «الحَطَبُ: مَا أُعِد من الشّجر شَبُوبًا للنار. حَطَبَ يحْطِبُ حَطْبا، واحْتَطَبَ: جمع الحَطَبَ. وحَطَبَ فلَانًا حَطَبًا، يحْطِبُه، واحْتَطَبَ لَهُ: جمعه لَهُ». انتهى

    أي أراد فعل ذلك ولكنه له يفعله، أراد أن يأمر بعض أصحابه أن يجمعوا له حطبًا.

    (ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاَةِ) الألف واللام إن كانت للجنس فهو عامٌّ، وإن كانت للعهد ففي رواية: أنَّها العشاء، وفي أخرى: الفجر، وفي أخرى: الجمعة، وفي أخرى جاءت مطلقة.

    (فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ) أي أتخلف عن الصلاة مع هؤلاء؛ لأذهب إلى رجال لم يخرجوا إلى الصَّلاة (فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ) بالنَّار عقوبةً لهم، وقيَّد بالرِّجال ليخرج الصِّبيان والنِّساء، ومفهومه: أنَّ العقوبة ليست قاصرةً على المال، بل المراد تحريق المقصودين.

    قال صاحب المطالع في قوله:" ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ": «أي: آتيهم من خلفهم، أو أخالف ما أظهرتُ مِن فعلي في إقامة الصلاة وظنَّهَم أني فيها، ومشتغلٌ عنهم بها، فأخالف ذلك إليهم وآخذهم على غِرة.

    أو يكون: "أخالف" بمعنى: أتخلف عن الصلاة لمعاقبتهم». انتهى

    (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ) أي: المتخلِّفون (أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا) العظم الَّذي عليه بقيَّة لحمٍ أو قطعة لحم (أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ) ظِلْف الشَّاة أو ما بين ظِلْفَيها من اللَّحم (لَشَهِدَ العِشَاءَ) أي: صلاتها.

    والمعنى: لو علم أنَّه لو حضر الصَّلاة يجد نفعًا دنيويًّا وإن كان خسيسًا حقيرًا لَحضرها؛ لقصور همَّته على الدُّنيا، ولا يحضرها طلبا للأجر الأخروي، فهو وُصِفَ بالحرص على الشَّيء الحقير من مطعومٍ أو ملعوبٍ به، مع التفريط فيما يحصل به رضا الله.

    ووصف العَرْق بالسِّمَن، والِمرْماة بالحُسْن، لأنه أعظم رغبة لأهل الدنيا.

    قال الترمذي: "وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ قَالُوا: مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْ فَلَا صَلَاةَ لَهُ ".

    وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: هَذَا عَلَى التَّغْلِيظِ وَالتَّشْدِيدِ، وَلَا رُخْصَةَ لِأَحَدٍ فِي تَرْكِ الجَمَاعَةِ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ". انتهى

    هذان مذهبان من مذاهب أهل العلم في حكم صلاة الجماعة.

    وهي:

    الأول: الشرطية فلا تصح الصلاة إلا بها إلا للمعذور. وهذا أضعف الأقوال في المسألة، فحديثهم: "لا صلاةَ لجارِ المسجِدِ إلّا في المَسْجِدِ". ضعيف.

    والثاني: الوجوب العيني لغير المعذور. وهذا الحديث الذي معنا أقوى أدلتهم.

    والثالث: الوجوب الكفائي.

    والرابع: الاستحباب.

    وأنا مع ابن عبد البر فيما قرره في شرح هذا الحديث، فقد أجاد وأفاد كعادته الغالبة رحمه الله، واختار الوجوب الكفائي.

    قال رحمه الله وهو يذكر فوائد الحديث: «وفيه: إباحَةُ عُقُوبةِ مَن تأخَّرَ عن شُهُودِ الجماعةِ لغيرِ عُذرٍ، ولم يَكُنْ يَتَخلَّفُ عن رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في الصَّلاةِ إلّا مُنافِقٌ، أو مَن لهُ عُذرٌ بيِّنٌ.

    وقال: "واستدلَّ به داودُ وأصحابُهُ، على أنَّ الصَّلاةَ في الجَماعةِ فرضٌ على كلِّ أحَدٍ في خاصَّتِهِ، كالجُمُعةِ، وأنَّها لا تُجزِئُ المُنفرِدَ، إلّا أن يُصلِّيَها في المسجِدِ معَ الجَماعةِ، أو يُصلِّيَها بَعْدَ أن يَفرُغَ الجماعةُ في المسجِدِ مِنها، كقولِنا في الجُمُعةِ سَواءً. واحتُجَّ بقولِهِ صلى الله عليه وسلم: "لا صلاةَ لجارِ المسجِدِ إلّا في المَسْجِدِ".

    وهذا عِندَنا محمُولٌ على الكمالِ في الفَضْلِ، كما قال: "لا دِينَ لمن لا أمانةَ لهُ".

    وقال: "لا يزني الزّاني حِينَ يَزْني وهُو مُؤمِنٌ". أي: مُستكمِلٌ الإيمانَ.

    واحتجَّ أيضًا بحديثٍ عِتْبان بنِ مالكٍ وعَمرِو ابن أُمِّ مَكتُوم، أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال لهما، أو لأحَدِهِما: "هل تَسْمعُ النِّداءَ؟ "، قال: نعَمْ، قال: "ما أجِدُ لكَ رُخْصةً". وهذا محمُولٌ عِندَنا على الجُمُعةِ.

    واحتجَّ بحديثِ هذا البابِ قولِه: "لقد هَمَمتُ أن آمُرَ بحطَبٍ فيُحطَبَ … " الحديثَ.

    قال: ومُحالٌ أن يُحرِقَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بُيُوتَ قوم، إلّا على تَركِ الواجِبِ. وهذا عِندَنا على أنَّ شُهُودَ الجَماعةِ من السُّننِ المُؤَكَّدةِ، التي تجِبُ عُقُوبةُ مَن أدمنَ التَّخلُّفَ عنها من غَيرِ عُذْرٍ.

    وقد أوجَبَها جَماعةٌ من أهلِ العِلم، فرضًا على الكِفايةِ، وهُو قولٌ حسنٌ صحِيحٌ، لإجماعِهِم على أنَّهُ لا يجُوزُ أن يُجتمَعَ على تَعطِيلِ المساجِدِ كلِّها من الجماعاتِ، فإذا قامَتِ الجماعةُ في المسجِدِ، فصلاةُ المُنفرِدِ في بيتهِ جائزةٌ؛ لقولِهِ صلى الله عليه وسلم: "صلاةُ الجماعةِ تَفضلُ صلاةَ الفذِّ بخَمسٍ وعِشرِينَ دَرجةً".

    ففي هذا الحديثِ جوازُ صلاةِ المُنفرِدِ، والخبرُ بأنَّ صلاةَ الجماعةِ أفْضَلُ.

    وقد قال صلى الله عليه وسلم: "إذا وجدَ أحدُهُمُ الغائطَ، فليَبْدأْ به قبلَ الصَّلاةِ".

    وقال: "إذا حَضَرتِ الصَّلاةُ والعَشاءُ، فابدؤُوا بالعَشاءِ".

    وقال: "ألا صَلُّوا في الرِّحالِ"، في المطَرِ.

    وهذه الآثارُ كلُّها تدُلُّ على أنَّ الجماعةَ ليست بفرِيضةٍ، وإنَّما هِي فضِيلةٌ، وقد ذكَرْنا هذه الآثارَ بأسانِيدِها في غيرِ موضِع من كِتابِنا هذا، والحمدُ لله.

    وقد قِيل: إنَّ معنى حديثِ هذا البابِ، إنَّما هُو في الجُمُعةِ لا في غيرِها من الصَّلواتِ الخمسِ في الجماعةِ.

    واستدلَّ القائلونَ بذلك، بما رواهُ معمرٌ وغيرُهُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ الله بنِ مسعُودٍ، قال: قال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لقد هممتُ أن آمُرَ رجُلًا يُصلِّي بالنّاسِ، ثُمَّ أنطلِقَ فأُحرِّقَ على قَوم بُيُوتَهُم، لا يشهدُونَ الجُمُعةَ".

    وقد جاءَ عنِ ابنِ مسعُودٍ في الصَّلواتِ الخمسِ غيرُ هذا، وترتِيبُ الآثارِ عنهُ في ذلك على فرْضِ الجُمُعةِ، وتأكِيدِ فضلِ الجَماعةِ، واللهُ أعلمُ.

    ويحتمِلُ أن يكونَ حديثُ ابنِ مسعُودٍ، مُفسِّرًا لحديثِ أبي هريرةَ، حديثِ هذا البابِ، فيكونَ قولُهُ في حديثِ هذا البابِ: "ثُمَّ آمُرَ بالصَّلاةِ فيُؤَذَّنَ لها". أي: صلاةِ الجُمُعةِ".

    وأخرج بإسناده: "عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ الله، أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لقوم يتخلَّفُونَ عنِ الجُمُعةِ: "لقد هَممتُ أن امُرَ رجُلًا يُصلِّي بالنّاسِ، ثُمَّ أُحرِّق على قوم يَتخلَّفُونَ عنِ الجُمُعةِ بُيُوتهم". وهذا بيِّنٌ في الجُمُعةِ.

    وأمّا التَّأكِيدُ في النَّدبِ إلى الجماعاتِ في الصَّلواتِ الخَمسِ". فخرج بإسناده "عن أبي الأحْوَصِ، عن عبدِ الله، أنَّهُ كان يقولُ: من سرَّهُ أن يَلْقَى اللهَ غدًا مُسلِمًا، فليُحافِظْ على هؤلاءِ الصَّلواتِ الخَمْسِ حَيْثُ يُنادَى بهنَّ، فإنَّ اللهَ شرَعَ لنبيِّهِ صلى الله عليه وسلم سُنَنَ الهُدى، وإنَّهُنَّ من سُنَنِ الهُدَى، وإنِّي لا أحسبُ مِنكُم أحدًا إَلّا لَهُ مَسْجِدٌ يُصلِّي فيه في بيتهِ، فلو صَلَّيتُم في بُيُوتِكُم، وتَرَكتُم مَساجِدكُم، تركتُم سُنّةَ نبِيِّكُم، ولو تَركتُم سُنّةَ نبِيَكم لضَلَلتُم. وذكر تمامَ الحديثِ.

    وأخرج بإسناده عن أبي الأحْوَصِ، عن عبدِ الله، قال: عليكُم بالصَّلواتِ» «الخَمْسِ حيثُ يُنادى بهنَّ، فإنَّها من سُنَّةِ نبِيِّكُم، ولو تركتُم سُنّةَ نبِيِّكُم لضللتُم، ولقد عَهِدتُنا وإنَّ الرَّجُل ليُهادَى بين الرَّجُلينِ، حتَّى يُقامَ في الصَّفِّ، ولقد رأيتُنا وما يَتَخلَّفُ عنها إلّا مُنافِقٌ مَعلُومٌ نِفاقُهُ.

    فقد صرَّحت هذه الآثارُ عنِ ابنِ مسعُودٍ، بأنَّ شُهُودَ الجماعةِ سُنَّةٌ، ومن تَدبَّرها علِمَ أنَّها واجِبةٌ على الكِفايةِ، واللهُ أعلمُ.

    وعبدُ الله بن مَسْعُودٍ أحدُ الذين روَوْا عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: "فضلُ الجميع على صلاةِ الفذِّ خمسٌ وعِشرُونَ دَرَجةً".

    وخرج بإسناده عن أبي الدَّرداءِ، قال: سمِعتُ رسُول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "ما من ثلاثةٍ في قَرْيةٍ ولا بدوٍ لا تُقامُ فيهمُ الصَّلاةُ، إلّا قدِ اسْتَحوذَ عليهمُ الشَّيطانُ، فعليكَ بالجَماعةِ، فإنَّما يأكُلُ الذِّئبُ القاصِيةَ". قال زائدةُ: قال السّائبُ: يعني: الجماعةَ.

    ورَواهُ ابنُ المُباركِ، عن زائدةَ بإسنادِهِ مِثلهُ سواءً. وقال: زائدةُ: قال السّائبُ: يعني بالجماعةِ، الصَّلاةَ في الجماعةِ.

    وأمّا قولُهُ: "والذي نفسِي بيده، لو يعلمُ أنَّهُ يجِدُ عظمًا سَمِينًا، أو مِرماتَينِ حَسَنتينِ، لشهِدَ العِشاءَ".

    فهذا تَوْبِيخٌ منهُ لمن تأخَّر عن شُهُودِ العِشاءِ مَعهُ، وتَقْرِيعٌ وذمٌّ صَرِيحٌ، وعيبٌ صحِيحٌ، إذ أضافَ إليهم أنَّ أحدَهُم لو علِمَ أَنَّهُ يجِدُ من الدُّنيا العَرَض القليل، والتّافِهَ الحقِير، والنَّزرَ اليَسِير في المسجِدِ، لقَصَدهُ من أجلِ ذلك، وهُو يَتَخلَّفُ عنِ الصَّلاةِ فيه، ولها من الأجرِ العَظِيم، والثَّوابِ الجَسِيم ما لا خَفاءَ به على مُؤمِنٍ، والحمدُ لله، وكَفَى بهذا توبِيخًا في أثرَةِ الطَّعام واللعب على شُهُودِ الصَّلاةِ في جماعةٍ.

    وهذا منهُ صلى الله عليه وسلم إنَّما كان قصدًا إلى المُنافِقِينَ، وإشارةً إليهم، ألا ترى إلى قولِ ابنِ مسعُودٍ: ولقد رأيتُنا في ذلك الوَقْتِ، وما يتأخَّرُ عنها إلّا مُنافِقٌ مَعلُومٌ نِفاقُهُ؟ وما أظُنُّ أحدًا من أصحابه، الذين هُم أصحابُهُ حقًّا، كان يتخلَّفُ عنهُ، إلّا لعُذرٍ بيِّنٍ، هذا ما لا يشُكُّ فيه مُسلِم إن شاءَ الله.

    وضرَبَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بالعَظْم السَّمِينِ، يُرِيدُ بُضْعةَ اللَّحم السَّمِينِ على عَظْمةٍ، المثلَ في التَّفاهةِ، كما قال عز وجل: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} يُرِيدُ الشَّيءَ الكثِير، لم يُرِدِ القِنطارَ بعينِهِ. {وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ} يُرِيدُ الشَّيءَ الحقِيرَ القليل، ولم يُرِدِ الدِّينارَ بعينِهِ. {لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [آل عمران: 75]". انتهى باختصار.

    قال ابن العطار في ذكر فوائد الحديث:

    «وفي هذا الحديث فوائد:

    منها: الدليلُ لمن قال: إن الجماعة فرضُ عين؛ ولا شك أنها كذلك في الجمعة، واختلف العلماء فيما عداها؛ من الصلوات الخمس:

    فقال عطاءٌ، والأوزاعيُّ، وأحمدُ، وأبو ثورٍ، وابنُ المنذر، وابنُ خزيمة، وداودُ: الجماعةُ فرض عين، لكن اختلفتِ الرواية عن أحمدَ، وداودَ: هل هي فرض؛ بمعنى الشرط للصلاة، أم لا؟ والأظهرُ عن أحمد: أنها فرضُ عين، ليس بشرط.

    وقال الأكثرون: هي سنة.

    وقيل: فرض كفاية؛ وهو قول في مذهب الشافعي، ومالكٍ، وهو المختار عند جماعة من محققي أصحاب الشافعي.

    وجه الدليل لمن قال: إنها فرض عين: هذا الحديث؛ فإنه إن قيل: إنها فرض كفاية؛ فهو كان قائمًا بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن معه، وإن قيل: إنها سنة؛ فلا تحريقَ، ولا قتلَ على تاركها؛ فتعين أنها: فرضُ على الأعيان.

    وأجاب القائلون بأنها سنة، أو فرضُ كفاية: بأن التهديد على تركها؛ إنما كان لصفة النفاق، مع ترك الجماعة، لا لتركها فقط، ويشهد لذلك ما ثبت في "الصحيح": أنه صلى الله عليه وسلم قال: "ولو علمَ أحدُهم أنه يجدُ عظمًا سَمينًا، لشهدَها"؛ يعني: العشاء.

    ومعلوم أن ذلك؛ ليس صفة للمؤمنين، لا سيما أكابر الصحابة، وإذا كان ذلك للمنافقين؛ كان التحريقُ للنفاق، لا لتركِ الجماعة؛ فلا يتمُّ الدليل، مع أن الترتيب على وصفين لا يجوز أن يترتب على أحدهما".

    ثم ذكر نقاشا طويلا حول هذا.

    وقال: "ومنها: تقديم الوعيدِ والتهديدِ على العقوبة، وسرُّ ذلك أنه إذا أمكن دفعُ المفسدة بالأهون من الزاجر، لم يُعدل إلى الأعلى والأصعب منه.

    وفيه: أن الإمام إذا عرض له شغلٌ، يستخلفُ مَنْ يصلي بالناس؛ لقوله: "آمرَ بالصلاةِ، فَتُقام، ثم آمرَ رجلًا، فيصلِّيَ بالناسِ".

    وفيه: جواز الانصراف بعد إقامة الصلاة؛ لعذر.

    واستدل به بعضهم على جواز العقوبة بالمال؛ وهو مذهب مالك.

    وفي قوله صلى الله عليه وسلم في بعض طرقه: "ثم يحرقَ بيوتٌ على مَنْ فيها" ما يدل على: أن تارك الصلاة متهاونًا يُقتل.

    وفيه: جواز أخذِ أهل الجرائم على غِرَّة.

    وفيه: أن الأفضلَ لأهل الأعذار تحمُّلُ المشقةِ في الإتيان إلى الجماعة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لأتَوْهما، ولو حَبْوًا"، ومعلوم أن إتيان الصلاة حبوًا لا يكون إلا من عذر، والله أعلم". انتهى

    فائدة أخيرة: تحريق الناس بالنار منسوخ. سيأتي في موضعه إن شاء الله.

    تحميل الملفات :-

جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم